|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لا تنسي البطاقتين يا عزيزتي للكاتب التركي عزيز نسين ـــ ت: جمال دورمش كانا سيذهبان إلى أحد شواطئ شمال الأبيض المتوسط حيث زرقة البحر المزركشة بحزام أخضر جميل. وبما أن مكاني عمليهما مختلفان رغبا في التخلص من الضغوط النفسية التي يسببها عناء عمل عام كامل، وهكذا خلال خمسة عشر يوماً من الاستجمام في البحر وأحضان الطبيعة الخلابة يتخلصان من كل معاناتهما، فيعودان إلى بيتهما وعملهما بنشاط وحيوية. ولكي لا يُفسدا متعة الانتجاع بتحمل مشقة السفر وعناء الترحال بالسيارة فضّلا المسافرة بالطائرة. ثلاثة أيام والزوجة تعد عدة السفر، فخمسة عشر يوماً ليست بالمدة القصيرة، لذا لابد من إعداد الثياب الخفيفة والخاصة بالسباحة خمسة عشر يوماً، كذلك بعض الكتب، وهكذا جهزت جميع هذه الأغراض في حقيبتي سفر وحقيبتي يد. حجزا لهما بالهاتف مكاناً في بيت الراحة الذي سينزلان فيه، واكتملت جميع ترتيبات السفر عندما أحضر الزوج بطاقتي الطائرة. كان الزوج لحوحاً إلى حد أن زوجته سئمت من كثرة إلحاحه ولجاجته. قال لزوجته عندما أعطاها بطاقتي الطائرة: -يا عزيزتي، هأنذا أعطيك بطاقتي الطائرة لكن إياك أن تنسيهما في البيت. أثار كلام الزوج غضب الزوجة، وقالت له: -أنت دائماً هكذا، لم سأنساهما؟. -قلت ذلك على سبيل التذكير يا عزيزتي. -متى، وماذا نسيت حتى تلح عليّ بهذا الشكل. لو رغب الزوج أن يحصي لها عدد المرات التي نسيت فيها ومتى وأين، لدب الخلاف بينهما لا محالة، إلا أن رغبته في قضاء فترة استجمام جعلته يتعامل معها بتعقّل منفتح وقلب منير، ولذلك تغاضى عما سمع وقال: -محقة أنت يا زوجتي العزيزة، أنت لا تنسين أي شيء لكنها دنيا وأحوالها، قد تنسين هذه المرة لذلك أرجوك أن تضعيهما في حقيبة يدك هذا المساء. ردت عليه الزوجة الغاضبة والمستفزة قائلة: -هاه.. هذا يعني أن تقصد أنك لو لم تذكرني بذلك لما وضعتهما في حقيبتي. -طبعاً ستضعينهما، طبعاً ولا أشك في ذلك، بل قلت ذلك للذكرى فقط. ثم أردف قائلاً: -كذلك لا تنسي المفاتيح كي لا نبقى في الشارع بعد عودتنا. لم تجب الزوجة كي لا تخلق مشكلة، بل اكتفت ببعض هزات من رأسها. وبينما كانا على مائدة العشاء يتناولان عشاءهما ولكي لا تنزعج زوجته قال لها بصوت خافت أقرب إلى الهمس: -ألم تنسي وضع البطاقتين في حقيبة يدك يا حلوتي؟. ردت عليه الزوجة من بين أسنانها: -لا لم أنس. -لم تغضبين يا حياتي؟، كل ما رغبته فيه تذكيرك. أعاد طرح مسألة البطاقتين تلك الليلة عدة مرات وعلى مائدة الصباح قال لها متردداً: -أخذتِ البطاقتين، أليس كذلك يا عزيزتي!. صرخت الزوجة غاضبة: -كفى. -كذلك رجاءً لا تنسي مفتاح الباب الخارجي. وضعا الحقائب في سيارتهما الخاصة، ثم جلس الزوج خلف المقود، سأل زوجته وهو يمسح الزجاج الأمامي للسيارة بقطعة قماش من الداخل: -رجاءً لا تغضبي يا حبيبتي، كنت سأسألك عن بطاقتي الطائرة. -كفى... قلت لك مراراً أنني وضعتهما في الجيب الخارجي من حقيبتي ومفتاح الباب الخارجي في حقيبتي الصغيرة وتلك الحقيبة في حقيبة يدي، هل ارتحت الآن؟.. أقلعت السيارة، وقبل أن يقطعا الكيلومتر الأول قال لها: -رجاءً هل لك أن تتفقدي حقيبة يدك مرة أخرى. -ولم؟. -لا، ولا شيء، كي تتيقّني من وجود البطاقتين. -إنك ستزهق عقلي، لم أخرف بعد، ألم أقل لك إنني وضعتهما في حقيبتي. وبعد أن قطعا مسافة أخرى قال لها: -ليكن، يا عزيزتي، ما دمت تعرفين أنك وضعتهما في حقيبتك، فهذا يعني حتماً أنهما هناك، فلم لا تتفقديهما ثانية. سأسأت الزوجة عدة مرات وقالت: -أنا لست مجنونة، لكن هل أفقدتك هاتان البطاقتان عقلك. -يعني ألا يمكن أن يحدث أن ينساهما المرء. أجابت الزوجة بصمت عميق. أردف الزوج قائلاً: -وماذا لو فوجئنا في المطار بأننا نسيناهما. -لا يمكن أن تطيرا من حقيبتي!.. -أنت محقة في ذلك يا عزيزتي، مع ذلك أرجوك أن تتفقديهما ثانية. -يعني أنك مصر أن تفسد رحلتنا وفرصة استجمامنا. -يا روحي، ما الداعي إلى الغضب الآن، تفقدي حقيبتك وننتهي من هذا النقاش. -أستغرب كثيراً كيف استطعت تحمّل نقّك عاماً كاملاً.. -إنك تضخمين الأمور.. ولن تقوم القيامة لو تفقدت حقيبتك، لأننا لو اكتشفنا في المطار أننا نسيناهما فلن نستطيع العودة وقطع المسافة الطويلة، ولن نستطيع اللحاق بالطائرة، أما موعد طيران الطائرة التالية فسيكون بعد ثلاثة أيام. صمتت الزوجة وكذلك الزوج، إلا أنه لم يستطع تحمل وطأة الصمت أكثر من ذلك لذلك راح يتوسل إليها: -حياتي، حبيبتي، أتوسل إليك، لا تغضبي، رجاءً تفقدي البطاقتين في حقيبتك؟.. -آه، سأفقد عقلي. كانا يقتربان من المطار عندما كرر الزوج طلبه ثانية: -يا عزيزتي لدينا الوقت الكافي للعودة إلى البيت لو تبين أننا نسينا البطاقتين في البيت، لكن إذا وصلنا إلى المطار وتبين أننا نسيناهما فلن يكون بمقدورنا العودة إلى البيت، هيا يا عزيزتي تفقدي حقيبتك هذه المرة فقط. -سأصرخ الآن بأعلى صوتي هاه.. -حسناً، حسناً لا تغضبي، يا حبيبتي، أنا لا أرغب في إغضابك البتة، لكن ماذا تخسرين لو تفقدت حقيبتك. نزلا من السيارة بعدما وصلا إلى الموقف المخصص في المطار، حيث سيترك الزوج سيارته هناك. بينما كان الحمّال ينزل الحقائب من السيارة، سُمع صوت امرأة: -حقيبتي؟، أين هي حقيبتي؟؟؟.. آه حقيبتي ليست هنا والبطاقتان بداخلها. التفتت نحو زوجها مغيرة نبرة صوتها: -أتترك أنت في رأس المرء عقلاً... هكذا هي نتيجة إصرارك الدائم على البطاقتين. -كيف يعني؟. -نسيت حقيبتي في البيت وبداخلها البطاقتان ومفتاح البيت. رد عليها الزوج بهدوئه مواسياً: -لا تنزعجي يا سكرتي.. هدوء ورصانة زوجها أثاراها باطّراد -وكيف لا أنزعج!، وكل ذلك بسببك، لقد أكلت رأسي من كثرة نقّك وإلحاحك، لا تنسي البطاقتين، لا تنسي البطاقتين وفي النهاية نسيت الحقيبة. -لا ضرر في ذلك يا حبيبتي، لا تنزعجي وقد حصل ما حصل. -إيه اسمعوا ما يقول لو لم تكن لجوجاً ونقّاقاً لما نسيت. أجابها بهدوء: -إذاً لنعد إلى البيت. جلس خلف المقود بعدما أعاد الحمال الحقائب إلى أماكنها. جلست الزوجة بجانب زوجها في السيارة مبربرة ومبرطمة، ثم صرخت فرحة: -آه، هاهي حقيبتي، آه ربي، لمَ لم أشاهدها؟، لقد انزلقت خلف الأكياس، أتظن يا روحي أنني حمقاء حتى أنسى حقيبتي، أنت تُفقد الشخص عقله من كثرة نقّك وإلحاحك هاتان هما البطاقتان وهذا هو المفتاح، ثم راحت تنبش في جنبات حقيبتها، وكلما تعمقت في البحث بدا عليها السرور أكثر. أما الزوج فقد راح يحاكيها بهدوئه المعهود حين كانت الزوجة تنبش في حقيبتها كدجاجة: -لا تستعجلي، وابحثي بهدوء ولا ترتبكي. راح الزوج يرمقها بنظرات مرحة، في حين زعقت الزوجة بعدما أسبلت يديها متعبة وألقت الحقيبة جانباً: -لا ترمقني بمثل هذه النظرات، لا البطاقتان ولا المفتاح في الحقيبة. لم يعد الزوج يعلم ما سيقوله كي لا يُغضب زوجته، لكنه في الوقت نفسه كان مضطراً ليقول لها شيئاً كي يروّح عن نفسه فراح يبربر: -ليست مشكلة. أدار محرك السيارة ثم داس على دواسة البنزين لتنطلق السيارة. التزم الزوج الصمت طوال الطريق في حين كانت الزوجة تحدّث نفسها: -ماذا كان سيجري لو أغلقت فمك، طبعاً كنت سأحضر معي البطاقتين فأنا لست حمقاء، كنت تلح عليّ باستمرار كي لا أنسى البطاقتين وهاهي النتيجة. حاول الزوج ابتلاع غيظه بالتزامه الصمت ولم يقل شيئاً، مما سبب استفزاز زوجته: -ماذا ما بك هل ابتلعت لسانك، لم لا تتكلم، قل كلمة واحدة. لكنها كادت تطق من شدة الغيظ عندما قال لها: لا شيء يستحق الاهتمام، لا تحزني. وهنا صرخت بأعلى صوتها: -والله ستفقدني وعيي بكلامك، منذ أيام وأنا أتأهّب للسفر وأجهز الحقائب ثم تقول لي لا تحزني. وصلا البيت، نزل الزوج من السيارة ثم قال لها بصوت هادئ: -حبيبتي ابقي عند الجيران كي أحضر صانع المفاتيح ليفتح لنا الباب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |