|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
منامات أبي ليلى الدمشقي المنام الثاني بارام الخزريه ـــ عدنان عمامة "الكلبيّ الأبرش" بغدادي السكن، قرشي الهوى، أحب الغناء والشواء والطلاء، ومصاحبة "ابن فضلان" الذي كان يعظه دائماً ويؤنبه على فجوره ومجونه، ابن فضلان كان رجلاً ورعاً تقياً وصديقاً لوزير خليفة المسلمين، لكن، لكلبي الأبرش لم ينقطع عن مصاحبة المغنين والذهاب إلى خمارات "النبط" في سواد الكوفة، وقرض الشعر وهجو الخلفة وقواده الترك وغلمانه من كل مله وجنس. وكثيراً ما طلبه عسس الخليفة ولكن الزعر والشطار والعيارون كانوا يخفونه في مخابئهم حتى يكف الطلب عنه. أو يتدخل ابن فضلان عند الوزير فيتدخل بدوره لدى القواد الترك فيكفون عن طلبه. لا يدري أحد ماذا حدث حتى وقتنا هذا كيف وافق الوزير على قبول الكلبي الأبرش في بعثة الخليفة إلى ملك العقالبه والبلغر، فهو ليس رجل حرب ولا رجل فقه، ولا رجل سياسة، وحين سأل ابن فضلان عن سبب اختياره نهره قائلاً "هذا ليس شانك" وهكذا وجد الأبرش نفسه فرداً في بعثة ابن فضلان إلى ملك العقالبه والبلغر، ودع أهله وأصحابه، وفكر أكثر من مرة أن يتخلف عن الرجل، لكن ابن فضلان فطن إليه وفوّت عليه الهروب. خرج الأبرش من بغداد موفور الصحة، فائر القريحه وفي طريق القافلة إلى بلاد العقالبه والبلغر رأى الأهوال وشاب رأسه، وكاد أن يقضي نحبه خوفاً وإعياء وقتلاً، فقد عبر بلاد الترك حيث كادوا أن يفتكوا به وبالقافلة فهم متوحشون، يعبدون الأعواد والدمى الخشبية والمرأة عندهم تحدّد عورتها أمام الرجال ولا تستحي، في نهر "جيحون" كاد أن يغرق، وفي نهر "سيحون" كاد أن يأكله قطاع الطرق، وفي "بخارى" أصابه البرد الشديد أطرافه حتى تجمدت، لكنهم وصلوا إلى "أعس بن يطوار" ملك العقالبه والبلغار، وعندما أدرك الكلبي الأبرش أنه وصل أشدّه، فقد نجا من الموت والقتل والبرد والجوع، ونجت القافلة بما تحمله من السلاح والأدوية والمال والجمال والبغال والحمير. ألحسن بن يلطوار رشّ فوق رؤوسهم الدنانير، ودعا للخليفة بالعز والبقاء هو وغلمانه وأعوانه واتخذ لنفسه اسم جعفر مولى أمير المؤمنين. لعل السبب في اصطحاب ابن فضلان للكلبي الأبرش هو أمله في أن تصلح أحواله، ويكف عن العبث والمجون في بلاد العقالبه والبلغار، خاصة بعد أن عانى الأهوال في رحلته، وبعد أن أدرك عظمة العرب في بلاد العقالبه لكن الكلبي الأبرش خيب آماله فبعد أن ارتدّ إليه روعه، وتحسنت أحواله رأى في بلاد البلغار ما لم يره في سواد بغداد. لم يكن البلغار وحدهم في تلك الأصقاع البعيدة، بل كان يعيش حولهم قبائل الخزر الشديدي المراس، والذين يتنقلون فوق عربات تجرها الثيران، وملكهم هو الخاقان الأكبر الذي يعيش وحيداً بين جواريه ونسائه. الخزر الأشداد الذين جالت خيولهم في بقاع روسيا وثغور العرب، وقبائل الروس كانت أيضاً هناك، يأتي بعضهم إلى النهر ليتاجروا مع البلغار بجلود السمّور، لم ير الكلبي الأبرش أتم أبداناً منهم، ولا أحسن خلقة، كانوا شقراً وبيضاً. وسلاحهم الفأس والسكين، ويعيشون فوق القوارب التي تأتي وتذهب في النهر. هذه البلاد ليست مثل أرض العرب، في بغداد سكون وهدوء، فما خلا قتل الغلمان الترك للخلفاء فلا شي هاماً في بغداد، سوق الجواري، الحمامات البضائع، الحلي الذهبية، الدور، العطور، حلقات البحث، كل شيء ساكن في بغداد، أما هذه البلاد فكل شيء فيها بدائي ووثني كما خلقه الله، هذه البلاد ليست مثل أرض العرب، هنا تحوج الرغبات والجيوش والأنهر والملوك والشعوب. *** ما أفقده في بغداد، وجده في بلاد الخزر، فقد ملَّ من البقاء عند ألحسن بن يليطوا فراح يطوف البراري، يشاهد ويسمع ويتعجب، أحب تلك البلاد، وأحب ما رأى فيها لم يكن حذراً في تجواله فوقع أسيراً في أيدي الخزر بعد أن أصيب بجرح عميق في كتفه إثر ضربة فأس خزري. حين فتح عينيه من إغمائه بعد الوقعة رأى نفسه في "قبّه" واسعة مفروشة بجلود السمّور والفراء، حاول أن يتحرك لكنه أحس بألم شديد في كتفه ورأى أمامه امرأة رائعة الجمال تنظر إليه بقوة، طلبت منه أن لا يتحرك، وأن يبقى هادئاً. وهكذا وقع الجد الثالث عشر لأبي ليلى في أسر أميرة خزريه تدعى "بارام" التي أحبته وأدركت أنه رجلها، كان من طبع بارام أن تأخذ ما تريد وكل العشيرة تطيعها طاعة عمياء، فهي أميرة محاربة ذات جمال باهر تمارس السحر والسيمياء، وحين وقع الكلبي الأبرش في أسر رجالها احتفظت به لنفسها فها هو رجل من العرب الذين حاربوا قومها طوال سنين بين يديها، رجل غريب وجريء وفاتن. من طبع الكلبي الأبرش، أن يميل بشدة إلى النساء وأن يولع بهن، وها هو الآن بين يدي امرأة فاتنة الأنوثة، شبقة إلى حد الوحشية، يتجول في البراري الواسعة بحثاً عن طريدة، وفي الليل يتفرّغ للمجون والشرب، ولكنه من فترة لأخرى كان يحن إلى قومه وبلاده، وهم بالهرب، لكن رجال الأميرة أمسكوه، فما كان من بارام الخزريه من حيله لإبقاءه سوى أن تدس "الأفيون" في شرابه، فنسي أمر قومه وبلاده، وتذكر مفاتن العيش في أحضان بارام. أقام الكلبي الأبرش في قباب الخزر كواحد منهم، تزيّا بزيهم، وتكلم بلسانهم شهد وقعاتهم مع أهل "دربند" ومع الروم في بيزنطة ومع قبائل الروس في حصونهم، ورافقته بارام لرؤية الخاقان بين نسائه وجواريه. أشهر طويلة والكلبي الأبرش أسير بارام التي أرته من فنون السحر واللذة والمتعة ما لم يره في حياته كلها، بارام عشقته وأرادته رجلها بعد أن فقد الإرادة، سبح في غياهب الأفيون وألوانه، في لحظات صحوه يسترد وعيه، ويعرف من يكون، يخرج من القبه وينظر إلى الآفاق أمامه، ويسأل نفسه: أي الطرق تؤدي إلى بغداد؟، وإن عرف فإن سهام الخزر قادرة على الوصول إليه بسرعة فائقة، فهم يصيبون الطير في كبد السماء، وأشد ما أثار استغرابه أنه في كل مرة جالت في ذهنه فكرة الهرب أحست بارام بأفكاره فتسقيه منقوع الأفيون فيغيب من جديد بين جسدها وبين ألوان الأفيون. يوماً بعد يوم أيقن أن قومه نسوه، أو ظنوه قتيلاً في الفيافي وأكلته الذئاب والضباع فكفوا عن البحث عنه، أو ربما رجع ابن فضلان إلى بغداد. ظن الأبرش الكلبي لم يكن في محله، فقد جهد ابن فضلان في البحث عنه في مملكة البلغار كلها وعلى حدود الخزر والروس، بل إن واحداً يتقن الخزريه تنكر وتسلل إلى قباب الخزر وراح يسأل، بينما تسلل واحد من أفراد البعثة إلى بلاد الروس بحثاً عنه، وتفضل ملك البلغر نفسه بإرسال سرية قامت بالبحث عنه في عرض البلاد وطولها، وحين عاد من تسلل إلى قباب الخزر ليخبر بأن الأبرش حي يرزق منحه ابن فضلان ثلاثة دنانير ذهبية وكلف بعض أتباعه بتخليصه من أسر الأميرة لكن بارام رفضت افتداءه بخمسين ديناراً صفْدياً وأربعة جلود سمور، وكمية من الأودية وعشر قطع من الصابون، ومكيالاً من التمر، ومائة رغيف خبز. في لحظات صحوه لم يترك الكلبي الأبرش فضوله في المعرفة، فراح يسأل الخزر كيف تهوّدوا، فكانوا يتعجبون من سؤاله فهم لا يعرفون كيف فلجأ إلى بارام التي هزت كتفيها وقالت "لا أدري" وحين ألحّ عليها استمهلته ساعة ثم عادت بصحبة "طرخان" قادر على الإجابة عن أسئلته. كان المقدر على الأبرش أن يبقى بين الخزر سنوات طويلة، ربما ترك بلاده وتزوج بارام وأنجب أولاداً، والأولاد بدورهم ينجبون له أحفاداً، لولا أن ابن فضلان أصر أن لا يؤوب إلى بغداد إلا والكلبي الأبرش معه، وتشاور مع أصحابه في أمر اختطافه من قباب الخزر، في البدء ظن أصحابه أن ابن فضلان فقد عقله، فمن أين لأحد أن يقتحم قباب الخزر أو يتسلل إليها دون أن يعرفوه، ولكن ابن فضلان شرح خطة فاقتنع بها أصحابه، ومفاد الخطة أن يتنكر صاحب صاحبه بزي الخزر ويصطحب معه رجل أخرس على أنه خادمه، وحين يصيران بين قباب الخزر يفكرون بطريقة لاختطاف الأبرش والتوجه به بعد ذلك إلى مدينة "دربند" حيث تنتظرهم القافلة، يقيناً أن هذه الخطة لم تكن لتنجح لولا حادث جري بين الخزر أحدث الهرج والمرج بينهم، فقد أغار الروس عليهم بغتة فانتشروا في الجبال، وقادت بارام جيشها للالتفاف حول جيش الروس وتمكن صاحبا ابن فضلان من معرفة ما حدث وتسللا إلى حيث قبة بارام حيث وجدوا صاحبهم بين يدي جارية سنديه في جلسة شواء وغناء وسكر وتعتعه. كان من المقدر أن يتبعهم الخزر لولا هزيمة جيش بارام أمام الروس فقد اضطرت إلى المناورة والانسحاب نحو الجبال مرة أخرى، والغضب يأكل قبلها بعد أن هزموها وكادوا أن يفتكوا بجيشها لولا مشورة، بعض القادة بالانسحاب نحو الجبال. وهكذا تأخرت بارام بالعودة إلى قومها عدة أيام كان فيه صاحبا ابن فضلان قد قطعا عدة فراسخ باتجاه دربند، وكان مقدراً أن يفلت منهما الكلبي الأبرش في الطريق ويحاول العودة إلى بارام بعد أن برّحه الشوق إليها وإلى شرابها. لكنهما أوثقاه على ظهر حصانه ومشيا به وصوته العالي يتردد صارخاً ومنادياً على بارام. مما أبكى من معه وهما يرونه بين الموت والحياة، يتوسل إليهم أن يطلقاه. وكان مقدراً له أن يموت في دربند لولا الطبيب الذي أشرف على علاجه فقد قام هذا الطبيب البخاري بجسّ نبضه، وتفحّص عينيه، وكشف عن عورته، وأمعن النظر إليها ثم أعدّ له منقوع الخردل والكتان والزعفران وماء الورد. سقا كل هذا للكلبي الأبرش، ثم أمر بتركه عدة أيام، فإن مات فهذا أمر الله، وإن عاش فبفضل علاجه. وكان من المقدر أن تهاجم بارام ورجالها دربند لاستعادة حبيبها لولا أن "الطرخانات" عارضوها بشدة، وكانت حجتهم التي لم تقتنع بها أنهم لا يمكنهم فتح الحرب على جبهتين، فإما حرب الروس، وإما حرب أهل دربند، اشتد غضب بارام بعد سماعها قرار "طرخانات الخزر" وراحت تذكرهم أن أحد أجدادها هزم جيش دربند وقتل ملكها، لكن الطرخانات لم يقتنعوا وتخلوا عنها، وعينوا للجيش طرخاناً محنكاً، بل وانتزعوا منها الإمارة، وصادروا قبابها وخيلها وجواريها وغنمها وماعزها وكل مالها، جنت بارام وأدركت أن عشيرتها ستقتلها لا محالة فأمرت أحد أتباعها أن يضرب عنقها بالفأس وهي نائمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |