|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
جاك دريدا والفكر الإنساني ـــ د. غسان السيد يتفق معظم المفكرين اليوم على أن جاك دريدا يشكل ظاهرة فكرية زعزعت بعض الثوابت في الفلسفة الحديثة، وانطلقت بها نحو آفاق جديدة لم تتضح أبعادها حتى الآن. ولا نبالغ إذا قلنا إن دريدا أسهم في إعادة تشكيل الفكر الأوربي الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، مع مجموعة من المفكرين مثل كلود ليفي شتراوس، ورولان بارت، وميشيل فوكو، وجاك لاكان. ولد جاك دريدا قرب مدينة الجزائر سنة 1930، وتلقى علومه في المدرسة الوطنية العليا في باريس، التي درّس فيها بعد ذلك تاريخ الفلسفة. نشر أول أعماله (أصل الهندسة) عام 1962، وفي عام 1967 فرض نفسه على المشهد الفكري بثلاثة كتب هي (في الكتابة، والكتابة والاختلاف، والكلام والظواهر). وهذه الكتب الثلاثة جعلت من دريدا شخصية كبرى في المناقشات النظرية التي سادت الحياة الفكرية الفرنسية في أواخر عقد الستينيات وما كادت النقاشات التي تناولت الكتب السابقة تنتهي حتى أتبعها بثلاثة كتب أخرى عام 1972 هي (حواشي الفلسفة، والانتشار، ومواقف). وفي عام 1974 نشر كتاب Glas الذي ذاع صيته. هذا بالإضافة إلى عشرات المقالات والمحاضرات التي أسهمت في رسم معالم نظرية هذا المفكر الكبير. ضمن هذا الإطار صدر كتاب إليزابيت رودنيسكو في باريس عام 2001، والذي يتضمن حواراً طويلاً أجرته مع جاك دريدا يطرح فيه كثيراً من القضايا التي تشغل الفكر الإنساني في مطلع القرن الواحد والعشرين. والصفحات التالية جزء من هذا الكتاب، والتي يعبر فيها عن رأيه بالتحليل النفسي. مدح التحليل النفسي إليزابيت رودينيسكو: سنتطرق الآن إلى ما كان مرجعنا المشترك على مدى هذا الحوار، وخارجه، وهو التحليل النفسي. أتذكر وأنا ألفظ هذه الكلمة مباشرة فكرة ساندور فيرينسزي Sandor Ferenczi الجميلة، الذي أراد أن يؤسس جمعية أصدقاء التحليل النفسي. وهذه الجمعية تجمع كتّاباً، وفنانين، وفلاسفة أو قضاة يهتمون بهذا العلم(1). والذي أوحى له بالمشروع هو فرويد الذي أحاط نفسه بمجموعة من المثقفين عندما أسس جمعية الأربعاء النفسية في فيينا في بداية القرن. وكان يعتبر أنه يجب ألاّ يبقى التحليل النفسي، في أي حالة من الحالات، ملكاً لمجموعة من المهنيين. أعاد جاك لاكان أخذ هذه الفكرة عام 1964، عندما أسس مدرسة باريس الفرويدية (EFP، 1964-1980) التي استقبلت عدداً من الأتباع من غير المحللين النفسيين. وعندما دخلت إلى هذه المدرسة عام 1969، لم أكن قد فُحصت بعد(2). بالإضافة إلى أنني تمتعت بمكانة خاصة في هذا المكان بفضل أمي جيني أوبري Jenny Aubry، التي هي عضوة مؤسسة في هذه المدرسة: كنت منذ طفولتي مهتمة بثقافة هذه الحركة. تأثرت حياتك وعملك بالتحليل النفسي. وزوجتك مارغريت ديريدا محللة نفسية ومترجمة لبعض نصوص ميلاني كلان؛ وأحد أهم أصدقائك نيكولاس أبراهام(3) Nicolas Abraham، كان محللاً نفسياً أيضاً، وقد جمعك برينيه ماجور، René Major، منذ أكثر من ثلاثين سنة، وقد أديت إلى جانبه دوراً مهماً في تاريخ التحليل النفسي في فرنسا. ويمكنني القول إنني أنا نفسي التقيتك بفضله، منذ عام 1977. وقد قام في هذا الوقت، بإيحاء من عملك، بتفكيك العقائد وصرامة التفكير التحليلي النفسي المسيطر، عبر جمع المحللين النفسيين الشباب في فرنسا ضمن حيّز سماه (مواجهة) وهؤلاء الشباب كانوا متمردين على نظام المؤسسة، وكنت أنا جزءاً من هؤلاء، وكنا نواجه من جهة بيروقراطية جمعيات التحليل النفسي، ونواجه، من الجهة الأخرى آخر أساتذة التحليل النفسي الكبار الباقي على قيد الحياة وهو جاك لاكان. إنني مدينة كثيراً لرينيه ماجور الذي شجعني على كتابة تاريخ التحليل النفسي في هذا البلد، والذي عرف دائماً كيف يجسّد روح المقاومة والتسامح داخل التحليل النفسي: خاصة في صراعه ضد جميع أشكال التعاون أو التواطؤ، الماضية أو الحاضرة مع النازية، والتعذيب، والدكتاتوريات(4). إن ماجور رمز أخلاقي للرابطة الفرويدية الدولية، وقد اعترف دائماً بفضلك النظري عليه(5)، ودعمته أنت في معركته حيث التقيت به، وأسهم في تموز عام 2000، باجتماع الجمعيات العامة للتحليل النفسي(6). -جاك ديريدا: إنني أحب تعبير "صديق التحليل النفسي". وهو يعبر عن الحرية في اتفاق، وعن التزام من دون وضع مؤسساتي رسمي. إن الصديق يحتفظ بالحذر والمسافة الضروريين لكل نقد، ونقاش، وتساؤل متبادل يكون أحياناً حاسماً، ولكن هذا الالتزام للوجود نفسه، الالتزام في خضم التجربة، تجربة الفكر، هو مثل الصداقة، يتطلب موافقة مطلقة، وقول (نعم) للوجود أو الحدث ليس فقط بخصوص شيء ما (مثل التحليل النفسي)، ولكن أيضاً بخصوص كل أولئك الذين طبعت الرغبة الواعية عندهم الأصل والتاريخ. وقد يُدفع ثمن ذلك. بكلمة واحدة، يتطلب قول (نعم) في الصداقة اليقين بأن التحليل النفسي يبقى حادثة تاريخية لا تمحى، اليقين بأنه شيء جيد، وعلينا أن نحبه، وندعمه حتى في المكان الذي لم يمارس فيه ضمن مؤسسة، وهذه هي حالتي، سواء كنّا محللين أم خاضعين للتحليل، وحتى في المكان الذي تُطرح فيه الأسئلة الأكثر خطورة بخصوص عدد كبير من الظواهر (التحليلية النفسية)، المتعلقة بالنظرية، والمؤسسة، والحق، والأخلاق، والسياسة. (الصديق) يحيي نوعاً من الثورة الفرويدية، إنه يعتقد أنها أثرت بطريقة معينة في الفضاء الذي نسكنه، ونفكر، ونعمل، ونكتب وندّرس فيه، وعليها أن تستمر في التأثير فيه. لن أدهشَكِ إذا قلت لك إنني أحمّل هذه الكلمة (الصداقة) بصورة خفيّة، كل القلق، والأسئلة، والتأكيدات، والتغيرات، وهذا كله مطروح في كتابي (سياسات الصداقة) الذي يفترض هو نفسه نوعاً من "الإرث" التحليلي النفسي الذي لولاه لم يكن من الممكن أن يوجد هذا الكتاب (خاصة في تفكيكه لميزة الصداقة)، ولكنه لا يستبعد، خاصة في أحد فصوله، فرويد وبعض تلامذته (مثل يونغ وفيرينسزي)، ولا التفسير التحليلي النفسي للإرث والأجيال "إلى اليوم"(7). إن تعبير "إلى اليوم" يبيّن عتبة الصداقة التي نتحدث عنها وحدها، في الوقت نفسه وهي صداقة "صديق التحليل النفسي". يستطيع الصديق أن يعتبر، باسم التحليل النفسي نفسه، أن التحليل النفسي يحتل مكاناً من دون أن يكون له مكان فيه "حتى الآن"، على الرغم من أن هذا الكلام يبدو صعباً ومتناقضاً. ما الذي يعنيه "حتى الآن"؟ هذا هو السؤال. الصديق هو أيضاً الذي يبقى حذراً، ويمارس هذا الحذر على مسافة معينة. إن صديق التحليل النفسي الذي يحتاج إلى الضبط والتنقل باستمرار، لا ينتسب إلى الجمعية ولكنه يتبنى حق وواجب قول الحقيقة إلى أولئك الذين يعملون أو يعانون داخل إطار الجمعية. أقول: الحق أو الواجب. يجب الانتباه أكثر من أي وقت مضى إلى هذا الحد القابل للخرق والنفوذي وغير المستقر الذي يسمح ويمنع في الوقت نفسه انتقال جميع أسئلة الحق بين التحليل النفسي والقانون. إنك تعرفين أن هذا الحد يخضع اليوم لاضطراب شديد. إن الصديق هو الذي يؤكد ضرورة التحليل النفسي بصورة قطعية ويوافق عليها، وهو الذي يهتم أيضاً بالميزة الإشكالية، والاصطناعية أحياناً، والتنازعية، والقابلة للتفكيك والإدراك للعلاقات بين التحليل النفسي وقانونه، وكذلك العلاقات بين النظرية والممارسة، وبين ضرورة المعرفة وتدوينها المؤسساتي، وبين الفضاء العام للتحليل النفسي والأصالة المطلقة لفضائه "السري" غير القابل لأي نوع من الدعاية، بعيداً عمّا نعترف به ونقرّه بسهولة على شكل مفهوم "السر المهني" (الطبي والقانوني...). إن هذا السر الآخر الذي لا يسمح بكل شيء، يستدعي، بشيء من الصرامة المشروعة على الأقل، أخلاقاً أخرى، وحقاً آخر، وسياسة أخرى، باختصار يستدعي قانوناً آخر (ومن الآخر بالتأكيد، تبعية أخرى). (1) سيغموند فرويد، ساندور فيرينسزي، مراسلات، 1920-1933، السنوات العصيبة، ج 3، باريس، كالمان ليفي، 2000. 2)) انظر إليزابيت رودينيسكو، الأنساب، مصدر سابق. 3)) انظر نيكولاس أبراهام وماريا تورك، (هذر الإنسان مع الذئاب)، مسبوق بـ (Fors) لجاك ديريدا، باريس، دار أوبييه- فلا ماريون، 1976. 4)) كان رينيه ماجور أول من أشار في فرنسا إلى الأعمال الألمانية عن علاقات التحليل النفسي بالنازية، انظر بصورة خاصة (السنوات المظلمة، التحليل النفسي في ظل الرايخ الثالث) وهي نصوص ترجمها وقدم لها جان لوك إيغارد، باريس، مواجهة، 1984. ترجم عام 1997 إلى الفرنسية كتاب هيلينا بيسيرمان فيانا الذي عرض تعاون بعض المحللين النفسيين البرازيليين مع الدكتاتورية عام 1973، وعرض كذلك الدور الغامض للمحلل النفسي الفرنسي سيرج ليبوفيسي (1915-2000) والذي كان رئيساً لـ IPA في هذا الوقت. انظر هيلينا بيسيرمان فيانا، سياسة التحليل النفسي في مواجهة الدكتاتورية والتعذيب. مع (تمهيد ورسالة مفتوحة) كتبهما رينيه ماجور، باريس، هارتمان، 1997. 5)) رينيه ماجور، في البداية، الحياة والموت، باريس، غاليلي، 1999. ولاكان مع ديريدا، التحليل التنازلي، 1991، باريس، فلاماريون، سلسلة شامب، 2001. (6) جمعت الجمعيات العامة للتحليل النفسي ألف مشارك قدموا من ثلاثين بلداً إلى باريس في المدرّج الكبير للسوربون. وقد ألقى جاك ديريدا والقاضي شيليان أرماندو محاضرتين بهذه المناسبة. 7)) جاك ديريدا، سياسات الصداقة، مصدر سابق، نقرأ في الفصل الذي نحيل إليه (للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية) كلمات مقتطعة من رسالة لفيرينسزي إلى فرويد) ما يلي: "مرسل إلى الأب الذي نأخذه على محمل الجد على الرغم من القهقهة القصيرة والطويلة الأمد والتي تهزنا إلى النهاية، طالما أننا نقول لأنفسنا عند قراءة مثل هذه الرسالة (مثلاً) إنه إذا لم يحدث شيء حتى الآن للتحليل النفسي، فإنه لن يحصل له شيء، دون سنك، خاصة ضمن سلسلة أجيال رواده المؤسسين، هذا إذا لم يكن قد حصل له شيء من قبل من خلال (اللا حدث) الذي هو في ذاته حدث (اللاحدث) والذي ربما يجب أن نحاول التفكير فيه، والعيش معه، والاعتراف به أخيراً. (جاك ديريدا، ص 311). ندد فيرنسزي، في رسالة إلى فرويد في 26 ك 1، 1912، بتصرف يونغ. لقد اتهمه بعدم تحمّل سلطة "أبوية" فوقه، وإهمال الأب، وإعطاء "العائلة الأخوية المسيحية" مكانة مهمة جداً: "قال لفرويد: لو كان عندك القدرة على التغلب عندك، ودون مرشد، وللمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، على المعارضة التي يبديها مجموع الجنس البشري نحو النتائج التحليلية، فإننا ننتظر منك القدرة الضرورية للتخلص نهائياً من أعراضك المرضية الصغيرة"، سيغموند فرويد وساندور فيرينسزي، مراسلات، 1908 -1940، ج 1، باريس، كالمان-ليفي، 1922، ص 470-473. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |