|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
غرفة السقيفة قصة: ساكي(1) ـــ ترجمة توفيق الأسدي كان الأطفال سيؤخذون بالعربة إلى الشاطئ الرملي في جاغبورو، في سبيل متعة خاصة. ولكن نيكولاس لن يكون ضمن المجموعة؛ إذ كان قد ارتكب أمراً مخزياً. ففي ذلك الصباح بالتحديد كان قد رفض أن يتناول وجبة الخبز والحليب الصحية متعللاً بعذر سخيف هو وجود ضفدعة في السلطانية. لقد سبق لأشخاص أكبر منه سناً وأكثر حكمة وقيمة أن قالوا له إنه ليس من المحتمل وجود ضفدعة في سلطانية الخبز والحليب وأنه كان يلغو. ولكنه استمر برغم ذلك ينطق بما بدا أنه ترهات حقاً، ووصف الضفدعة المزعومة بالكثير من التفصيلات من حيث اللون والعلامات. أما الجزء المثير من الحادثة فتجلى في أنه كانت هناك بالفعل ضفدعة في سلطانية الخبز والحليب الخاصة بنيكولاس، فقد وضعها هناك بنفسه؛ لذلك شعر أنه يحق له أن يعرف شيئاً ما عنها. تضخمت خطيئة أخذ ضفدعة من الحديقة ووضعها في سلطانية الخبز والحليب الصحي إلى حد كبير، ولكن الحقيقة التي برزت بروزاً واضحاً من هذه المسألة كلها، كما طرحها ذهن نيكولاس، هي أن الأشخاص الأكبر سناً والأكثر حكمة وقيمة قد تبين أنهم على خطأ شديد في مسائل عبّروا فيها عن ثقتهم المطلقة. "قلتم إنه ليس من الممكن وجود ضفدعة في سلطانية الخبز والحليب التي لي، ولكن كانت هناك ضفدعة بالفعل في سلطانية الخبز والحليب"، هذا ما راح يكرر قولـه بإلحاح التكتيكي البارع الذي لا ينوي أن يغادر موقع الأفضلية. وهكذا كان ابن عمه وابنة عمه وأخوه الأصغر غير المثير لاهتمامه إطلاقاً سيُصطحبون إلى الشاطئ الرملي في جاغبورو في ذلك اليوم بعد الظهر وكان عليه البقاء في المنزل. كانت خالة ولدي عمه التي تصر بتوسع غير مبرر لمخيلتها، على أنّها خالته هو أيضاً، قد اخترعت بسرعة مغامرة جاغبورو لكي تؤثر في نيكولاس مؤكدة المتعَ التي فاتته بسبب سلوكه المخزي على مائدة الإفطار. كان من دأبها، كلما أخطأ أحد الأطفال، أن ترتجل شيئاً لـه طبيعة احتفالية على أن يحرم منها الطفل المشاغب على نحو صارم. ولو ارتكب الأطفال جميعاً إثماً ما فقد كانوا يبلَّغون فجأة بوجود سيرك في بلدة مجاورة، سيرك لا مثيل لروعته ولفيوله التي لا تعد ولا تحصى، وهو السيرك الذي كانوا سيؤخذون إليه في ذلك اليوم لولا سلوكهم الفاسق. كان المتوقع أن يذرف نيكولاس بضع قطرات محتشمة من الدمع مع اقتراب لحظة مغادرة البعثة إلى مغامرتها. ولكن ما حدث في الواقع هو أن البكاء كان من نصيب ابنة عمه التي كشطت ركبتها على نحو مؤلم نوعاً ما على درجة العربة وهي تتسلق زاحفة إليها. قال نيكولاس بمرح حين كانت المجموعة تبتعد دون أي أثر من تلك المعنويات العالية المتوقعة منها: "كيف راحت تعوي!" قالت الخالة المزعومة: "سرعان ما ستنسى ألمها. "ستكون فترة ما بعد الظهيرة رائعة للسباق فوق تلك الرمال الجميلة. لكم سيستمتعون!" "لن يستمتع بوبي كثيراً ولن يسابق أحداً كذلك"، قال نيكولاس بضحكة كالحة. "إن حذاءه يؤلمه فهو ضيق". "لِمَ لَمْ يقل لي إن حذاءه يؤلمه؟" سألت الخالة ببعض الحدة. "قال لك مرتين، ولكنك لم تصغي إليه. غالباً ما لا تصغين حين نقول لك الأشياء الهامة". "محظور عليك الدخول في حديقة الكشمش"، قالت الخالة وهي تغير الموضوع. سأل نيكولاس: "ولم لا؟" قالت الخالة بتعال: "لأنك ارتكبت عملاً مخزياً". لم يقر نيكولاس بصحة هذا المنطق، فقد شعر أنه قادر تماماً على أن يرتكب عملاً مخزياً وأن يكون في حديقة الكشمش في اللحظة نفسها. كان واضحاً لخالته أنه كان مصمماً على دخول حديقة الكشمش، "وذلك فحسب لأني أمرته ألا يدخلها"، كما فكرت في نفسها. كان لحديقة الكشمش بابان يمكن دخولها منهما، وما أن يتمكن طفل ضئيل الحجم شأن نيكولاس من الانسلال إلى هناك فإنه سيستطيع الاختفاء تماماً عن الأنظار بين نباتات الأرضي شوكي وأعواد توت العليق وشجيرات الفاكهة القادرة على إخفائه. كان لدى الخالة أشياء كثيرة تقوم بها بعد ظهر ذلك اليوم، ولكنها أمضت ساعة أو ساعتين في أعمال البستنة التافهة بين أحواض الورود والشجيرات، ومن حيث تستطيع مراقبة البابين المؤديين إلى الفردوس المحرم. كانت امرأة ضعيفة الخيال وذات قدرة كبيرة على التركيز. شن نيكولاس غارة أو غارتين على الحديقة الأمامية وهو يشقّ طريقه بالتواء وبخلسة واضحة النية نحو أحد البابين، ولكنه لم يستطع قط ولو لحظة واحدة أن يتهرب من عيني خالته اللتين تراقبانه. في الواقع، لم يكن ينوي قط محاولة الدخول في حديقة الكشمش، ولكن كان أمراً ملائماً له جداً أن تعتقد خالته بأنه كانت لديه نية كهذه. وكان ذلك اعتقاداً سيجعلها تقوم بواجب الحراسة في معظم فترة ما بعد الظهر. بعد أن تأكد لها الأمر تماماً وعززت شكوكها، تسلل نيكولاس إلى المنزل ونفذ على وجه السرعة خطة عمل كانت قد نبتت في ذهنه منذ زمن. فلو وقف على كرسي في المكتبة لاستطاع الوصول إلى رف وُضع عليه مفتاح غليظ يبدو هاماً. كان المفتاح يبدو هاماً بقدر منظره: كان الأداةَ التي تبقي أسرار غرفة السقيفة في مأمن من التطفل غير المسموح به، كما كان يفتح الطريق أمام الخالات وأشخاص آخرين يتمتعون بالمزايا فحسب. لم تكن لدى نيكولاس خبرة كبيرة في فن إدخال المفاتيح في ثقوب الأقفال وإدارتها، ولكنه مارس في أيام مضت العمل على مفتاح باب غرفة المدرسة، لم يكن يؤمن كثيراً بالحظ والمصادفة. دار المفتاح بصعوبة في الثقب ولكنه دار. انفتح الباب وأصبح نيكولاس في أرض مجهولة كانت حديقة الكشمش بالمقارنة معها متعة بائتة، مجرد متعة مادية. كثيراً ما تخيل نيكولاس في سرّه ما الذي سيكون عليه شكل غرفة السقيفة، تلك المنطقة التي كانت مغلقة بكل عناية أمام عيون الصغار والتي لم يكن أي سؤال عنها يجد ردَّاً. ولم تخيب أمله. أولاً كانت كبيرة وذات إضاءة خافتة، ولها نافذة واحدة عالية تطل على الحديقة المحرمة فهي مصدر النور الوحيد لها. وثانياً كانت مستودعاً لكنز لا يمكن تخيله. كانت خالته بقوة الإصرار واحدة من أولئك الأشخاص الذين يظنون أن الأشياء تتلف بالاستخدام فتتركها للغبار والرطوبة بقصد حفظها. كانت تلك الأجزاء من المنزل التي يعرفها نيكولاس جيداً خالية وكئيبة إلى حد ما، أما هنا فأشياء رائعة تحتفل بها العين. أولاً وقبل كل شيء هناك قطعة من النسيج المطرز كانت مخصصة على ما هو واضح لتكون حاجبة للنار في مدفأة. أم بالنسبة إلى نيكولاس فهي حكاية حية تتنفس. قعد فوق حزمة من