|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ليلة باردة جدّاً ـــ اسكندر نعمة عندما اقترب من منزله، كان الليل يوغل في نصفه الثاني، والبردُ القارس يُحكم قبضته الشرسة على المدينة بكاملها. على بُعدِ أمتار قليلة من الباب الرئيس، شاهد المنزل يهجع في ظلام دامس، قارب الباب بهدوء، أولج المفتاح الصغيرَ في مغلاقه. كانت أصابعه ترتجف، ودخل يتلمّس أزرار الإضاءَة على الجدران، أضاء مصباح المدخل المباشر، تغلغل النور في أرجاء المنزل، تابع سيرَه على رؤوس أصابع القدمين محاذراً إحداث ضجّة ما. دلف إلى غرفة ابنه الوحيد ليطمئنّ عليه، وقف متأمّلاً. كان الصغير يغطّ في نوم هادئ عميق، وأمّه قد تكوّرت إلى جانبه توزّع نظراتها بين الطفولة الناعمة البريئة وصفحات كتاب تلهو به بين أناملها.. فوجئ.. اعترته رعشة هزّته من الأعماق.. قال لها متودّداً: -.. أما تزالين ساهرة، لماذا؟؟.. الليل يكاد يرحل!!. نظرت إليه بعيون متلهفة، همست: -.. انتظرتك طويلاً.. لقد تأخرت كثيراً. تراخى إلى أقرب مقعد في غرفة الصغير. حدّق بها طويلاً، انتصبت بقدّها الفارع، بدت له أكثر رشاقة وجاذبية. خطت نحوه خطوات هادئة كسولة، فترنّح الجسد الأنثوي في غلالة أنيقة من ملابس النوم... همست: "لنذهب إلى غرفتنا". لحق بها وهو ساهم، موزّعُ النظرات، شاردُ الذهن. "ماذا يفعل؟ ماذا يقول لها؟ هل يصارحها بالحقيقة؟!!". أخرج من جيب سترته مغلّفاً مطوّياً، تلمّسه برؤوس أصابعه، وبسرعةٍ دسّه في جيب معطفه الداخلي.. "هل يقولُ لها كلَّ شيء؟. الصدّمة ستكون عنيفة قاتلة، هو نفسه لم يستطع تحمّل الصّدمة، كادت تفتّت أعصابه وتماسكه." التفتت إليه، أسكرَهُ عبير عطر جذّاب "لقد تأخرتَ كثيراً!! خرجتَ قبيل الغروب، وها هو الليل قد ودّع نصفه الأول.. تركتني أنتظر طويلاً"... أودَعْتُهُ ابتسامة ساحرة. همست بثقةٍ أكيدة: "لا شكّ أنّ النتيجة سليمة، سليمةٌ جداً، هكذا يحدّثني قلبي"... جحظ قلبه، غارت عيناه. ابتعد عنها، تمتمَ بكلمات مقتضبة: "أعتقدُ أنها كذلك. لم أحصل على النتيجة بعد. غداً سأحصل عليها، هكذا قال لي الطبيب".. كان يعرف أنه يكذب. وقبل أن يدخل في طقوس نوم مصطنع. أسرج خيول التذكر وراح يستعيد... *** في الصباح خرجا معاً من عيادة مخبر "الأمل" للتحاليل الحيويّة كان على شيءٍ من الطمأنينة والهدوء النفسي. وكانت هي أكثر اطمئناناً وهدوءاً. بدت له أكثرَ جمالاً وأشدَّ فتنة من أيِّ يوم مضى، سارا برفقٍ ورويّة في شوارع دمشق الصخّابة، في كل خطوة كانا يتلاصقان أكثر، همَّ أن يخاصرها ويضمّها إلى صدره بحنان، حاصرته الشوارع المزدحمة وأزمة المرور، وأزمة كل شيء.. عادا إلى البيت، خلعا عنهما زحام المدينة، الصغير ما يزال نائماً، يوزّع ابتساماتٍ ملائكيةً وهو يسبح في أحلام نورانية.. ضمّها إليه بعنف، قبّلها بلهفة محمومة.. كان موزّعاً بين الطمأنينة والقلق الحاد.. قال له داخله: "اطمئن.. ستكون نتائج التحليل سليمة"... ابتسمَ.. ابتسمت وغرست عينيها الجذّابتين في عينيه... قالت له: "لا تنسَ أن تعود مساءً لاستلام نتيجة التحليل".. همس: "لا.. لن أنسى". *** لم يكن وحيداً في غرفة الطبيب، أشار إليه الطبيب أن يقعد على كرسيّ مجاور لمكتبه. مدّ يده إلى رزمةِ أغلفةٍ واستلَّ واحداً منها. قذف إليه بالمغلّف. ابتسم الطبيب ابتسامة واسعة. ابتسم هو أيضاً بكل جوارحه: "لا شكّ أن النتيجة سليمة، حدسي لا يخطئ". تلاشت ابتسامة الطبيب. نظر إليه بحزم، قال له: "اقرأ بنفسك، عليك أن تكون رجلاً، تماسك جيداً وإيّاك أن...". حملق في وجه الطبيب بقسوة، لعق شفتيه أكثر من مرّة، تخثّر اللعاب في حلقه، وبأصابع متشنّجةٍ أخذ يخلع الغلاف عن الورقة المطوية ويفضّها بعنف واضطراب، وراح يقرأ... تجمّدت عيناه، هرب الدم من وجنتيه واستقرّت شفتاه على بؤرة من الذهول والخوف.. الصدمة قاتلة.. بكى داخلُه فلوّن رجولتَه بظلال الانهيار: "أورامٌ خبيثة على الثّدي والرئتين".. تدحرج في متاهات بعيدة. تحوّل بكاؤه الداخلي إلى نحيب. أيقظهُ صوت الطبيب: "تشجّع يا رجل، لا تكن ضعيفاً، عليكَ أن تواجه الأمر بحزم وثبات، الانهيار لا يجدي شيئاً. الطبُّ اليوم أصبح شيئاً آخر، وقد يفعل الأعاجيب"... ازدرد لعاباً مرَّاً، تنحنحَ بألمٍ، وبشكل عشوائي أعاد الورقة إلى المغلّف، ودسّه بعنف في جيب معطفه.. *** لفظتهُ عيادة المخبر من بين شدقيها، خرج دون أن ينظر إلى الطبيب غامت الدنيا في عينيه، وراح ينتعل أرصفة المدينة الضّاجة المزدحمة. نقلته قدماه من رصيف إلى آخر.. من شارع إلى آخر. كان لا يدري أين تسوقه قدماه. استلَّ نفسه من زحام المدينة، وإشاراتها الضوئية، وسياراتها المتراكضة.. بنى لنفسه عالماً آخرَ يضجُّ بالخوف والألم والحسرة.. "ماذا سأقول لها؟.. هل أصارحها بالحقيقة، أم أكذب عليها؟؟.. هل يفيد الكذب في شيء؟.. ألن تكون الحقيقة مدمِّرةً وتستعجل النهاية؟؟"... تلاوح له وجهُها الجميل، وعيناها الساحرتان، وجسدها الرشيق الجذّاب.. وعبر كل ذلك انتصب له الصغير ملاكاً آدميّاً يترنح على الأذرع وتتبادله الأكفُّ والقبلات.. حطّمته تلك التصورات، شعر أنه عاجزٌ عن متابعة المسير.. "لا شك أنها الآن تنتظر عودتي. ستقول لي والحبّ في عينيها.. انتظرتُكَ طويلاً.. التفاؤل السعيد يملأ عينيها وملامحها. هل يحطّم لها ذاك التفاؤل؟ كيف سيقابلها؟! لا.. لن أعود الآن. لعلّي أجد في التأخير حيلةً ما"... عاندته قدماه. لم يعد يحتملُ التسكّعَ على الأرصفة، تلفّت حوله، يريد أن يهرب من خبط المفاجأة. دلف إلى مقهى صيفيٍّ قريب جداً، وانتحى بعيداً إلى طاولة صغيرة في ظل شجيرة أكاسيا. تهالك إلى كرسيٍّ مهمل يقبع إلى جانبها وراح يستعيد أعصابه وهدوءَه. فشل في ذلك. أخرج المغلّف من جيب معطفه مرّات عديدة وقرأ وقرأ. جرّته القراءات المتتالية إلى مغاور سحيقة من الاضطراب والخوف والضّياع.. "ماذا أقول لها؟؟ أأخبرُ أهلَها؟ أأخبر صديقتها ليلى فتريحني من مهمة صعبة قاتلة؟ لست أدري!!".. نبَّههُ النادل. لم يبق غيره في المقهى. أعاد المغلّف إلى جيب سترته، وخرج يلملم خيبته، ويتعثر باضطرابه ومخاوفه ومشاعرَ مؤرّقة.. *** بحركة مباغتة، أيقظته صفاء من تداعياته المرّة. اقتربت نحوه بانسياب رقيق، داعبت شعر رأسه الذي تساقط أكثر بفعل الزمن. تهاوت يدها إلى كتفيه وصدره: "قم لنأخذ قسطنا من النوم، كان يومنا مليئاً بالمتاعب، وغداً لناظره جميل، لا تفكّر كثيراً. قلبي يحدثني بأن النتيجة سليمة جداً.. اطمئن"... أذعن ماهر لطلب صفاء. طوّقها بذراعيه. وبينما انسابت في أحضان نوم جميل دافئ. كان هو يتقلّب على مخاريزِ الألم والخوف والقلق، ويستسلم لبكاء داخليٍّ مرٍّ صامت. قضى ليلةً باردةً جداً. ازداد التصاقاً بها. فشلت كلُّ محاولاته. لم يعرف النومُ طريقَه إلى جفنيه، وعندما طرد النهارُ آخرَ خيوط الليل، انتصب على قدمين متعبتين، وأخذ كالمجنون يطوف أرجاء البيت يستدرج ذكرياتٍ أجهضتها المفاجأة الأليمة.. *** رحبّت صفاء بصديقتها ليلى، ضجّت غرفة الاستقبال باللّقاء الحار، وحول مائدة من القهوة الساخنة اللذيذة جلستا متقابلتين. الصغير إلى جانبهما يلهو ويعبث.. الضحكات الأنثويّة تعطّر جوَّ الغرفة، والتعليقات الدافئة تزيّن ملامحهما.. الصغير لاهٍ بألعابه عن كل شيء. نظرت صفاء إلى ساعتها. قالت بصوت مسموع: "لقد تأخّر ماهر، لقد ذهب إلى المخبر ولا بدَّ أن يعود".. امتدّت أصابع ليلى بهدوء وحذر، فتَحَتْ أزرار حقيبتها، وأخذت تعبث بموجوداتها.. أخرجت مغلّفاً مطويّاً، فردته وألقته على الطاولة الصغيرة. لم تفه ليلى بكلمة واحدة.. تسمّرت عينا صفاء على المغلّف. تناوبت نظراتها بسرعة جنونية بين المغلّف ووجه ليلى المحتقن.. صمتت هي الأخرى. قرع الصمت الواخز قلبيهما، وأطفأ شموعَ التفاؤل.. تحوّل الدفءُ إلى صقيع، وانساب في الشرايين زمهرير صحراوي جمّدَ الحياة في العيون والوجوه.. عندما هبّت ليلى لتغادر، قالت لها صفاء وهي تحتضن الصغير: "أنا أعرف.. لم يجرؤ ماهر أن يصارحني بالحقيقة، فأرسلكِ إليّ". |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |