|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المهام النضالية للمثقفين العرب في القضية الفلسطينية ـــ د.عز الدين دياب تنطوي هذه المداخلة على محورين. أحدهما يتعلق بالمثقفين العرب ودورهم النضالي في القضية الفلسطينية انطلاقاً من حقيقة قومية تقول: إن هذا النضال أصبح قدر الإنسان العربي اليوم وفي المستقبل. والمقصود بالمثقفين العرب حملة الشهادات وأهل العلم والمعرفة والدراية بشؤون الناس وأحوالهم. ويشكلون شريحة اجتماعية متباينة في جذورها الاجتماعية والثقافية، ومختلفة في منبتها الطبقي. كما أنهم يتنوعون في ثقافاتهم -بالمعنى اللغوي والأنثروبولوجي- بتنوع اختصاصاتهم وعقائدهم ومراكزهم الإدارية، وإن كانوا في نهاية الأمر يلتقون حول قواسم مشتركة. أهمها وأبرزها في رأينا حالة الوعي بقضايا الأمة، وشؤونها الاجتماعية والسياسية والثقافية، بالإضافة إلى الإحاطة بالتحديات التي تتعرض لها الأمة على المستويين الوطني والقومي، وراهنيتها على المستويين الداخلي والخارجي. وما دام أهل الثقافة والمعرفة من أبناء الأمة العربية على هذا الشأن من الدراية بحال الأمة، فإن هذا يُرتّب عليهم واجبات لا تحصى ولا تعد تجاه قضاياهم المصيرية، وفي العمق القضية الفلسطينية التي تشكل المحور الثاني. فهي بحكم منطق معركة المصير العربي، القضية المركزية في سلم القضايا العربية، وهي مفتاح المستقبل الذي تنشده الأمة وتناضل لبلوغه. بناء على ما تقدم نسأل ونتساءل لماذا تأخذ القضية الفلسطينية قيمتها ومكانتها القومية؟ ولماذا لفلسطين بالذات هذا الوَقْع في المستقبل العربي؟ ولماذا لها هذا الشأن العالي في ضمير الشعب العربي كله؟ ولماذا ظلت أو بقيت لها هذه الجاهزية النضالية في الشارع العربي؟ لها هذه المكانة لأن الاستعمار أدرك دورها الوحدوي، فأعطى وعد بلفور المشؤوم حتى يخل بهذا الدور، ولأنها إثر ذلك اغتصبت بقوة السلاح والمؤامرة الدولية، وحساب إنشاء الكيانات الإقليمية التجزيئية في بنيان الأمة العربية من قبل الحركة الصهيونية الاستيطانية، حيث يشكل الفكر الاستيطاني في ثقافتها قيمة عليا، وأحد أهم المحددات الاجتماعية والثقافية في السلوك السياسي والفكري والعقائدي للحركة الصهيونية. والمعروف للعالم، وللفكر الاجتماعي -السياسي إن الثقافة الاستيطانية إقصائية بطبيعتها العدوانية، وبحكم محدداتها الهمجية الاقتلاعية وجبلّتها الثقافية العدوانية. والبين أيضاً أن هذا الفكر شكل دليل عمل للحركة الصهيونية في إقصاء أهلنا من فلسطين وقتلهم وتشريدهم وتهجيرهم. ولأن فلسطين أيضاً شكلت في الفكر القومي قيمة وحدوية. وهذه القيمة دخلت في الحياة العربية، واحتلت مكانتها في الذاكرة الوطنية والقومية. فهي الأرض التي تشكل صلة وصل بين المشرق العربي ومغربه. وهي قبلة العرب السياسية والدينية. ولذلك كانت فلسطين على الدوام هدفاً استراتيجياً للحركة الصهيونية التي تساكنت فيها بالقوة لتلغي دور الأمة العربية الحضاري، وتحول دون بلوغها النهضة والتقدم والوحدة. لأن في الإنسانية العربية مؤشرات كثيرة لا سبيل لذكرها تُظهر بوضوح لا لبس فيه إن الصهيونية معادية للإنسانية، وهي الخطر القادم على مصير البشرية. وتظل فلسطين في عرف الحركة الصهيونية بؤرة استيطانية وموطئ قدم لإقامة الكيان الصهيوني الممتد من النيل إلى الفرات. أي هي المدخل لبناء الإمبراطورية الصهيونية. ذلك الحلم التلمودي. والجدير بالذكر أن الحركة الصهيونية لها من المواصفات التنظيمية والشعبية والمالية والإعلامية والتبشيرية والإرشادية مما يمكنها من اختراق الحكومات والأحزاب والمنظمات والنوادي في أنحاء عدة من العالم. وبما أنها على هذا النحو فإنها قادرة على التعبئة السياسية ليهود العالم وأنصارهم من أبناء المذاهب التي اخترقها الفكر التوراتي والتلمودي بصيغته الدينية العقائدية الصهيونية. وهذه الصفات والخصائص هي التي تجعل الحركة الصهيونية حركة معاكسة ومضادة للأمة العربية ولدورها الحضاري الإنساني، ولرسالتها الخالدة. إذاً، فإن من البدهي القول إن الحركة الصهيونية تمثل تحد للأمة العربية لا يجاريه أو يماثله أي تحد من نوع آخر. ولاشك إن مخاطر التحدي الصهيوني على المصير العربي يفرض على القطاع الجدي من المثقفين العرب تحمل مسؤولياتهم النضالية بلا تردد أو مماطلة وخاصة في أعقاب تقاعس أغلب الأنظمة العربية عن ممارسة أي ضغط أو تدخل يحول دون وقوع هذه المجازر البشعة التي يندى لها جبين البشرية، والتي تشكل وصمة عار في جبين هؤلاء الحكام ومعهم الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والإنسانية الكاذبة للحكومات الغربية، وفي الواجهة الإمبريالية الأمريكية. حيث بات واضحاً كل الوضوح أن محاور الشر موجودة في الكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية، وحكومات أغلب الدول الأوروبية. إن من أهم المهام المطلوبة من المثقفين العرب في المرحلة الراهنة تجاه القضية الفلسطينية المحافظة على استمرار الاحتجاج العربي، وتحويله إلى حقد قاطع على الصهيونية والإمبريالية الأمريكية، والانتقال من حالة الاحتجاج إلى حالة الهجوم على كل مواقع الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، والارتقاء اليومي بهذه اليقظة، لأنها السلاح الأمضى في كسر حالة الجمود والتخاذل الموجودة في الوطن العربي. والنهوض بهذا التنبه القومي إلى المستوى الذي يصبح فيه الشعب العربي مالكاً لقراره السياسي في المستويين الوطني والقومي. وما دامت القضية الفلسطينية تجسد حالة من حالات الإنسانية العربية، على قاعدة "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب -غوستاف لو بون" في صراعها مع الصهيونية وكيانها النازي. فقد بات المطلوب من المثقفين العرب تسييس الرأي العام العالمي، الذي أخذ يتمحور حول الحق الفلسطيني في مغالبة الكيان الصهيوني، والذي نرى صوره في المظاهرات التي تخرج يومياً في العواصم الغربية منددة بالعدوان الصهيوني الهمجي، وبجرائم الحرب التي يرتكبها شارون في مخيم جنين، ورام الله، وفي القرى الفلسطينية، ونابلس جبل النار، وعلى مرآة وتأييد من شارون واشنطن. وثمة آليات كثيرة لهذه التعبئة موجودة بين أيدي القطاع الجدي من المثقفين العرب. والذي يملي عليهم إبلاغ العالم وإقناعه بأن تحرير فلسطين يعني تحرير الإنسانية من الحركة الصهيونية، التي تمثل الشر القادم على العالم. وستبقى القضية الفلسطينية قضية عادلة وإنسانية لأنها في الأساس قضية وحدوية تحررية بامتياز. ويبقى على المثقفين العرب أن يبرهنوا للعالم من خلال ما يجري الآن في فلسطين إن الصراع مع الكيان الصهيوني صراع وجود وليس صراع حدود على الإطلاق. وإذ يكون الصراع العربي- الصهيوني بهذا المستوى، فإن نهاية الكيان الصهيوني ستكون عمل خير للبشرية جمعاء، وفي المقدمة يهود العالم على اختلاف أعراقهم -إذا جاز الحديث عن الأعراق- وجنسياتهم وقومياتهم. وفي هذه الحالة من النضال العربي -الصهيوني تسقط وإلى الأبد الدعوة إلى حياد المثقف العربي تجاه القضية الفلسطينية. بل تتحول إلى هم يومي لكل المثقفين العرب. وهذا معناه تعبوياً العمل على إدخالها إلى كل بيت عربي، ومن ثم نقلها إلى كل عواصم العالم، والمنظمات الإنسانية، والأحزاب السياسية، والنوادي الثقافية، ومراكز البحث، حتى يعرف العالم حقيقة الحركة الصهيونية بوصفها حركة عنصرية، ويدرك بيقين العارفين أن نضال الشعب الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني لـه مشروعيته القومية والإنسانية. وسيعرف العالم لامحالة، وهذه مهمة من مهام المثقفين العرب، إن نضال الشعب العربي الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني نضال إنساني. على العالم الحر أن يشارك فيه ويتبناه. وفي هذه الحالة النضالية ضد الكيان الصهيوني يصبح الحديث عن السلام ممكناً ومشروعاً. لكنه السلام الذي يمثل حالة من حالات الإنسانية العربية، وقيمة كبرى في الثقافة العربية. إنه السلام الذي يقوم على رد العدوان الصهيوني واستعادة أرض فلسطين لأن النضال الفلسطيني، في الأساس لـه طبيعة دفاعية، يرى في تحرير فلسطين واجباً قومياً وإنسانياً. ويظل المثقف العربي في حلبة النضال مسؤولاً عن استمرار المقاومة الفلسطينية، والنهوض باليقظة العربية حتى لا تتوقف أبداً، لأن عودة النضال الفلسطيني إلى الشارع العربي هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطينية تسالم ولا تعادي. تشكل شاهد عصر على جرائم الصهيونية ومعها الإمبريالية الأمريكية. تقوم على التعددية الثقافية والسياسية والدينية والعرقية -إذا جاز الحديث عن الأعراق- فالدولة الفلسطينية التي تبنى بالنضال ضد الحركة الصهيونية لا يمكن أن تظلم أو تعتدي أو تقصي أو تَتَجَبر على البشر. وعلى المثقف العربي أن لا ينسى العدوان المبيت على العراق لإخراجه من معركة النهضة العربية التي تخوضها الأمة العربية، ومن حلبة الصراع العربي-الصهيوني. والخلاصة، فإن مهام نضالية متجددة تقع على عاتق المثقف العربي، وهو يخوض معركة تحرير فلسطين، رمز الصمود والتصدي الحقيقي في معركة المصير العربي. ويبقى من الواجب تحريض الجماهير العربية حتى تظل محافظة على صمودها، وعلى يقظتها من أجل الانتصار في فلسطين، وأحداث تغيير في الأنظمة التي نخرها الفساد والتبعية للإمبريالية والصهيونية العالمية. وهذا واجب المثقف العربي اليوم وفي المستقبل. ومسك الختام تحية إكبار وإجلال واحترام للشعب العربي الفلسطيني الذي يشكل طليعة للأمة العربية بكل جدارة واستحقاق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |