|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لا إكراه في الإسلام ـــ زبير سلطان كثيرة هذه الأيام كتابات في الغرب والشرق تتناول الدين الإسلامي عقيدة وتاريخاً، فمنها من يكتب بموضوعية أو بحيادية عن الإسلام، ويبينه بالشكل الصحيح كما أنزل على الرسول محمد (، وغالبية من كتاب الغرب واليهود من يفتري عليه، فيزور الحقائق التي يرتكز عليها الدين الإسلامي، فيحاول تصويره بأنه يحمل في طياته الجهل والتخلف والرعب والإرهاب، وآخرون من المسلمين من يكتب مغالياً، فيقدم الإسلام مشوهاً، وهذا ما يخدم أعداء الإسلام. وقد كثرت تلك الكتابات العدائية في الغرب خاصة بعد أحداث أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، ومباشرة الحرب الأمريكية الصهيونية على العرب والمسلمين، وإطلاق التهديدات على دول عربية وإسلامية تحت تسمية مبتدعة "محاور الشر" من قبل الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، حيث يتم تقديم الإسلام من خلال هذه الكتابات مستودعاً لتفريخ الإرهاب في العالم. ويصور بأنه يرفض بقية الأديان ويحاربها لمجرد اختلافها وتباينها معه، وأنه لا يقبل للإنسان مهما كان إلا أن يتبع الدين الإسلامي. كما يتم تصوير التاريخ من خلال تزويره بأنه حافل بالحروب التي تكره الناس وتجبرهم على اعتناق الإسلام، فتزور الحقائق من خلال بتر الحقيقة التاريخية، واقتطاع منها ما يناسب مؤامرة التشويه، ليتم تقديمها للرأي العام الغربي، ومع الأسف الشديد تتم الاستفادة من طروحات الغلاة والمتطرفين من المسلمين. مع العلم أن الإسلام قدم للعالم حضارة إنسانية، أنتجت كماً هائلاً من العلوم والمعارف، لا تزال الإنسانية تستفيد منها، وتتعلم مما تركت في كافة مجالات المعرفة. وبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كانت الحضارة الإسلامية المنارة شبه الوحيدة في القرون الوسطى حين كان الظلام يسود العالم. ومحاولات تشويه الإسلام ومرتكزاته وأفكاره ومعتقداته وتوجهاته وسلوكياته ليست بالأمر الجديد، بل هي منذ اليوم الأول الذي صدع بها في مكة المكرمة. ففي الأيام الأولى للدعوة الإسلامية حاول كفار قريش تشويه تلك الدعوة ومصادرها، وخلق الأكاذيب التلفيقية على رسولها عليه الصلاة والسلام. واستمرت الحملات العدائية والافتراءات وتزوير الحقائق ضد الإسلام إلى يومنا هذا، وستبقى إلى قيام الساعة. فقد ادعى عدد من المستشرقين وكتاب التاريخ، أن الإسلام انتشر بحدّ السيف وبالإكراه، واستطاعت هذه الأكذوبة أن تنتشر في العديد من كتب التاريخ والبحوث الفكرية، بغية تشويه حقيقة الدعوة الإسلامية التي تخاطب العقل والقلب قبل الجوارح. كما أنه أمر تكذبه مصادر الدعوة الإسلامية نفسها، ويأتي على رأسها القرآن الكريم والذي هو أهم مرجع وأساس المراجع. فمن يطلع على عدد من الآيات الكريمة، يجد أن الله عز وجل قد رفض رفضاً مطلقاً إكراه الناس وإجبارهم على اعتناق الدين الإسلامي. وقد قال عز وجل: (لا إكراه في الدّين لقد تبين الرشد من الغيّ...) (البقرة -256). والآية هنا واضحة على رفض الإجبار والإكراه على الدخول في الدّين الإسلامي. فالإسلام يرى في الاختيار الإرادي البعيد عن أي شكل من أشكال القسر والقهر والضغط، هو السلوك السويّ للدعوة وأساسها الذي انطلقت منه. فالإسلام واضح وضوح الشمس في معتقداته وأفكاره ومعاملاته وعباداته، وليس لديه أسرار كهنوتية كبقية الأديان والمعتقدات الأخرى، التي لا يطلع عليها إلا الخاصة من رجال الدين، بل هو كتاب مفتوح، يراه عامة الناس وخاصتهم، ولا يمتلك رجل الدين المسلم معلومات عن الإسلام، أكثر من المسلم العادي إلا بما اطلع عليه من كتب، وبما درس من العقيدة الإسلامية، واجتهد فيها، وما حفظ من كتب الفقه والحديث والسيرة وغيرها أكثر من المسلم العادي. والإسلام الذي أدرك أن الإكراه على معتقد ما، سيكون ظاهرياً، لا يدخل إلى القلب والعقل والجوارح، بل سيكون فقط في اللسان نتيجة لخوف، أو اتقاء لشر يصيبه أو يصيب عائلته وقومه. فألح الإسلام على الاختيار الحرّ الإرادي، وعن اقتناع كليّ يصدر عن العقل والقلب