جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الفيروس القاتل ـــ يحيى سليمان قسام

خلال العامين السابقين /2000-2001/ اهتز الضمير العالمي ثلاث مرات ونصف!!.. في المرتين الأوليتين، كان اهتزازه تأثراً وتعاطفاً مع أوروبا، الأولى لجنون بقرها وهو يترنح بتأثير الفيروس، فأدمى الجنون قلوب الملايين، عندما رأت السكاكين تفتك بالقطعان، وعندما أدركت حجم الخسائر التي تصيب المربين!!. وعندما تتخيل شهوة الفقراء والمحرومين..!!. نعم... أتلفت اللحوم... وترنح الاقتصاد!!. واحتار مثقفو أوروبا وأنصار بيئتها و جمعيات الرفق بحيوانها كيف يحددون موقفهم!! فعقدت مناظرات مدهشة ومؤثرة بين من يريد أن تدفن الحيوانات حية إشفاقاً عليها!!... أو يدفنها ثم يحرقها!!.. أو يحرقها ثم يدفنها!!.‏

وراحت المخابر تعمل جاهدة لاكتشاف العقاقير التي تهدئ جنون البقر. وانطلق الاقتصاديون ورجال المال يبحثون في جداولهم ومصارفهم وأسواق مالهم عن الكيفية التي ستتم بها تعويض الخسائر..!‏

لكن الطبيعة لم تترك أوروبا وعلماءها ومثقفيها واقتصادييها وسياسييها يهدؤون حتى أصابتها بـ (قلاع) الغنم، فاهتز الضمير العالمي الشفاف والحساس مرة ثانية. اهتز لأن قطعان الغنم لم تعد قادرة على الثغاء بفعل فيروسي آخر.!!. وحبست أوروبا أنفاسها خوفاً وهلعاً، وتعاظمت الكارثة وكان السؤال:‏

هل الإصابات الفيروسية التي حلت في قطعان الأبقار والأغنام -وهما المصدر الأساس لإنتاج اللحوم- والتي تعتبر الغذاء الرئيسي لهذه المجتمعات، هل كانت بفيروس من إنتاج الطبيعة أم بفيروس من صنع الإنسان؟!...‏

في الواقع، تصعب الإجابة على هذا السؤال، فإطلاق الأحكام جزافاً أمر غير مقبول، خاصة، ونحن نعيش عصر التحقيقات الدقيقة، والمتابعات المستمرة، والمخابر المجهزة بكل تقنيات العصر والمنتشرة في كل مكان... لكن، وبالمصادفة شاهدت فلماً يعرض على إحدى الفضائيات. هذه المشاهدة فجرت التساؤل بعيداً عن البقر والغنم... هذا الغنم رصد تجربة لإنتاج عقار قاتل تمّ تطوير فيروسه في إحدى المركبات الفضائية التابعة لوكالة (ناسا). ويقول سيناريو الفلم. أن الفيروس أُعد من قبل شبكة من العلماء الأمريكيين بهدف إبادة سكان إحدى المدن الكبرى في أمريكا.‏

لكن قوة المخابرات المركزية، وإرادة رجالها، وتقنيات مخابرها وأجهزتها وصحوة ضمير أبطال أمريكا!!. منعت الكارثة، ودُمرت الطائرة الحاملة في الجو قبل أن تقصف مدن (ميرلاند)!!..‏

ومع ذلك نستطيع القول إننا شاهدنا فلماً... وقبله كنا نشاهد قطعاناً من البقر والغنم، وأظن، وظني صحيح أن مئات ملايين الفقراء في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية لم يسمعوا بجنون البقر، ولا بقلاع الغنم، ولم يشاهدوا هذا الفلم... ولكنهم تأثروا بشكل أو بآخر من خسارة ثلاثية الأبعاد، الغذاء والمال، والأمن... الغذاء مصدر الحياة... والمال مصدر الغذاء، والأمن مصدر الراحة والاستقرار والإبداع.. وهنا -وقبل أن ننتقل إلى المرة الثالثة ونصف الرابعة، لا بد من التساؤل كيف استطاع الإعلام الغربي أن يتابع حالة لكل بقرة تجن، ويحقق مع صاحبها، وصانع علفها.. وينشر الصور المأساوية لها وهي تترنح!!.. ولكل غنمة لم تعد قادرة على الثغاء... ويرتكز السؤال هل هذا الإعلام عفوياً.. أم موجهاً..!!...‏

وننتقل إلى المرة الثالثة التي اهتزَّ فيها الضمير العالمي لكن بشدة أكبر، وكان ذلك في /11 أيلول 2001/ اهتز وهو يرى الأبراج العملاقة تتهاوى في نيويورك ويتدمر معها رمز الاقتصاد العالمي، وتهتز حتى الجنون عقول الساسة الأمريكيين، لأن هيبتهم فقدت في عقر دارهم، يومها لم يستطع سياسي أو اقتصادي أو مسؤول إلاّ أن يدين أو يستنكر أو يشجب، لكن!! لم يهدأ غبار الركام المتساقط من الأبراج العملاقة، حتى انتشر وبحذر فيروس الجمرة الخبيثة، فيهتز الضمير العالمي لانتشاره نصف اهتزازة. فهذا الفيروس الخبيث. لم يكن قاتلاً... ولم يصب إلاّ بعض المكاتب المسؤولة في البيت الأبيض، والكونغرس، والبنتاغون... ومجلس اللوردات البريطاني و...!! وكان لا بد من ملاحقة الجمرة الخبيثة إلى عقر دارها إلى أفغانستان، إلى التلال والجبال والشعاب... إلى الأكواخ وبقايا البيوت التي لم تدمرها الحروب بين الدول... واقتنع العالم سياسياً وإعلامياً واقتصادياً بأن الجمرة الخبيثة، تنطلق من تقنيات أفغانستان!!... ولذلك يجب أن تدمر قاعدة هذه التقنيات... أو... تدمر القاعدة.. فدمرت...‏

أيضاً... منع الإعلام الغربي والعالمي... من البحث عن الحقيقة، فالحقيقة تأتيه جاهزة معلّبة معدة... جاهزة للعرض!!... وهنا لا يجوز الدعوة إلى الخمول الصحفي أو إلى اللا ديمقراطية، بل لا يجوز (أن يترك الحبل على الغارب)، والدعوة هنا لا تقدم في المسألة ولا تؤخر، بل يجب الدعوة وبصوت عالي حتى الصراخ.. إلى الاستفادة من تجارب الشعوب وهي تحمي قطعانها، ومجتمعاتها وتدافع عن أمنها داخل حدودها وخارجها. ولا بد من التساؤل: لماذا منع هذا الإعلام الغربي عن متابعة جنون أمهات أطفال فلسطين وهن يرين فلذات أكبادهن -أطفالاً وشباباً- يقتلون أمام أعينهن بنار الرصاص. ويسحقون بسلاسل الدبابات، ويستشهدون تحت أنقاض البيوت. لماذا لم يتحرك هذا الضمير وعلى مدى المأساة العربية في فلسطين، حيث يقتل الأطفال ويحرمون من الغذاء والأمن!!. وكأنّ هذا الإعلام لم ير أطفال العراق يموتون بنار الحصار، ونار التهديد، تساؤل... وتساؤل..!! لكن!. لا بد من العودة إلى العقل الواقعي، ليتنبه الضمير العربي، فلا يجب أن ينظر إلى مأساته مزوّراً متجاهلاً مسؤولياته، ويتنبه حتى لا يغرق في لا مبالاته. أمام الفيروس القاتل!!..‏

دعوة إلى الأطباء... أطباء السياسة العربية، أطباء الأدب العربي.. أطباء الاقتصاد العربي، أطباء الخنادق العربية، أطباء الحقوق العربية... كل الأطباء في كل العلوم التي تقوي الإرادة وتحصن الكرامة. دعوة لهم للبحث عن الفيروس الذي يخرب خلايا أطفالنا من فلسطين والعراق والجولان وجنوب لبنان...‏

دعوة مترافقة بتنبيه بأن الفيروس الذي يقتل أطفال فلسطين وشبابها ويهاجم الثقافة العربية، والكرامة، هذا الفيروس، محصن ضد الحجارة، وضد وصول الأمم المتحدة، ووصفات مجلس الأمن، وقرارات الجامعة العربية وقمعها وضد إدانات المؤتمرات الإسلامية ومؤسساتها. محصن جيداً، وحصانته هذه اكتسبها عبر سنوات التجربة والمحنة بدءاً من النكبة، والنكسة، والغزو... والقمع في عناقيد الغضب والتدمير في السور الواقي..!!..‏

هذا الفيروس الفتاك، محصن ضد كل كلمات السب والشتم، ويرتدي ثوباً من الذهب اللماع، وبالتالي فإن بريقه يخدع، ويعكس كل كلمة ويردها إلى مصدرها، ولقد أثبتت التجربة أنه خدع العالم، وهزّ ضمير الساسة وهم يرون حجراً يسقط على دبابة!!... وكان لا بد من إسكات النبض في قاذف الحجر، فجهزت الطائرات لترمي الضحية، والصاروخ ليخنق أنّة الجرحى... ورغم ذلك بقيت النبضة والصيحة والأنّة... والحجر.. بقوا يمثلون قمة الاعتداء على الطائرة والصاروخ والحوامة... والاستيطان.!!... على الفيروس المحصن.. وللرعاية الدائمة لهذا الفيروس صنعت في الغرب العدسات والتلسكوبات لترصده وترعاه.‏

وبما أن عدساتنا -نحن العرب- مستوردة من الغرب، فلقد أصبحنا نرى بعدساتهم ونرصد من مراصدهم وبمناظيرهم. وليس بنظرنا وبصيرة عقولنا!!.. ولذلك تشكلت في أعماقنا الحيرة بين قناعة عقولنا، ورؤية عيوننا، قناعة كادت أن تسكن قلوبنا النازفة، ووجودنا المهدد، وأوقعتنا في حيرة تجبرنا إلى العودة إلى القراءة المتفهمة لما كتبه أدباؤنا ورصده مؤرخونا. وهم يروون ويحكون كيف فتك الفيروس بشعب فلسطين، وكيف هبط على قانا وماذا فعل في ديرياسين وبحر البقر وكفر قاسم وداعل... وكيف وطأ جنوب لبنان ثلاثاً وعشرين سنة. وكيف استوطن في الجولان والضفة وكل فلسطين... وكيف ينظر إلينا ويبتسم ساخراً وهو يدنس المقدسات في الأقصى وكنيسة المهد وكيف فعل ما فعله في /نيسان وأيار 2002/ ثم راحت عدسات إعلامه تصورنا كقتلة وإرهابيين حتى ونحن نموت جوعاً وألماً وحصاراً..!! ونحن ننظر إليه أيضاً ونبتسم معجبين من قدرته على صنع تقنيات الاقتحام والتدمير والقتل والتكسير.!!‏

ثم نقرأ في الصحف... ونردد حتى التصديق بأن ما تمّ، وما يمكن أن يتم إنما هو في صالح الإنسان العربي ليعيش في سلام، أو لينعم بالسلام!!...‏

أمام كل ذلك لا بد من إطلاق تحذير يشبه الدعوة، تحذير موجه إلى الإنسان العربي، أينما كان في المعمل والحقل والخندق والمدرسة والجامعة.. تحذير موجه إلى عقله وضميره... أن، احذر هذا الفيروس أن يدخل ثقافتك كما دخل ثقافة العالم فشوهها، وحصّن اقتصاد بيتك وجيبك قبل أن يسرق مالك أكثر مما يسرقه الآن!!.‏

أيها العرب... أينما كنتم، انظروا إلى وجودكم المؤرق. وليكن حصنكم وعيكم، ورؤيتكم بصيرتكم، وأقلامكم خناجركم ومدادكم دمكم... تنبهوا أنّ الأمة على حافة الانهيار، وليكن وعيكم صدىً قوياً وفاعلاً لعمق الرؤية الذاتية والألم الذي أدركه الشريف الرضي فنبه قائلاً:‏

نبهتهم مثل عوالي الرماح إلى الوغى قبل حلول الصباح‏

فاستجاب له إبراهيم اليازجي وأطلق النداء في عصر آخر... وزمن آخر، وأمام خطر آخر وكأن الصدى ما زال يتردد:‏

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فلقد طما الخطب حتى غاصت الركب‏

أيها العرب، الركب غاصت، والهامات تمزقت، ونحن ننظر إلى بعضنا بين شامت وساخر ومناكد ومستهتر. فانخفضت القدرة على الفعل، كبلت يد، وفتح القيد ليكبل الأخرى... ،نصبت محفة الإعدام... فتحت زجاجات عطر الغاز، أو الغاز المعطر... خلط السم بالعسل... وجهزت المائدة... والقطيع يساق...‏

أيها الطبيب العربي.. أرني مبضعك، وشمر عن ساعديك... فلقد بدأ وقت الجد... بل، أوغلنا في وقت الجد... فاعمل للحد من خطر الفيروس... ثم اعمل للقضاء عليه!!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244