جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحداثة الشعريّة والزمن ـــ د.جودت إبراهيم

تُعدُّ إشكالية القديم والحديث إشكالية قديمة، تعود جذورها إلى القرن الثاني للهجرة، إلا أنها اتخذت طابعاً مختلفاً في زمننا هذا، وذلك لتغير العصر ومفرزاته، ولتشابك العلاقات بين الحضارات، وخاصة بين الشرق والغرب.‏

ومع أن مصطلح الحداثة موجود في معاجمنا اللغوية، إلا أنه لم يستخدم من قبل نقّادنا القدامى، الذين استخدموا مصطلحات أخرى قريبة منه في الدلالة كالتجديد، والتحديث، والحديث... والحداثة لغةً: هي الجدَّة، والفعل حدوث نقيض قَدُمَ في المعنى، وكلمة حداثة هي مصدر الفعل، يُقال: أخذ الأمر بحداثته، أي بأوله وابتدائه. والمحْدَث: ما لم يكن معروفاً في كتابٍ ولا سنّة ولا إجماع من البِدَع. وأحدث الشيء: ابتدعه وأوجده. قال تعالى: (لعلَّ الله يُحْدِثُ بعد ذلك أمرا(.‏

والحداثة في معناها العام، هي دخول الفرد أو المجتمع معترك العصر، مسلّماً بكل المقوّمات المادية والمعنوية التي تتسم بها حضارة هذا العصر، سواء من علوم وآداب، وفنون وتقنيات، وأجهزة اتصال وغيرها. وهي في معناها الخاص: مواصفات محدّدة تتسم بها الفنون من أدب ورسم وموسيقى، وتكاد تقتصر على ما ظهر منها في القرن العشرين.‏

كان فرانك كيرمود يقول في أواسط ستينيات القرن العشرين "ينبغي أن يتم تسجيل تاريخ كلمة حديث (Modern). وكان يقصد مقولته هذه أن كلمة (حديث) تعني في مضمونها وجود علاقة تربط بينها وبين الماضي، وأنها تحتاج إلى نقد وإعادة نظر جذرية وحقيقية؛ وبالتالي فهي مصطلح له وزن يفوق ما لكلمة (جديد) (New) أو معاصر Contemporary من ثقل.‏

وعندما ردَّ هنري لوفيفر على سؤاله: ما الحداثة؟ ذهب إلى أنه ومنذ زمن قديم و(الحديث) يقابل (القديم)، ومنذ قرون و(الحالي) و(الجديد) يستخدمان من أجل تفخيم نفسيهما، أو الإلقاء بما يختلفان حوله، أو يتوهمان أنهما يختلفان حوله في هوة الأشياء الماضية. وأخذ المعنى الإشكالي لمفهوم الحداثة يخضع لموجة التفخيم الذاتي التي راحت ترافق (الحداثوية) وهي تعني عبادة الجديد من أجل الجديد. ويطلع بودلير في القرن التاسع عشر بفكره الحداثي المميز، وما من شك في أن نصه الرائع (رسّام الحياة الحديثة) يمثل علامة هامة في تاريخ الحداثة.‏

إن الحداثة التي بدأت تباشيرها في مطلع القرن العشرين مع الانقلاب التقني والعلمي في أوروبا، اتخذت مساراً في استيعاب العالم، ومنحىً في تحسس موجوداته والتفاعل معها، وقد شرعت تتعيّن متوطدة أعقاب الحرب العالمية الثانية، أي مع الثورة الالكترونية. وقد يعطي بعض النقاد ومنهم سبندر وجراهام هوف الأولوية لسنوات ما قبل الحرب العالمية الأولى، بينما يفضّل الآخر ومنهم هاري ليفن وجوليان سيمونز التركيز على عام واحد هو 1922م بوصفه العام الذهبي للحداثة.‏

ليست الحداثة الشعرية بالمضمون الجديد، ولا بالشكل الجديد المخترع: قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، أو القصيدة الكلية، وإنما هي في الأدوات التعبيرية الجديدة، والرؤى الجديدة، التي تعمل على النفاذ إلى أعماق الواقع لكشف تناقضاته، وسلبياته، وإيجابياته، وعلى النفاذ إلى أعماق الإنسان لكشف أزماته وقضاياه، كون الإنسان محور اهتماماتها، ولهذا كله كانت الحداثة في النص لا في الشاعر. فأداة الحداثة هي الكشف لا الوصف، الخلق اللانهائي والتجريب المستمر لا التكرار والتقليد.‏

ومن الخطأ أن نضع الحداثة في مواجهة التراث، لأنهما وجهان لعملة واحدة. فعلاقة الحداثة بالتراث والأصالة علاقة جدلية، كل منهما يفيد الآخر ويستفيد منه، وبهذا نتخلّص من استلابين اثنين: الأول استلاب الماضي لشخصيتنا. والثاني استلاب الغرب لنا. ومن هنا يترتب علينا أن نقيم علاقة متوازنة وواعية بين حاضرنا وماضينا من جهة، وبيننا وبين الغرب من جهة أخرى. وأن نعمل على صنع مستقبل أفضل وذلك بالاستفادة من التراث وفن الغرب، بما يتلاءم وواقعنا وخصوصيتنا القومية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244