جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

انطباعات من الشرق في الشرق الصين 2 من 2 ـــ سامي حمزة

*-ثمة سؤال يرافق ذكر الشرق، ما الذي نعرفه عن ثقافات وآداب بلدٍ عدد سكانه/ مليار وثلاثمئة وخمسين مليون نسمة، ومساحته تسعة ملايين وستمئة ألف كم2/ ؟.‏

ما الذي قرأناه من آدابه مترجمة عبر لغة أخرى، أو مباشرة؟. إذا علمنا أن الأدب الصيني ذو تاريخ متصل لمدة تزيد على ثلاثة آلاف سنة، أو أنها تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد على الأقل، ضمن حضارة ذات سبعة آلاف سنة.‏

إذا استثنينا المجلات والكتب التي تصدرها دور النشر الصينية عبر القارات، وهي إعلامية دعائية، فإننا نكاد لا نعرف عن الأدب الصيني، قديمه وحديثه، إلا النذر اليسير، وإن كنت أعتبر نفسي قارئاً نهماً مخلصاً للكتاب، فإنني لم أقرأ من هذا الأدب -على أهميته وغزارته- سوى بضعة كتب، لا يتعدى مجموعها عدد أصابع اليدين، أذكر منها مسرحية [عاصفة الرعد، تأليف تساويو ودراسة هامة لزكريا شريقي، بعنوان [مدخل إلى الأدب الصيني] ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب- 1994، والقليل من المترجمات المتفرقة في الدوريات ذات الاهتمام، إلى جانب مشاهدة عدة أفلام سينمائية، في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم.‏

وأتساءل إن كنت غير ملم؛ أم أن هو ذا المتاح؟.‏

وحدث أن التقينا الأستاذ /تشونغ جيكون/، أهم المهتمين بالعربية وآدابها، ومعروف عندنا باسم [صاعد]، وقد اشتقه من معنى اسمه الحقيقي [من يميل إلى صعود جبل كون لون]، شأنه في ذلك شأن أغلب العاملين في حقل اللغة العربية، إذ يختارون لأنفسهم أسماءً عربية، تميزاً أو تحبّباً وتقرّباً، والأستاذ صاعد ترجم بعض الأدب العربي إلى اللغة الصينية، وعلى حدِّ علمي أن اتحادنا كرّمه بـ [عضوية فخرية]، وحدّثني أنه انتهى من بعض مشروعه الكبير، بترجمة أشعار لأكثر من مئتي شاعر عربي، من امرئ القيس، إلى شعراء من الزمن الراهن.‏

هذا غيض لا أظنه من فيض، فالترجمة المتبادلة قليلة، وبالتالي معرفة كل طرف بآداب الطرف الآخر، ما زالت دون الطموح.‏

وخلال لقاءاتنا مع أدباء من فروع اتحاد الكتاب في المدن التي زرناها، كانوا يبدون رغبة بمعرفة الأدب العربي وقراءته، وحدّثنا غير واحدٍ، عما أتيح له قراءته مترجماً إلى الصينية، وأذكر أن السيد [جن كْسنْ دا] مرافقنا العام، وصف مشاعر فيّاضة، عن (جبران خليل جبران) وأدبه، ومدى تأثره وهو يزور مسقط رأسه في لبنان، إثر زيارته سورية، بدعوة من اتحادنا، وسمعته يتغنى مبتسماً بمعاني بعض أشعاره، كما وصلته مترجمة، كما أسمعتنا الآنسة /شيرين/ أبياتاً تحفظها لشعراء صدر الإسلام.‏

لقد زرنا دار الكتب والمركز الثقافي في مدينة شانغهاي، التي تحتوي أربعين مليون كتاب، ومخطوط أثري، وتستخدم الحاسوب على نطاق واسع في خدماتها، فالراغب باستعارة كتاب يحصل عليه بوساطة الحاسوب، فيذهب /الروبوت/ ببطاقة الطلب، ويعود بالكتاب المطلوب بوقت قياسي، وهذا الصرح على اتساعه الأفقي والعمودي، يسوده النظام والنظافة والدقة والهدوء كما في كل مكانٍ زرناه، وقد خصصت قاعات فارهة مريحة للباحثين والعلماء، تتوفر لهم فيها ما يتطلبه البحث، إلى جانب الخدمة والرعاية، ولاحظنا تنوع الرواد، من الأجيال كافة، ناشئة وطاعنين في السن، من الرجال والنساء على حدٍ سواء.‏

وفي زاوية من إحدى القاعات، ثمة رفوف عليها بعض أمهات الكتب العربية، ومجموعة من الكتب الأدبية الحديثة، تقدمة وزارة الثقافة في مصر العربية، وليت وزارة الثقافة عندنا تحذو حذوها، ولعل اتحادنا يلتفت إلى هذه الناحية، فيساهم بسد الثغرة لقراء العربية من الصينيين، وها هو قد بدأ بترجمة أدبنا العربي إلى ست لغات عالمية، من بينها الصينية، وإنها لعمري خطوة رائدة، توصل أدبنا إلى القارئ في أنحاء العالم، من غير تشويهٍ أو انتقائية مفرضة تتعمدها بعض الجهات بعدم ترجمة إلا السلبيات، من منظور جلد الذات، وكم تأسيت عندما أراد أديب أن يجاملنا، فطفق يتحدث عن إطلاعه على أجواء حكايات ألف ليلة وليلة، ولم يضف على ذلك شيئاً!.‏

*-: كان متحف الأدب الصيني الحديث في بكين، موضع إعجاب، ومدعاة للتأمل بكثير من الشفافية الروحانية، في محراب من محاريب تقدير الإبداع، وكما يستدل من تسميته، فهو ذاكرة الأدب وأصحابه منذ بداية القرن العشرين، باللغتين القديمة والمبَّسطة، وفيه زهاء عشرة آلاف مخطوط، إلى جانب أربعمئة ألف كتاب، هي في الأصل محتويات مكتبات الأدباء الخاصة، آلت إلى المتحف بعد وفاتهم، في الحفظ والصون، كما يليق بالنفائس، وتتوزع في ردهات طبقات المتحف، إلى جانب نحو من ثمانية آلاف صورة للأدباء، ومساحته الحالية /أربعة عشر ألف م2/. وتصميم توسيعه إلى (ثلاثين ألف م2)!.‏

ويصدر المتحف مجلة فصلية خاصة، عن المتحف والأدب والأدباء، أما أنه مدعاة للإعجاب، فبسبب التكريم والحفاوة، وتخليد المبدعين بكل شيءٍ عنهم، وبتماثيل من الشمع بالأحجام الطبيعية، تكاد -لدقتها- تحسب أنك في حضرة هذا الأديب وتلك الكاتبة، وقد أُلبس كل تمثال ثياب الأديب ذاتها، ولكل منهم ركن في غرفة زجاجية، تماثل بيته، فيه مكتبه ومقعده وأدواته، كالنظارة والغليون والأقلام، وبعض أوراقه بخط يده، وحتى الدراجة الهوائية التي كان يستخدمها، وإكسسوارات مكتبه، ومفردات طقوس الكتابة لدى كل منهم، إنه تكريم مفعم بالوفاء والرعاية الحميمة، يكبر الإبداع والمبدعين، ويكرّس احترام ذكراهم في ذاكرة الأجيال.‏

أما الطباعة والنشر، فتبدأ بزهاء عشرة آلاف نسخة كحدٍ أدنى، وتتتابع الطباعات لتتجاوز مئة ألف نسخة، والعملية برمتها مرتبطة بالإقبال على هذا الكتاب أو ذاك، إلا أن المشكلة تبقى قائمة على صعيد المردود المادي للإبداع، مما يجعل بعضهم ينّوع بين الأدب الصرف، والمسرح والسيناريو، للسينما والتلفزة، بغية تحسين المعيشة برفع مردود الكتابة، فالمسارح شغالة، ودور السينما واسعة الانتشار، والقنوات التلفزيونية متعددة، ففي شانغهاي -على سبيل المثال- عشرون فرقة مسرحية دائمة، تقدم عروضها على مدار العام، وقد حضرنا عرضاً مسرحياً في أحد مسارح مدينة /شيآن/، كان الملفت للانتباه، أن صالة المسرح عبارة عن مدرجات مليئة بطاولات حولها مقاعد، معدة لمشاهدة العرض برياحة، فتتناول فنجان قهوة، أو شرابك المفضل، دون أن يؤثر ذلك على طقس الفرجة، فتتابع بمزاج رائق عرضاً شديد الأناقة والجاذبية، على أنغام فرقة موسيقية، تعزف ألحان العرض الغنائي، على آلات صينية كلاسية صرفة، وقد اتخذت (الأوركسترا) مكانها في الركن المخصص لها على يمين الخشبة، تذهلك الدقة بين الصوت والحركة والموسيقى الحيّة، فاستمتعنا بعرضٍ تكاملت فيه حكاية الأسطورة، وتمازج الأصالة بالمعاصرة، والإضاءة المبهرة المدروسة، والملابس الفلوكلورية الزاهية، وتقنيات رفيعة، وأداء متقن بلا أدنى فجوة، لكأني به من العروض التي تقول:‏

(وهذه هي الصين أيضاً)، مخصصة لإحياء التراث وتعريف الجمهور والسياح بجوانب الثقافة الصينية، التي تأخذ بمقولة تتردد في الأوساط الأدبية، بأن طلب الحكمة، والهيام بالجمال، هما قطبا العقل الصيني.‏

ومن الأقوال الجميلة التي سمعتها، فأثارت انتباهي، قول الفيلسوف [لوتشي] (بأن الأسلوب لا يقل أهمية -بالنسبة للكاتب- عن الكمال الأخلاقي).‏

وإنك لتتكشف قيم الجمال لدى هذا الشعب، وأنت تسمع قول الشاعرة [بوشوي] [الأزهار المتنوعة.. تزيدك حسناً.. كلما زدتها نظراً].‏

هذه العلاقة بين النفس الإنسانية والطبيعة الأم، تجد خلاصتها بقول الناقد الأدبي [شن دان شن] [الأدب الصيني هو الفن الذي يمثل نداء الطبيعة والإنسان بحميمية لا تفتر].‏

وفي جلسة حميمية، ضمتنا وأدباء من فرع الاتحاد بمدينة الحرير [هانغ تشو]، في مكان مفعم بالأصالة والمعاصرة، كان شاعرياً بإطلالته على بحيرة إمبراطورية، تزنرها خضرة الجبال من جنوبها وغربها، عَذُب الحديث عن القصة والرواية عندنا وعندهم، وتطرق لعمل إبداعي يحمل عنواناً ذو دلالة [الشمس تشرق من الشرق]!.. وكان الوقت في الأصيل، وكنت أصغي إلى الحديث، متابعاً المنظر الكلي بين السماء والأفق والأرض، وقد بدأت لحظات الغروب، فلفت الانتباه إلى المنظر، على أن الشمس تستيقظ وتبيت في شرقنا الشاسع أيضاً، لكأنها تعشق هذا الشرق الذي نحلم جميعاً أن يستيقظ تماماً، ثم صمتُ وسط صيحات الاستحسان، وقد دار في ذهني أن ذاك هو (الغرب) وذاك هو تاريخه معنا، فماذا لو التفتنا إلى أنفسنا في شرقنا متفائلين.؟!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244