|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الكاتب أنطون تشيخوف ـــ ت: ساسي حمام يجلس "تستو" صاحب مغازة الشاي في المقصورة الملحقة بالمغازة وراء الكنتوار المرتفع، إنه شاب أنيق ولكن التجاعيد التي تظهر على وجهه تدل على أنه عاش حياة مضطربة، خطه العريض المزخرف وخصلة الشعر المتدلية على جبينه ورائحة سيجاره اللذيذة تدل على أنه ليس غريباً عن الحضارة الأوروبية، هذا التأثير تجلى عند دخول معينه معلناً: -حضر الكاتب! -آه.. ادخله وسرة أن ينزع حذاءه ويتركه في المغازة. مرت دقيقة فدخل بهدوء الشيخ أصلع يرتدي معطفاً رثاً أسود اللون، تظهر على وجهه الأحمر المرمري علامات الوهن والضنى وتردّد المدمنين على الخمر. قال "تستو" دون أن ينظر إليه: -صباح الخير... هل من جديد... سيد جيني؟ يمزج "تستو" كلمتي "جيني" و "هان" ويكون منهما كلمة واحدة هي "جيني" إنه الاسم الذي يطلقه دائماً على الرجل. أجاب الشيخ: -عندي طلبكم الصغير... إنه جاهز... -بسرعة!... -في ثلاثة أيام يا سيدي يمكن أن نكتب رواية وليس إعلاناً. ساعة تكفي لكتابة إعلان. -لا يتطلب أكثر من هذه الفترة...؟ وأنت دائماً تساوم وكأنك ستمكث سنة... هات لنرى ماذا فعلت؟ اخرج الكاتب من جيبه قصاصات من الورق عليها كتابة بقلم الرصاص واقترب من الكنتوار. -هي محاولة أولى... أفكار رئيسية سأقرأها... اسمع جيداً وانتبه ونبهني إذا ارتكبت خطأ... ليس غريباً أن أرتكب خطأ... هل تصدق أنني حررت ثلاثة إعلانات لثلاث مغازات في نفس الوقت... شكسبير نفسه يجد صعوبة في ذلك. وضع نظارتيه وقطب جبينه وشرع يقرأ بصوت حزين قراءة منغمة: -موسم 1885-1886 تستو موزع شاي الصين لكل مدن روسيا وأوروبا وآسيا... أسس المحل سنة 1804" كل هذا مقدمة ستزين بزخارف وتؤطر بشعارات. لقد كتبت إعلاناً لتاجر وضع على اللافتة شعارات مختلف المدن. يمكن أن تفعل مثله... لقد فكرت لك في شعار من هذا النوع: أسد في فمه قيثارة- نواصل "كلمتان لحرفائنا... حرفاؤنا الأعزاء! لا الأحداث السياسية الأخيرة ولا البرودة التي تغزو طبقات مجتمعنا ولا الأتربة المتراكمة في "الفولغا" التي تحدثت عنها أغلب صحفنا لا شيء يمكن أن يعوقنا، عراقة نيابتنا وعلاقاتنا الطيبة تمنحنا القدرة على الثبات وعدم تغيير مواعيدنا بفضل علاقاتنا الجيدة مع المزارعين الذين لا يتأخرون في تلبية جميع طلباتنا. رصيد معروف ويلخص في كلمات قليلة ولكنها ذات مدلول عظيم: "جودة... أثمان مناسبة... سرعة!". قاطعه "تستو" مهتزاً على كرسيه: -حسن، حسن جداً، لم أكن أنتظر أحسن من هذا. الصياغة جيدة! غير أنه يا سيدي يجب أن تضفي عليه بعض الغموض... نعلن أننا تسلمنا شحنات من الشاي الربيعي الطري... باكورة موسم 1885... أليس كذلك؟ ولكن بالإضافة إلى ذلك يجب الإشارة إلى أن هذا الشاي يوجد بمخازننا منذ ثلاث سنوات ولكنه لم يصلنا من الصين الأسبوع الفارط. -افهم... يجب أن لا يلاحظ الحرفاء هذا التناقض. نقول في البداية أننا تسلمنا شحنات من الشاي وفي الختام نقول: إننا نملك كمية هائلة من الشاي ونحن مستعدون لبيعها بثمن السنة الفارطة الخ... على الصفحة الثانية قائمة الأثمان مع الزخارف والشعارات وفي الأسفل بحروف كبيرة الحجم "أثمان الشاي الجديد والمعطر باكورة الربيع التي لم تصلنا إلا منذ مدة وجيزة" أواصل... "نجلب انتباه أحباء الشاي" ليانق سينق "رمز الصين" أو "غيرة المتنافسين" (ثلاثة روبلات ونصف) التي تحظى بالمحبة اللائقة بها. من شاي الوردة ننصحكم خاصة بـ "وردة الإمبراطور" و "عيون صينية"... من أسفل بخط صغير الحجم ظروف التسليم والشحن وفي نفس المكان كلمة حول التخفيضات ومسألة الأقساط: "يغوي أغلب منافسينا الحرفاء بهذا التقسيط. أما نحن فإننا ضد هذه الطريقة المخجلة ونهدي لحرفائنا بدون تقسيط بل مجاناً كل يغري به منافسونا ضحاياهم... لكل من يشتري بخمسين روبلاً أو أكثر يختار واحداً من هذه الأشياء الخمسة مجاناً: إبريق شاي مصنوع من معدن إنجليزي، مائة بطاقة زيارة... خريطة مدينة موسكو... صندوق شاي له شكل فتاة صينية عارية أو كتاب "مفاجأة الخطيب أو الخطيب تحت الحوض... حكاية مرحة". بعد أن انتهى من القراءة قام بتغييرات طفيفة ثم نسخ الإعلان وقدمه لتستو، بعد فترة قصيرة من الصمت شعر كل منهما بالحرج وكأنهما قاما بعمل مشين. قال "جيني" مجازفاً: -تسلمني أجرتي الآن أم بعد أيام؟ -كما تريد... الآن أردت... أجاب تستو بلا مبالاة... اذهب إلى المغازة وخذ بقيمة خمسين روبلاً ونصف بضاعة. -أريد نقوداً يا سيدي! -ليس من عادتي أن أدفع نقوداً... ادفع للجميع شاياً وسكراً وخاصة لكم أيها المداحين والبوابين... ألا تعرفون أني عميدكم... هذا يقلل من المدمنين. -ولكن سيدي هل يمكن أن نقارن بين عملي وعمل البوابين والحراس... إني أقوم بعمل فكري. -عمل غريب! تجلس وتكتب وينتهي العمل... شيء مكتوب لا يؤكل ولا يشرب... عمل تافه لا يساوي شيئاً. قال "جيني" بمرارة. -ها.. تشتم الكتابة... لا يؤكل ولا يشرب... ألم تلاحظ أني قد تعذبت كثيراً عند كتابة هذا الإعلان... أكتب وأنا أشعر أني أخدع كامل "روسيا"... أجرتي أريدها نقوداً يا سيدي! -لقد أرهقتني يا عزيزي... أنت ملحاح... -إذن... طيب... سأذهب وآخذ سكراً... سيشتريه مني عمالك بثمانية كوبيكات الرطل الواحد... سأخسر أربعين كوبيكا... ماذا أفعل؟ وداعاً سيدي!... استدار ليخرج... وقف على عتبة الباب وأطلق زفرة عميقة وقال مغتماً: -إني أخدع روسيا بأكملها! إني أخدع وطني مقابل ثمن بخس! آه...! ولما خرج أخرج "تستو" سيجاراً فازدادت الرائحة انتشاراً في الغرفة غامرة الرجل المثقف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |