جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

تموت أمّي مرتين! ـــ عدنان كنفاني

(إلى فايزة..‏

تقولين، أنا بخير.. فأقول.. ثمة من يرحل..‏

ولا يرحل أبداً..!)‏

أشّعة شمس فاترة شقّت ستائر النافذة، وتسّربت بطيئة خجولة، لامست باستحياء صفحة وجهي، وكنت أحسبها لن تشرق أبداً..‏

خرجت إلى الشرفة فقابلتني وجوه الناس!.‏

كل يشّق لنفسه طريقاً في هذه اللجّة..‏

سخرت من نفسي..!‏

في ظهيرة الأمس، حين نضح في رأسي صوت مكبوت.. مفجوع آت من بعيد، كلمتان فقط:‏

-"ماتت فايزة"‏

صمت كل شيء بعد ذلك..‏

أحسست أن جسدي فقد أثقاله، وصار شيئاً هشّاً ليس له معنى، يتخبط في فراغ، بين كومات ذكريات صريعة هي الأخرى تترنّح تحت جبروت كلمة صغيرة، ربما شكلت حروفها الثلاث أصل اللغات والكلمات.‏

توقفت فجأة حركة الحياة من حولي، رغم ضجيج مرهق يجثم دون معنى على صدري، في أذنيّ، تحمله إليّ كلمات وراء كلمات..‏

كلمات.. وكلمات..‏

لو أنها تنتشلني من هذا الشعور؟.‏

تقول لي:‏

يا أخي لا تحزن.. أنا بخير.!‏

أنا بخير.. كيف حالكم أنتم.؟‏

هل خرجت "هدى من المستشفى"؟.‏

هل ولدت أمل..؟‏

كيف حال أم محمود وأولادها.؟‏

هل اطمأنت عمتي على ابنها المفقود..؟‏

ألف هل، وألف كيف.!‏

مثلما تبدأ هكذا دائماً، تنتهي هكذا دائماً، ولا تتحدث عن نفسها..‏

تقول.. أنا بخير..‏

يطلّ وجهها من عمق خمسين سنة ونيّف..‏

يومها بدأنا معاً رحلة اللجوء..‏

كانت أكبرنا..‏

الذعر ينقّض على حارات وزواريب عكا..‏

اليهود يدخلون البلد..‏

الناس يتراكضون جماعات وفرادى، الأطفال بين الأقدام، وصراخ المنادين بالأسماء والصفات يضيع وسط صخب الزحام، وضجيج الرصاص والقنابل..‏

تصمد فايزة..‏

تربط في الذراع الأيسر لكل واحد منا صرّة، كتبت عليها بقطعة من الفحم أسماءنا واسم عائلتنا، ووضعت في كل واحدة الملابس الضرورية التي تخصّنا..‏

جمعتنا وقوفاً صفّاً واحداً وقالت بحزم:‏

-إذا افترقنا فأنتم تحملون أسماءكم وملابسكم.. إياكم أن تنسوا..‏

لكننا لم نفترق..‏

كانت تراقبنا على مدار الساعة، تعدّنا بين اللحظة واللحظة وتحرص على التصاقنا بها وكأننا قطيع فراخ..‏

تحاول بصلابتها أن تبدد خوف أمي العارم الذي ألقاها مشلولة التفكير، تبكي وتبكي، ويتضاءل جسمها شيئاً فشيئاً..‏

وتحاول أن تمارس فن الانتظار مثلما يفعل أبي..‏

قالوا نعيدكم منتصرين بعد ستة أيام.. لكنهما بعد أكثر من ستة أيام، أدركا أن ليس كل ما يقال صادقاً وحقيقياً..‏

عندها بدأت رحلتنا المرّة..‏

واستقر بنا المقام في قرية "الزبداني" بعد جولات مضنية حملتنا من عكا، إلى الغازيّة، إلى حمص.‏

كنت وقتها أحمل سنوات عمري الثماني على كتفي ساعة أفزعتني صرخات أمي:‏

-فايزة فحّمت.. فايزة ستموت!.‏

كلمات ما فهمت منها إلا فزعاً ورعباً وانتظاراً لأمر جلل وضعني بعد لحظة أمام باب دار "أم إبراهيم" أصرخ أنا الآخر:‏

-فايزة فحمّت!.‏

ولا أعرف ما تعنيه الكلمات..‏

لا أحد يسمعني.. أصرخ أكثر.. تقطر دموعي في حلقي، فانبطح أرضاً، أرى من عقب الباب نسوة بدينات ملفوفات بمناديل بيضاء يتحلّقن حول أطباق الغسيل.. يهدر إلى جانب كل واحدة منهن "بابور كاز"..‏

أدفع الباب بقوتي فيهّتز، أرفعه فيخرج من مفاصله ويهوي..‏

فايزة في أرض الدار بينهن، ملفوفة بأسمال تشبه المناشف أو الشراشف...‏

كأنها مسحوبة لتوّها من الحمّام الذي فحّمها..‏

وأنا بين جمع النسوة، أراقب بذهول ذلك الوجه الملائكي تعلوه صفرة باهتة، تنساب عن جنباته خيوط ماء برّاقة كسيل شمع يذوب محترقاً حول بصيص اللهب..‏

واحدة تدلق على وجهها ورأسها "كولونيا"، وأخرى "تفقش" فحل بصل كبير وتدعك به يديها وجبينها، وثالثة تحرّك الهواء من حولها.. وأمي تضرب على صدرها..‏

بإعياء فتحت عينيها، نظرت في الوجوه المتحفّزة من حولها.. رفعت يدها، أمسكت رأس أمي وهمست:‏

-لا تقلقي، أنا بخير.!‏

كيف تمضي الحياة دون "فايزة".؟‏

كيف تشرق الشمس وتتحرك الوجوه..؟‏

هناك خلف ملايين الكثبان الصفراء..‏

وراء عواء الضباع، وصلابة قوافل الإبل، صمدت يوم لم يصمد الرجال، وصنعت بصمت بعض الرجال..‏

دَرَست ونَجَحت وعَمِلت..‏

أول راتب منتظم يدخل حياتنا كان من سيل عرق سكبته في قرية "قارة" على ضفاف بادية الشام.. وحين قُبلت للعمل في الكويت قالت إنها ستكون بخير..‏

وحيدة في حافلة طويلة، كأنها نعش عملاق، حملت أعوامها التسعة عشر تحت عباءة سوداء سميكة، ومضت إلى صحراء ملقاة على ضفاف خليج ليس لها أن تراه إلا من بعيد..‏

منذ خمسين سنة ونيّف..‏

والسماء هناك تختفي وراء ضباب عجيب لا يغيب.‏

رمال تطير وتتراكم وتطير ثم تقف وسط الأفق، تحجب حتى الرحمة المستجداة من القدرة الخفية..‏

ما أصعب غزو الرمال.!‏

هل ذرّات لا تتحلل تبقى كما هي وتجول في الحلوق والصدور والرؤوس، تجعلك -وأنت تعجز عن التقاط النفس- تكره اللحظة التي خُلقت فيها..‏

تهرب من لهيبها على عجل لتدخل من جديد بين جدران إسمنتية سميكة خلف لوح أسود، وأمام صغيرات يتلقّفن العلم..‏

بين ركام من الطباشير والدفاتر وساعات باقية من ضوء النهار تعيشها أيضاً بين جدران إسمنتية في سكن المعلمات المغلق تماماً في وجه الحياة كأنها علب الجواري..‏

ينقضي اليوم، واليوم الثاني، والعاشر، والألف في مجتمع يتّصور القوّامون عليه أن من يأتيهم بالعلم والحضارة، مجرد خدم..‏

ينقضي الشهر، ويحمل لنا في آخره "روبيات" تقيمنا على الحياة، ويحمل لنا رسائل تسأل عن كل واحد منا، عن الكبير والصغير.. القريب والبعيد..‏

وكلمات لا تنسى:‏

-أنا بخير..!‏

تنقضي السنة، ويعود النعش العملاق يحمل أكوام اللحم المصهورة إلى أيام لقاء معدودة، تحمل معها الهدايا للجميع..‏

لوازم البيت الرئيسة والهامّة.. ما يعين أمي ويخفف عنها بعض الجهد والتعب.. الدفاتر التي نستهلكها في العام الدراسي المقبل، أقلام وقمصان وأحذية جديدة برّاقة، لنا.. لبسناها واستعملناها لأول مرة في حياتنا الجديدة بعد اللجوء..‏

ترعى مواهبنا الصغيرة التي صارت كبيرة بعد أن كبرنا، تتابع سنة بعد سنة تحصيلنا ودراستنا ودرجات نجاحاتنا، وما يرفد ذلك من لوازم مادّية ضرورية للاستمرار، ومعنوية على سبيل التشجيع أو المكافأة.. وهذا ما استمرّ مع الجيل الثاني أيضاً..‏

عندما أنجبت "لميس" وليدها الأول في عملية قيصرية، أمسكت يد أمي.. وهي تعرف أن الجرح ما زال ينزف.. وأن السكري قد تمكن من غزو جسدها..‏

قالت:‏

-لا تقلقي، أنا بخير..‏

آه من جفوة الكلمات كيف تلتوي عنيدة في وجه رغبة الوصف، ولا تقدر أن ترسم ما يجب أن يرسم.. الكون الذي ضاق في ظهيرة الأمس، مع رشح الصوت الحزين "ماتت فايزة"..‏

أوشكتُ لحظتها أن أمسك أطرافه في قبضة يدي الواحدة، ولا يتّسع ليأسي..‏

صار رغماً عني مع تدفق هذا الصباح على قدر من الاتساع..‏

أراه الآن، هذا الأفق المترامي في عمق اتجاهات أربع..‏

في كل ركن تقف.. تبتسم.. تغرز في لحمها صباح مساء حقن "الأنسولين".. وتأكل جسدها عناكب الحزن التي فجعتها بأمها لتفجعها بعد حين، بلميس وغسّان..‏

تجتّر بين شرايينها مرضاً لئيماً يفجؤها بشيء ما بين الحين والحين، يرسل غيبوبة، يستأصل إصبعاً، يطفئ عيناً.. وتعمل نصال الحزن الحادّة تقطيعاً فيها..‏

جلدتها سياط الغربة وفقدان الأحبة واحداً بعد الآخر وصيّرتها هيكلاً يتحرك في فضاء الآخرين..‏

تقول:‏

-أنا بخير..!‏

زوجها الذي فقد البصر أو كاد، وضربته نقطة دم على دماغه وضعت ألف قيد على حركته ولسانه وإرادته..‏

هذا الذي لا أستطيع أن أمرّ على ذكره دون انحناءة إعجاب وعرفان..‏

هذا الرجل الذي بفعل الإخلاص والوفاء والإيثار أدخل العلم والمعرفة إلى عقول آلاف الشباب من خلال تدريس أعقد المواد العلمية "الرياضيات" ووضع المناهج التعليمية المثالية على مسيرة نصف قرن أو تزيد..‏

بدأت بالجيل الذي تبوأ -فيما بعد- أرفع المناصب، وامتدّت إلى أجيال وأجيال ستذكره ولن تنساه..‏

هذا الذي يتعلّم الوفاء منه أصفى الدروس.. المتّفهم العاقل المتّزن الكريم.. لا أستطيع أن أجد الكلمات التي تفيه بعضاً مما هو فيه.. رفيق عمرها وعمرنا، وصانع سلواها..‏

لعله كان سبيل النور الذي قادها في لحظات أو ساعات إلى بوابات عبور مشرقة، تمثّل لنا الآن، بعض العزاء..‏

صارت له بعد أن أنهكته رحلة العمر يديه التي تلمس، وعينيه التي تقرأ وترى، وسلوته..‏

تلوك غربتها وحزنها ومرضها، لكنها في لحظات تنتصب وتهمس:‏

-أنا بخير..!‏

كيف تمضي الحياة دونها.؟‏

مشكلاتنا الصغيرة والكبيرة التي كانت تنزاح أمام همسة منها أو كلمة أو إشارة لا تزيد..‏

بيتها هناك أو هنا كانا ملاذاً للغرباء، يجدون فيها الأم والأخت والصديقة..‏

سؤالاتها المتواصلة عن الجميع، تساعد هذا وتعين ذاك، تذوب أمام دمعة الطفل، وتضحك أمامها الدنيا ساعة تستطيع أن تجعله يبتسم..‏

أسير إلى جانبها في سوق الحميدية، يتابعنا فتى يحمل بين يديه الصغيرتين علبة فيها أمشاط.. يرجونا لنشتري منه، ويلّح في الرجاء.. تسأله:‏

-كم ثمن الواحد.؟‏

-ليرة ونصف..‏

-بل ليرة واحدة..‏

-طيب ليرة وربع..‏

-بل واحدة..‏

-قبلت..‏

تأخذ ثلاثة أمشاط وتعطيه عشر ليرات..‏

أسألها:‏

لماذا "تتشّفين" ريقه إذن.. تبتسم بصفاء، تقترب مني وتهمس:‏

-هذه الابتسامة على شفتيه تساوي مال الدنيا، بعد أن أيقن أنه لم يقدر على استغفالي..‏

هل حقاً تعود الحياة إلى سيرتها الأولى..؟‏

رغم البعد، كانت أقرب إلينا من حبل الوريد، نسمع بوحها وهمساتها وأنينها، وتسمع منا أيضاً..‏

كيف يغيب هذا المَلَك ولا تتبدل الدنيا إلى أشياء أخرى.؟‏

من هم إذن الذين بغيابهم "يُنقصون الدنيا من أطرافها".؟‏

ما زالت أشعة الشمس تمتّد وتمتّد، وما زالت وجوه الناس تروح وتجيء..‏

كأن شيئاً لم يحدث.!‏

هل حقيقة أن شيئاً لم يحدث.؟‏

هذا البناء الذي يضمني الآن.. وأكتب ما أكتب وأنا أعيش بين جدرانه وتحت سقفه..‏

أعلم أن فوق كل حجر فيه نقطة من عرقها.. يهمس البلاط الذي أدوس عليه أنها دفعت من أجله وأجلنا عصارة دمها، وشبابها، الذي انسكب وانتهى خلف ملايين الكثبان الصفراء..‏

عاشت من أجل غيرها، أحبت من خلال الناس كل الناس..‏

فهل أصّدق أن الأرض لم تنقص بفقدها؟.‏

يوم نجحت ابنتي في فحص الثانوية العامّة بتفّوق، أصرّت كما هي العادة أن تحمل لها هدية ثمينة على أن تختارها بنفسها.‏

رافقتها إلى أحد محلات بيع المجوهرات لتختار من معروضاته ما تشاء..‏

كانت الفرحة العارمة بادية على وجه ابنتي..‏

قبل أن تلجا باب المتجر، ضرب نزيف حاد عينيها، وعكّرت نقطتا دم السائل الزجاجي فيهما وانحجبت الرؤيا بالكامل..‏

صمدت. وابتسمت..‏

-عمتي.. اختاري ما تحبين..‏

-هذا الخاتم يا عمتي، ما رأيك به؟.‏

-الله يكاد يأكل قطعة من إصبعك..!‏

-هذا العقد يا عمتي.؟‏

-ضعيه على صدرك.. الله يكاد يتكلم من شدّة جماله..‏

حملت ابنتي هديتها الثمينة، أحسّت أن في الأمر شيئاً..‏

-عمتي ما الأمر..‏

-لا شيء، لا شيء أبداً، أنا بخير.. أشعة الشمس فقط تؤذيني، امسكي يدي..‏

فتحت لهما الباب، فانهارت على صدري تبكي بحرقة.. تحاول أن تتماسك ولا تستطيع..‏

تقول:‏

-أنا بخير لكنني لا أرى شيئاً.. لا أرى شيئاً..‏

قال الطبيب: نزيف مفاجئ.. "ثم أردف باستسلام"‏

-هكذا يفعل السكري!.‏

بعد أشهر عاد بطيئاً بصيص النظر بعد أن بدأ يصفو السائل الزجاجي في العينين..‏

قبر جديد ينزرع في بقعة أخرى..‏

حتى في الموت حرّم علينا اللقاء..‏

من حرّم علينا حتى اللقاء بعد الموت.؟‏

لأول مرة أنظر إلى غسّان ولا أراه يبتسم..‏

يقول لي:‏

-الآن فقدت روحي..‏

أمي وأبي قبران في دمشق..‏

غسّان ولميس قبران في بيروت..‏

فايزة قبر في الكويت..‏

لا أصدّق أن رمل الشرق يستطيع أن يأكل حتى ما بقي منها!.‏

تربعت الشمس وسط السماء مثلما تفعل كل يوم، وسيأتي المساء، تغيب، ثم تشرق مع الصباح التالي، وستبقى وجوه الناس تعيش في اللّجة..‏

التاريخ وحده الذي يبقى ويصدق، ويعطي قيمة للصفات..‏

عندما أقبل المساء، وخلوت إلى نفسي.. بكيت كما لم أبك كل حياتي..‏

كيف أقدر أن لا أفعل بعد أن أدركت أن بقية من العمر ستمضي دون فايزة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244