الستائر الهندية التي تومض بألوان مدهشة تحت طبقة من الغبار، واستوعب كل تفاصيل صورة النسيج المطرز. كان هناك رجل يرتدي ملابس صيد تنتمي إلى زمن بعيد وها هو وقد قتل على الفور آيلاً بسهمه. لم تكن الطلقة صعبة لأن الأيل لم يكن بعيداً أكثر من خطوة أو خطوتين عنه. في النباتات الكثيفة التي كانت الصورة توحي بها لم يكن صعباً الزحف نحو أيل وهو يأكل، وكان الكلبان المبقعان القافزان إلى الأمام للانضمام إلى المطاردة قد دربا على ما يبدو أن يبقيا بعيدين حتى يكون السهم قد انطلق. ذلك الجزء من الصورة كان بسيطاً وإن يكن ممتعاً، ولكن هل رأى الصياد ما رآه نيكولاس، أنه كانت هناك أربعة ذئاب تعدو آتية باتجاهه عبر الغابة؟ وقد يكون هناك أكثر من أربعة منها مختبئة خلف الأشجار، وعلى أية حال هل سيستطيع الرجل وكلباه أن يكونوا نداً لأربعة ذئاب لو هاجمتهم؟ لم يكن قد تبقى لدى الرجل سوى سهمين في جعبته وقد يخطئ الرمي بأحدهما أو كليهما. وكل ما يعرفه المرء عن مهارته في الرمي كان أنه استطاع إصابة أيل كبير ضمن مدى قصير إلى حد مضحك. قعد نيكولاس دقائق ذهبية كثيرة وهو يدور حول إمكانيات المشهد. كان ميالاً إلى التفكير أنه سيكون هناك أكثر من أربعة ذئاب وأن الرجل وكلبيه كانوا في موقف حرج جداً. ولكن كانت هناك أشياء أخرى تبعث المسرة والاهتمام وقد أسرت انتباهه فوراً: كانت هناك شمعدانات غريبة ملتوية بشكل ثعابين وإبريق شاي بشكل بطة صينية، وكان من المفروض أن يخرج الشاي من منقارها. لكم بدا كئيباً ودون شكل إبريق الشاي في حجرة نوم الأطفال بالمقارنة مع هذا! وكان هناك صندوق من خشب الصندل المنحوت وقد مُلئ حتى آخره بطبقات من صوف القطن العطري، وبين طبقات صوف القطن كانت أشكال نحاسية صغيرة، ثيران ذات حدبات وطواويس وجنيات هي متعة للنظر واللمس. وكان هناك شيء أقل جاذبية من حيث المظهر هو كتاب كبير مربع الشكل لـه غلاقان أسودان عاديان. قلبه نيكولاس فوجد فيه صوراً ملونة لطيور. ويا لها من طيور! في الحديقة وفي الممرات حيث كان يتمشى عادة، كان نيكولاس يصادف عدداً قليلاً من الطيور أكبرها عقعق مرّ بالمصادفة من هناك أو حمامة مطوقة. أما هناك فرأى مالك الحزين والحبارى والحدأة والطوقان وواق النمر وديك الدغل الرومي وأبا منجل والتدرج الذهبي، إنه معرض صور كامل لمخلوقات لا يمكن تصورها حتى في الحلم. وبينما كان يتأمل بإعجاب ألوان البطة الصينية ويمنحها سيرة حياة، أتى صوت خالته بشكل صياح حاد باسمه من حديقة الكشمش في الخارج. كانت قد بدأت ترتاب من غيابه الطويل عن الأنظار وقد استنتجت فجأة أنه قد تسلق فوق الجدار خلف ساتر شجيرات الليلك. كانت منهمكة آنئذٍ في بحث حيوي إنما بائس عنه بين نباتات الأرضي شوكي وعيدان توت العليق. صرخت: "نيكولاس، نيكولاس! عليك الخروج من هناك فوراً. لا فائدة من الاختباء هناك. أستطيع أن أراك طوال الوقت". ربما حدث أولَ مرة منذ عشرين عاماً أن ابتسم شخص ما في غرفة السقيفة تلك. والآن بدأ التكرار الغاضب لاسم نيكولاس يتحول إلى زعيق، وصرخة لشخص ما حتى يأتي بسرعة. أغلق نيكولاس الكتاب، أعاده بعناية إلى مكانه في إحدى الزوايا، وهزّ بعض الغبار من كومة مجاورة من الصحف فوقه. ثم زحف خارجاً من الغرفة وأعاد المفتاح إلى حيث كان بالضبط. كانت خالته ما تزال تنادي باسمه حين دخل الحديقة الأمامية وهو يمشي الهوينى. سأل: "من ينادي؟" جاء الجواب من الجانب الآخر من الجدار: "أنا. ألم تسمعني؟ كنت أبحث عنك في حديقة الكشمش وقد زلت قدمي فسقطت في خزان ماء المطر. من حسن الحظ أنه لا يوجد ماء فيه، ولكن جوانبه زلقة ولا أستطيع الخروج. أحضر السلم الصغير من تحت شجرة الكرز.." قال نيكولاس فوراً "لقد أمرتِ بألاّ أدخل حديقة الكشمش". "لقد أمرتك بألاَّ تدخل، والآن آمرك بأن تدخل"، هكذا جاء الصوت من خزان ماء المطر، وعلى نحو نافد الصبر تقريباً. اعترض نيكولاس: "لا يبدو صوتك مثل صوت خالتي. قد تكونين الشيطان يحاول غوايتي حتى أرتكب معصية. غالباً ما تقول لي خالتي إن الشيطان يغويني وأني أطيعه دائماً. هذه المرة لن أطيع". قالت السجينة في الخزان: "لا تثرثر. اذهب وأحضر السلم". سأل نيكولاس ببراءة: "هل سيكون هناك مربى توت الأرض مع الشاي؟" قالت الخالة بنفاد صبر وهي تقرر في نفسها ألا تجعل نيكولاس ينال منه شيئاً: "بكل تأكيد". "أعرف الآن أنك الشيطان ولست خالتي" صرخ نيكولاس بمرح. "حين طلبنا من خالتي البارحة أن تقدم لنا مربى توت الأرض قالت إنه ليس لديها منه إطلاقاً. أعرف أن هناك أربعة مرطبانات في خزانة المستودع، لأني نظرت إلى هناك. وطبعاً أنت تعرف أن المربى هناك، أما هي فلا تعرف، لأنها قالت إنه لا يوجد مربى توت الأرض. أيها الشيطان، لقد فضحت نفسك بنفسك فعلاً". كان هناك إحساس غير عادي من الترف في أنه قادر على مخاطبة الخالة والادعاء بأنه يخاطب الشيطان، ولكن نيكولاس كان يعرف بوعي طفولي أن مثل هذا الترف ما كان ممكناً التساهل فيه. سار وهو يُحدث ضجة مبتعداً عن المكان، وكانت خادمة المطبخ التي مضت تبحث عن البقدونس هي التي أنقذت الخالة أخيراً من صهريج ماء المطر. في ذلك المساء تم تناول الشاي في صمت. كان المد في أعلى مستوى له حين وصل الأطفال إلى جاغبورو كوف، لذلك لم تكن هناك رمال للعب عليها: وهذا ظرف سهت عنه الخالة حين تسرعت في تنظيم رحلتها العقابية. أما ضيق حذاء بوبي فكانت له آثار كارثية على مزاجه طوال فترة ما بعد الظهر، وإجمالاً فإن الأطفال لم يتمتعوا بنزهتهم. حافظت الخالة على الصمت الجليدي لشخص عانى من حبس غير لائق ولا تستحقه في خزان ماء المطر مدة خمس وثلاثين دقيقة. أما فيما يخص نيكولاس، فقد كان هو الآخر صامتاً، إذ كان مستغرقاً في التأمل كمن يشغله الكثير من الأفكار: كان ممكناً بالضبط، كما راح يفكر، أن ينجو الصياد مع كلبيه حين تحتفل الذئاب بالتهام الأيل القتيل. (1)ساكي: هو الاسم المستعار للكاتب البريطاني "هكتور هيو مونرو" (الاسم يعني نوعاً من السعادين). وُلد في بورما حيث كان أبوه موظفاً ودرس في إنكلترا ثم ساح في أرجاء أوربا والتحق بالشرطة البورمية، إلاَّ أنه عاد فاستقال بسبب اعتلال صحته وامتهن الصحافة ثم كتابة القصة القصيرة. نشر عدة مجموعات من القصص القصيرة وروايتين. تطوع جندياً في الحرب العالمية الأولى (1914) وقُتل في فرنسا عام (1916). تتميز قصصه بإيجازها وفكاهتها السوداء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |