جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

اليهود وبنوا إسرائيل في القرآن الكريم ـــ عمر محمد جمعة

اتخذ الصراع العربي -الإسرائيلي في وهم الزاعمين صورة الصراع بين عقيدتين... وحاول بعض جهلة التاريخ أن يروجوا لذلك، بل أن يسبغوا شرعية مطلقة على الكيان اليهودي بمدنيته المزعومة وحضارته الزائفة ككيان ونظرية موجودين في حركة التاريخ.‏

في كتابه "اليهود وبنو إسرائيل في القرآن"، يفند الكاتب والباحث الفلسطيني منصور إبراهيم حقيقة اليهودية ويعري بني إسرائيل من خلال البحث في قصص وآيات القرآن الكريم وهو بذلك يضيف لبنة جديدة إلى حائط الصد الأول (الثقافة) في وجه كل المشاريع التي تستهدف تقويض الحضارة العربية وتاريخها المتجذر، وتعزز ثقة المثقف العربي في حجته ودفاعه عن قضيته الأولى (فلسطين).‏

يقول الكاتب: إن الدافع لمثل هذا الكتاب سببه اللبس الذي درج في خطابنا الديني والسياسي، فعلى مستوى الخطاب السياسي وبعد مضي قرن من الزمن وأمتنا تعاني فيه من مرض عضال ناتج عن زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، هذا الكيان الجسم الغريب، الذي لم تستطع الأمة العربية أن تلفظه، ولا تملك إمكانية التعايش معه، ومع ذلك نلحظ إشكالية في الفهم، تصل حد الدمج بين بني إسرائيل اليهود، أهل الكتاب، إسرائيل، الصهيونية.‏

أما اللبس على مستوى الخطاب الديني، فينبع من أننا وبعد أربعة عشر قرناً على بعث الرسالة المحمدية، ونزول كتاب الله عز وجل على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مازلنا نسمع الكثيرين ممن ينطقون بالخطاب الديني وهم يخلطون بين بني إسرائيل واليهود وأهل الكتاب، وتصل الأمور حداً نسمع فيه من يقول الأديان السماوية وتسود آلاف الصحائف للحديث عن العلاقة بين الدين الإسلامي والدين اليهودي.‏

يقسم الكاتب منصور إبراهيم كتابه إلى أربعة فصول، فالأول للحديث عن أن الدين عند الله الإسلام، والثاني عرضاً لقصص الأنبياء وعلاقة بني إسرائيل بالأنبياء الذين أرسلوا فيهم، والثالث وقفة أمام مصطلح أهل الكتاب ومصطلح بني إسرائيل، ومصطلح اليهود في كتاب الله، أما الفصل الرابع فهو لمحة عن تاريخ فلسطين وعلاقة اليهود بفلسطين ومن ثم حديث مكثف عن الصهيونية وإسرائيل الراهنة وعلاقتها ببني إسرائيل واليهود.‏

لكن اللافت والهام في هذا الكتاب (البحث) هو الاستنتاجات التي توصل إليها الكاتب محتكماً لآيات القرآن الكريم عن بني إسرائيل واليهود وأهل الكتاب، هذه المصطلحات التي باتت مؤرقاً للكثير من الكتّاب والباحثين والمتتبعين للخطاب الديني والسياسي والإعلامي العربي.‏

وكلنا يشهد بأن عصابات الأمس الصهيونية (شتيرن- الهاغاناه...) صارت دولة إسرائيل اليوم، وأن القتلة والمجرمين صاروا شخصيات رسمية تحظى بتقدير واحترام بعض المخدوعين، فما الذي تغير...؟؟؟.‏

يعرف منصور إبراهيم إسرائيل بالقول: إن إسرائيل معناه عبد الله، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم نبي الله، وقد كان ليعقوب (إسرائيل) ذرية كبيرة هذه الذرية التي تناسلت وتكاثرت، لكنها في الأصل تعود إلى شخص واحد هو يعقوب (إسرائيل).‏

ولبني إسرائيل شؤون وشجون يرد ذكرها في التنزيل الحكيم، شأنهم في ذلك شأن كل الأقوام التي مر ذكرها (قوم نوح، قوم إبراهيم، قوم لوط، قوم فرعون...).‏

تلك الأقوام فيها العاصي، وفيها الطائع، منهم المؤمن ومنهم الكافر وكذلك بنو إسرائيل أولئك القوم الذين يخصهم التنزيل الحكيم بالذكر، هم قوم ينحدرون من يعقوب (إسرائيل) ولكن خروج هؤلاء القوم من صلب بيت النبوة لا يعصمهم، بل في كثير من الأحيان ناصبوا الأنبياء العداء، وقتلوا بعض الأنبياء، رغم ما أعطاهم الله من فضل وما أنعم عليهم من نعم، لم تكن من نصيب الأقوام الأخرى.‏

ثم يتحدث إبراهيم ومن خلال شواهد قرآنية وافية عن فضل الله على بني إسرائيل وموقف بني إسرائيل من أمر الله وعلاقة بني إسرائيل بموسى، ثم يروي لنا قصص العجل، الاعتذار الطعام والشراب، البقرة، أصحاب السبت، دخول الأراضي المقدسة، وأخيراً يتحدث عن علاقة بني إسرائيل بالأنبياء بعد موسى وعلاقة بني إسرائيل مع عيسى والموقف من الذين آمنوا من بني إسرائيل، والموقف من كفار بني إسرائيل.‏

أما أهل الكتاب كما يبين إبراهيم فهم البشر الذين بُعث فيهم عيسى رسولاً... وأبلغهم تعاليم الله عبر كتابه الإنجيل، وأن هذه التسمية لا تحمل شحنة عقيدية، وهم البشر الذين بُعث فيهم موسى رسولاً وأبلغهم تعاليم الله عز وجل عبر كتابه التوراة.‏

إنهم بنو إسرائيل وقد بُلغوا رسالة الله ودينه عبر الأنبياء والرسل، وبدأت رسالتهم مع رسول الله موسى وانتهت برسول الله عيسى بن مريم عليه السلام.‏

ثم ينطلق إبراهيم إلى الموضوع الأهم وهو تعريفه لليهود كما ذكرهم القرآن الكريم، وكما ورد في التسلسل التاريخي فيقول: اليهود جماعة من الناس تركوا شرع الله وما أتى به الأنبياء والرسل، بل حرّفوا ما جاء به الأنبياء وقتلوا أصحاب الرسالات وظلموا الناس وأكلوا أموالهم وتعاملوا بالربا والسحر وتطاولوا على الذات الإلهية، معتبرين أن الله بخيل ويقتر على عباده.‏

وعملوا جهدهم ليردوا المؤمنين عن دين الله، وأضمروا العدواة للمؤمنين والأنبياء والرسل، متهمين الأنبياء أن منهم من هو ابن الله، وأنهم هم أولياء الله وأحباؤه وأن الجنة لهم، ولن يدخلها إلا من كان يهودياً، وقد كذبهم الله في مواقع كثيرة من التنزيل الحكيم، واعتبرهم كافرين وملعونين ومطرودين من رحمة الله.‏

وقد حذر الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود أولياء، وإذا كانوا ملعونين بكفرهم وقولهم على الله بهتاناً، وعلى الأنبياء والرسل زوراً، فمن يتبعهم فهو منهم.‏

ويدلل الكاتب لكل ذلك بشواهد وردت في القرآن الكريم، بعد كل ذلك..!! أيمكن لذي عقل أن يعتبر اليهودية ديناً أنزله الله، وحملّه لأنبيائه ورسله، وهل لمن يؤمن بالله أن يقول على الله ما قالته اليهود؟ وهل ينزل الله ديناً ثم يلعنه؟.‏

ويؤكد الكاتب أن اليهود الذين يكفرون بدين الله ويقتلون أنبياءه ورسله هم أيضاً يحملون البغض والعداوة للناس عامة وللمؤمنين خاصة، ويسعون دائماً إفساداً في الأرض وإشعالاً لنيران الحروب، وهم بذلك يتطابقون مع ما يقره تلمودهم من عنصرية وتفوق عن الأغيار، ما يذكرنا بما قاله الباحث ندرة اليازجي: وفيما يتعلق بموضوع التعامل مع الشعوب الأخرى، يحق لليهود أن يستفيدوا من الربا ويستبيحوا أموال الآخرين والمسيح كما يذكر التلمود ابن زانية لأن أمه مريم كانت عاهرة، أما المسلمون فإن التلمود ينبذهم ولا يعترف بهم لأنهم إسماعيل.‏

وأن من يقتل مسيحياً أو أجنبياً أو وثنياً يكافأ بالخلود في الفردوس، أما من قتل يهودياً فكأنه قتل العالم أجمع، ومن تسبب في خلاص يهودي كأنما تسبب في خلاص الدنيا بأسرها.‏

لقد ورد ذكر اليهود في كتاب الله الكريم بما يزيد عن عشرين موضعاً، في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والتوبة والنحل والحج والجمعة.‏

وفي كل المواضع يذكر لنا النص الإلهي كفر اليهود، وظلمهم واعتدائهم على الله ورسله وأنبيائه، ويحذرنا الله منهم ومن عدائهم لله ورسله والمؤمنين وينهانا على اتخاذهم أولياء، ولم يرد نص واحد في كتاب الله يذكر اليهود بخير.‏

إذن فاليهودية كما يستنتج الكاتب هي عقيدة دخيلة أو كما يقول الباحث حسن الباش عقيدة طارئة على ما جاء من تعاليم لدى موسى عليه السلام، وتوصف اليهودية بأنها عقيدة غير تبشيرية (منغلقة على نفسها) لا تسعى إلى ضم غير اليهود إليها ولا تعترف بديانات أخرى في نفس الوقت.‏

ويبين إبراهيم العلاقة التي حكمت اليهود والصهيونية، فيرى أن الصهيونية في اللغات الإفرنجية مشتقة من كلمة "سيون" أي صهيون بزيادة "ايزم" الدالة على الرأي السياسي أو الفكر الديني أو الفلسفي، وصهيون اسم جبل في القدس، والصهيونية كلمة وضعت للدلالة على نظرية انتشرت بين يهود أوروبا الشرقية، يراد بها تأسيس دولة يهودية في فلسطين.‏

تهدف الصهيونية إلى جلب اليهود وتوطينهم في فلسطين، وقد ظهرت كحركة عدوانية. استيطانية في سياق تحول الدول الاستعمارية إلى النمط الاستيطاني، ويؤكد الكاتب أن الصهيونية تتبنى الأيديولوجية اليهودية في تحقيق أهدافها فهي في ذلك تستند إلى عنصرية اليهود في تحقيق مآربها.‏

وأن فكرة بعث اليهود وإقامة وطن لهم فكرة استعمارية استيطانية، ولم تكن في الأساس تستهدف فلسطين، لكن تحقيق مصالح بريطانيا في المنطقة العربية من حماية لقناة السويس إلى منع قيام دولة عربية واحدة من خلال فصل المشرق العربي عن مغربه.‏

لقد درجت لغة الكذب والإرهاب وإلغاء الآخر في الخطاب بين الديني والسياسي للكيان الصهيوني المستند أصلاً إلى نظرية زائفة اسمها اليهودية، فكان لابد للوعي العربي أن يرتقي إلى مستوى هذا التحدي، وكان كتاب اليهود وبنو إسرائيل في القرآن لمؤلفه منصور إبراهيم واحداً من الأقانيم الهامة التي فندت وكشفت وعرت هذه وتلك المفاهيم الزائفة.‏

باختصار نقول أنه كتاب بحثي هام جدير بالقراءة والاقتناء.‏

هوامش:‏

اسم الكاتب: اليهود وبنو إسرائيل في القرآن‏

عدد الصفحات: 160 صفحة -قطع متوسط‏

إصدار: دار الشجرة- دمشق‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244