جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مسرح الأطفال في سورية بين الواقع الراهن وتطلعات المستقبل (الواقع -الهوية -التطوير -التطلعات) ـــ محمد سعيد الجوخدار

1-الواقع:‏

عندما نتكلم عن مسرح الطفل، لابد لنا من إلقاء نظرة شاملة على آفاق هذا المسرح، وعلى ما قُدم سابقاً وما يقدم حالياً، مستعرضين الجهات التي تقوم برعايته. ومن المفيد أن نذكر أن مسرح الطفل يشتمل على عدة فروع: مسرح (الكبار يمثلون للصغار) ومسرح (الصغار يمثلون للصغار) ومسرح (العرائس بفرعيه الخيطي- ماريونيت- والقفازى) ومسرح (خيال الظل). أما الجهات والمؤسسات التي ترعى هذا المسرح فهي: وزارة الثقافة (مديرية المسارح) وزارة التربية (قسم المسرح المدرسي) ومنظمة طلائع البعث (قسم المسرح) فضلاً عن الفرق الخاصة. وإذا ألقينا نظرة على ما تقدمه هذه الجهات من ناحية الكم، نرى أن هناك عدداً لا بأس به من العروض المسرحية تقدم للأطفال كل عام في دمشق والمحافظات الأخرى. والجدير بالذكر أن منظمة طلائع البعث بذلت جهداً ملحوظاً في رعاية مسرح الطفل وذلك من خلال المهرجانات القطرية السنوية التي يتخللها عروض مسرحية بالإضافة إلى ندوات ثقافية وفنية حول تنمية الإبداع الفني لدى الأطفال. أما بالنسبة لمديرية المسارح في وزارة الثقافة، فهي تسعى أيضاً لتؤكد على حرصها واهتمامها بمسرح الأطفال عن طريق تقديم بعض العروض المسرحية في كل عام.‏

وهناك الفرق الخاصة التي تقدم عروضها للأطفال، ولكننا نلمس أن هذه الفرق تمارس نشاطها من أجل الكسب المادي مهملة الجانب التربوي وهو الأهم. والتجارب التجارية لا تعيش طويلاً، هذا ما أكده ذوق الجمهور في سورية وفي الوطن العربي.‏

بناء على ما تقدم نخرج بنتيجة أن مسرح الطفل في سورية يسعى لإثبات وجوده، وأن هناك نوايا حسنة لتطويره. ولكن النوايا الحسنة لا تكفي إن لم يدعمها تحرك فعال، وجهود كبيرة، ورعاية من الدولة، لأن طموحاتنا أكبر من المستوى الذي وصل إليه حاليّاً وأبعد من ذلك، نصاً وإخراجاً وتمثيلاً وإنتاجاً وشكلاً ومضموناً.‏

2-الهوية:‏

من المؤكد أن مسرح الطفل هو مسرح تربوي شكلاً ومضموناً. ولابد لمن يعمل في مجاله من أن ينضوي تحت شعار (التربية قبل الفن). وقد أكدت التجارب أن مسرح الطفل يمكنه أن يصبح رافداً للعملية التربوية الحديثة، بما يحققه من فوائد شاملة تهدف إلى توجيه الأطفال، وتربيتهم تربية قومية واجتماعية وخلقية وثقافية وأدبية وفنية وجمالية.‏

فعن طريق الأهداف القومية نستطيع أن نغرس في نفوس الأطفال حب الوطن، والتمسك بالأرض والدفاع عنها، والإيمان بوحدة الأمة العربية والتاريخ المجيد الذي سطره الأجداد، وما قدموه للإنسانية من تراث حضاري عظيم انصهر في بوتقة الحضارة الإنسانية. وعن طريق الأهداف الاجتماعية والخلقية والنفسية يستطيع مسرح الطفل أن يلعب دوراً فعالاً في بناء المجتمع السليم، ويحل الكثير من الأمور الاجتماعية، ومشاكل الآباء والأمهات وعلاقتهم بالأبناء، وعلاقة الطفل بالمدرسة والبيت والأصدقاء وبما يحيط به، فيتحول مسرح الطفل إلى منارة ثقافية تنشر المبادئ التربوية والأخلاقية، وتنير الطريق أمام العلاقات السليمة. كما أنه يمكن أن يكون عاملاً قوياً في معالجة بعض الأمراض النفسية حيث نختار للطفل الدور المناسب الذي يؤدي إلى تفريغ ما في نفسه من عقد نفسية تتعلق بالخوف والخجل وضعف الشخصية.‏

ومن الأهداف الثقافية أنه يفيد في اكتساب المقدرة على استعمال اللغة العربية استعمالاً ناجحاً واكتساب المقدرة على التعبير والتفاعل مع النصوص الأدبية وتذوقها، والإحساس بجمالها. فمسرح الطفل هو مدرسة للفصاحة وسلامة النطق واللغة والإلقاء المعبر، ونافذة لاطلاع الأطفال على الأدب العربي والعالمي بأسلوب ممتع يجعلهم يحبونه ويتفاعلون معه.‏

ومن خلال الأهداف الجمالية يساهم مسرح الطفل في تربية الذوق وتنمية العواطف وصقلها في النفوس، كما يهدف إلى إيقاظ مدارك الأطفال وإسعادهم، مما يضمن لهم في المستقبل الحصول على أدق إحساس بجمال الفن، وخلق روح الإبداع فيهم، والسمو بنفوسهم ومشاعرهم، فيتسمون بالفضائل الإنسانية النابعة من كل ما هو جميل.‏

وهكذا نرى أن جميع الأهداف التربوية والأخلاقية والسلوكية والتوجيهية التي تحرص المدرسة على تزويدها للطفل، يستطيع المسرح أن يكثفها له في عرض مسرحي واحد مدته ساعة واحدة، فيتقبلها الطفل من أعماقه. ومن هنا يتبين لنا مدى خطورة الدور الذي يلعبه مسرح الطفل، لأن الأفكار التي تطرحها المدرسة قد يتقبلها الطفل بنوع من التردد، أما عندما يأتي الطفل إلى المسرح وقد سبقه قلبه إليه قبل قدميه، فيتقبل كل ما يُقدّم له. وهنا من الضروري الإشارة إلى أنه علينا أن نكون حذرين تجاه هذه اللحظة التي يفتح فيها الطفل قلبه للمسرح. وهذا الأمر يحتاج إلى خبرة تربوية قبل الخبرة الفنية.‏

إذن، إن خصوصية مسرح الطفل هي أنه مسرح تربوي بكل ما تحمله كلمة تربوي من معنى وأبعاد.‏

3-التطوير:‏

ثمة أمران مهمان، يشكلان الانطلاقة القوية والمتينة لتطوير مسرح الطفل.‏

الأمر الأول هو الإيمان الكبير بضرورة وأهداف وفائدة هذا المسرح. أما الأمر الثاني فهو القاعدة المادية المتينة والتي تعتبر أساساً للتطوير في جميع المجالات.‏

إننا قد نلمس أن هناك اهتماماً بمسرح الطفل لما نقرأه من مقالات في الصحف بين حين وآخر، تتضمن بحوثاً ودراسات حول هذا المسرح ومشاكله... ولكن تلك المقالات ليست إلا مبادرة طيبة من قبل بعض المثقفين والفنانين والصحفيين الذين يستحقون كل تقدير، لأنهم ينطلقون من إيمانهم بالدور المهم الذي يلعبه هذا المسرح والأهداف السامية الذي يسعى لتحقيقها. كما أننا نشاهد بعض العروض تقدم للأطفال هنا وهناك. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل بلغ مسرح الطفل مستوى طموحاتنا؟... وهل نحن في مرحلة التأسيس أم في مرحلة التجريب؟... في الحقيقة إننا نراوح بين مرحلة التأسيس والتجريب، فالتأسيس يحتاج إلى قاعدة متينة تتوفر فيها شروط الانطلاق والاستمرارية، وهذه الشروط غير متوفرة حالياً، والتجريب يحتاج إلى ورشة عمل بكل كوادرها الفنية، ويحتاج أيضاً إلى استمرارية. فالتجريب لا يعطي ثماره من خلال عمل أو عملين. التجريب يحتاج إلى مدة طويلة، إذ إنه بعد كل عمل تجريبي نقدمه يجب أن نقوم بعملية دراسة وسبر لنتائج هذا العمل لدى كل من الجمهور والكادر المنفذ. وبعد عملية السبر والحصول على النتائج نعيد تجربتنا بانطلاقة جديدة، مستفيدين من إيجابيات التجربة السابقة وسلبياتها. ثم نتوقف لإجراء سبر جديد وهكذا...‏

وهكذا يحدث التطور. ولكن هذا لا يحدث لأسباب كثيرة، تحتاج إلى ملف خاص. ومن الجدير بالذكر أن هناك مبادرات إبداعية تظهر على الساحة الفنية بين الحين والآخر، تلمع وتتألق ثم ما تلبث أن تنطفئ، تماماً كما تفعله شهب الألعاب النارية. فلماذا تنطفئ هذه الإبداعات؟.. ألا يستحق هذا السؤال أن نكلف أنفسنا بالبحث عن الجواب؟... من يدري؟... قد يكون في معرفتنا للجواب انطلاقة جديدة ومتطورة...‏

ويمكننا تحديد عوائق تطور مسرح الطفل بالنقاط التالية:‏

1-عدم تناسب الميزانية المخصصة لمسرح الطفل مع متطلباته.‏

2-الافتقار إلى النصوص المسرحية المناسبة والتي تسمو بالعرض المسرحي.‏

3-عدم توفر مسرح مناسب للأطفال.‏

4-تواضع المكافآت التي تدفع للعاملين في مسرح الأطفال.‏

5-ابتعاد الممثلين عن مسرح الأطفال واتجاههم إلى المسلسلات التلفزيونية، نظراً للمكافآت المغرية، والشهرة الواسعة التي يحققها لهم ظهورهم على الشاشة الصغيرة.‏

6-افتقار المشرفين على مسرح الأطفال -وخاصة في مجال فرق الأطفال التي يمثلون للأطفال- إلى مؤهلات تربوية، تساعدهم على حل المشاكل التربوية التي ترافق سير تنفيذ العمل المسرحي، ابتداء من عملية انتقاء الأطفال للأدوار المناسبة وانتهاء بإسدال الستار على المشهد الأخير من المسرحية. مثلاً: طريقة اختيار الطفل للدور الذي يسند إليه، طريقة توزيع الأدوار، أسلوب التعامل مع الطفل أثناء التدريبات، تحريك الطفل على خشبة المسرح، تدريب الطفل على الإلقاء ومعالجة عيوب النطق.‏

مجابهة الطفل للجمهور ومعالجة الشعور بالخجل... الخ.‏

4-التطلعات:‏

من خلال استعراضنا لواقع مسرح الطفل في سورية يتضح لنا أن سبيل الارتقاء به يحتاج إلى استنفار جميع الطاقات الإبداعية في المؤسسات الثقافية والتربوية والفنية، لإجراء دراسة واسعة، تخرج بقرارات تتبناها الدولة وتسعى إلى تنفيذها، ومع هذا يمكننا حصر تطلعاتنا في النقاط التالية:‏

1-مطالبة المؤسسات الثقافية التابعة للدولة بتبني ورعاية مسرح الطفل والسخاء في تقديم المكافآت، وتحقيق كل ما من شأنه رفع مستوى هذا المسرح شكلاً ومضموناً، كماً، وكيفاً، والدأب في الوصول به إلى مستوى طموحاتنا.‏

2-تهيئة الكوادر الفنية والتربوية لمسرح الطفل، وذلك بإنشاء قسم خاص ومستقل في المعهد العالي للفنون المسرحية، تحت اسم (قسم مسرح الأطفال) بإشراف مجلس استشاري تربوي وفني، على أن يشمل هذا القسم جميع الفروع: مسرح العرائس، ومسرح خيال الظل ومسرح الكبار يمثلون للصغار، ومسرح الصغار يمثلون للصغار، والنقد المسرحي لمسرح الأطفال.‏

3-إعادة النظر في دراسة هيكلية مسرح الطفل في وزارة الثقافة، والعمل على تطويره، وتخصيص ميزانية تتناسب مع ما يجب أن يكون عليه من مستوى رفيع، وتشكيل لجنة استشارية تربوية وفنية للنظر في العروض التي ستقدم، نصاً، وتمثيلاً، وإخراجاً. وإقامة مهرجان دوري لمسرح الأطفال على المستوى القطري والعربي. واستضافة فرق أجنبية متميزة.‏

4-دعم المسرح المدرسي في وزارة التربية، والنهوض به للمستوى الذي يتناسب مع خطورة دوره.‏

5-اهتمام وزارة الإعلام (بكل فروعها المرئية والمسموعة والمقروءة) وتخصيص ساعات ضمن البرامج التلفزيونية والإذاعية تقدم فيها مسرحيات للأطفال، وترصد الإبداعات المسرحية الطفلية.‏

6-مع التقدير إلى محاولات منظمة طلائع البعث في تطوير مسرح الطفل، من خلال المهرجانات القطرية السابقة، في مطالبة أيضاً بتطوير الكوادر الفنية، ودعم المسرح مادياً، والنهوض به إلى المستوى المطلوب.‏

7-إنشاء أبنية خاصة لمسارح الأطفال في محافظات القطر.‏

8-قيام جميع المؤسسات المعنية بمسرح الطفل بإجراء مسابقات دورية لانتقاء النصوص المسرحية الطفلية الجيدة، وتقديم المكافآت السخية والمغرية للنصوص الفائزة.‏

9-إقامة ندوة قطرية تحت شعار (تطوير مسرح الطفل) تشرف عليه لجنة مؤلفة من كلية التربية بجامعة دمشق ووزارة التربية، ووزارة الثقافة ووزارة الإعلام ومنظمة الطلائع يدعى إليها فنانون وأدباء وتربويون من الأقطار العربية الشقيقة.‏

أخيراً، وبعد هذه الدراسة الموجزة عن مسرح الطفل في سورية، أعتقد أنه لا أحد يشك في أهمية هذا المسرح، والمكانة اللائقة التي يجب أن يتبوأها على الساحة الفنية، وبالتالي من الضروري بل من الواجب أن تتجسد هذه الاقتراحات على صعيد الواقع، وأن لا تظل حبراً على ورق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244