والجوارح، خاصة بعد أن تبين للإنسان النور والظلام وكما قال تعالى في سورة البقرة: "قد تبين الرشد من الغيّ". فالإسلام الذي آمن بوحدانية الخالق عز وجل، ورفض عبادة الطاغوت والأصنام، ووضع الشرائع التوحيدية، قدم للإنسانية أعظم المبادئ السامية، والقيّم الأخلاقية العالية, والسلوكيات الرفيعة، التي تلقي عن الإنسان أغلال الجهل والضياع والخوف، وتضعه على جادة النور والأمان والطمأنينة، وقدم للمجتمع الإنساني أفضل القوانين والسلوكيات التي تشعره بالأمن الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي. لهذا دعا الإنسان أياً كان، أن يختار بحرية مطلقة بين الحق والباطل، وبين النور والظلام، وبين الخير والفساد، وبين الراحة النفسية والعقد والمتاعب. قال تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عميّ فعليها وما أنا عليكم بحفيظ)(الأنعام -104). فقد أظهر الله عز وجل الحقيقة الكاملة سواء في علم الكون والخلق والبداية والنهاية، والطريق المستقيم الذي يوصل الإنسان إلى بر الأمان في الدنيا والآخرة، ووضعها بين يدي الإنسان في القرآن والسنة، عند ذاك طلب منه أن يختار، فإذا اختار النور فلنفسه، وبه يصل إلى طريق النجاة، أما إن عمي عنها وتعامى، ووصل إلى حافة الهاوية، فتلك نتيجة لاختياره الإرادي. ورفض الحق عز وجل أن يكره مخلوق مهما كانت الأسباب على اعتناق الإسلام، ودعا أنبياءه جميعاً على عدم إكراه الناس على اعتناق الدين ومنهم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وآله، فلو شاء عز وجل لجعل الناس على دين واحد، وأن يفرض عليهم الإيمان بوحدانيته، وبهذا يقول عز وجل: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (99-يونس). وهذا مثال واضح على رفض الإكراه، أو استخدام القوة للدخول في الإسلام. وبين الله عز وجل أن الإسلام لا يتضرر من عدم دخول كافة الناس في الإسلام، لأن أساس الدخول في الدين كما قلنا من خلال الاختيار العقلي والقلبي للإنسان في اعتناق العقيدة الإسلامية، لهذا اعتبر القرآن الكريم من أسلم، فهو أسلم لنفسه، ومن امتنع عن الدخول في الإسلام، فهو لن يضر الدين من شيء. فلا يضر الشمس أسراب الجراد حين تغطيها، فهي مشرقة دائماً، في حين تكون تغطية الجراد لفترة زمنية قصيرة، وعلى أرض محدودة. وكذلك الإسلام لا يضره من لم يؤمن به، لهذا لا يجبر أحداً على اعتناقه. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون) (105-المائدة). لهذا جاءت الدعوة للإسلام من اختيار شخصي غير مكره بأي صورة من الصور، بعد أن تبين النور من الظلام، والهدى من الضلال، فقال تعالى مخاطباً رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن صلّ فإنما يضلّ عليها وما أنا عليكم بوكيل) (108-يونس). لهذا ترك حرية الاختيار للإنسان، وجعل لكل اختيار نتيجة، وبينها للناس، فمن اختار طريق الهدى وصل إلى السلامة المعنوية في الدنيا، والجنة في الآخرة، ومن اختار طريق الضلال والشهوات والظلم لنفسه ولمجتمعه، فإنها عاقبة سيئة في الدنيا وعذاب في الآخرة. وأكدت الآيات الكريمة في القرآن الكريم عدم تحمل أحد آثام غيره، فكل واحد مسؤول عن نفسه فقط، فلا يؤثم ولد بإثم أبيه ولا العكس، ولا أم عن ابنها أو بالعكس. وكذلك عدم المحاسبة للإنسان الذي لم يبلغ برسالة الإسلام فقال تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء- 15). ورفض الإسلام إلزام الناس على اتباعه، وهي سنة إلهية منذ بدء دعوات التوحيد، التي سبقت الإسلام بآلاف السنين فجاء في القرآن الكريم على لسان نوح عليه السلام قوله لقومه: (قل يا قومِ أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وأتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزِمُكمُوها وأنتم لها كارهون) (هود- 110). وكثيرة هي الآيات الكريمة، التي وردت في القرآن الكريم تحض على عدم الإكراه، وترك حرية الاختيار للإنسان، وهذا ما يدحض افتراءات كثير من المستشرقين وكتاب التاريخ، بأن الإسلام انتشر بالقوة وبحد السيف والإكراه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |