جريدة الاسبوع الادبي العدد 825 تاريخ 21/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

العدالة الدائمة؟! ـــ محمد راتب الحلاق

مضى عام كامل على أحداث نيويورك وواشنطن، ولا أحد في الغرب يريد أن يعّرف الإرهاب، لأن ذلك سيضع ضوابط، ويقترح إجراءات، قد لا تخدم السياسات الغربية، لا سيما الأميركية؛ ويعرقل تحقيق أهدافها، المعلنة وغير المعلنة؛ ويحول دون التلاعب بالمفاهيم بما يخدم المصالح الأميركية، المتغيرة والمتبدلة بطبيعتها... والتي تنظر بعين حولاء... فالإرهاب هو ما تراه الولايات المتحدة إرهاباً، حتى وإن كان نضالاً مشروعاً في سبيل التحرر والاستقلال، بغض النظر عن آراء الآخرين، بل بغض النظر عن بعض مواقفها السابقة... ولا يتورع رئيسها عن الإعلان بصراحة فجة: "إن كل من ليس معنا فهو مع الإرهاب".‏

وهكذا تضع الولايات المتحدة كل من يؤيد سياساتها في سلة الإرهاب، وترفض أن يكون العالم من هو ليس مع أمريكا وليس مع الإرهاب في آن معاً، مستغلة تعاطف الشعوب مع (الأبرياء) من ضحايا نيويورك وواشنطن، دون أن تنتبه إلى أن هذا التعاطف الإنساني لا يعني تقديم المبررات للجنون المنفلت من أية ضوابط، والذي تمارسه الإدارة الأميركية، المسلحة بأفتك أدوات القتل والتدمير، ضد الشعوب المستضعفة.‏

وإذا افترضنا جدلاً أن الإرهاب شر يقترفه بعض الأفراد المأزومين والمحبطين (وهو كذلك حين يكون إرهاباً حقاً)، فإن ذلك لا يعطي المبرر والشرعية لأن تنجّر الدول والإدارات إلى اقتراف الآثام، والانزلاق، في لحظة واحدة، إلى السلوك البدائي والهمجي، والتخلي عن المنجزات الديمقراطية والسياسية والأخلاقية... التي كانت تتباهى بها حتى الأمس القريب، من خلال رفع شعارات حقوق الإنسان.... والديمقراطية... وسيادة القانون..... فإذا بها تبيعها في سوق مصالحها (على عينك يا تاجر)، تاركة كل من كان يصدقها ويراهن على دعمها في حيص بيص من أمره (اللهم لا شماتة).‏

القضاء على الإرهاب لا يكون بالإرهاب المضاد؟!! ولا يكون بالقوة والعنف والتدمير والقتل... والذي لن يولّد إلا عنفاً وتدميراً وقتلاً، في دورة جهنمية لا نهاية لها... الحل للخروج من هذه الدوامة يكون بالعدالة، وبمراجعة السياسات الخاطئة والظالمة، التي ولدّت الحقد والكراهية للإدارات الأميركية المتعاقبة.‏

إن ما تمارسه الولايات المتحدة تحت شعار القضاء على الإرهاب هو الإرهاب بعينه وقد تسلح بآخر مبتكرات التكنولوجيا من أسلحة الفتك والتدمير... أما الحكومات التي اصطفت وراءها فإنما فعلت ذلك في لحظة خوف من الهياج الأميركي... ولكن ما إن يبدأ هذا الهياج بالتلاشي حتى تعود كل دولة إلى مصالحها الخاصة، باستثناء الحكومات العميلة.. والمرتبطة.. والمحمية.. بطبيعة الحال.‏

أعود إلى قضية تعريف الإرهاب لأقول إن ذلك أصبح ضرورة أخلاقية وحضارية وسياسية... تهم الإنسانية جمعاء، لأن الإرهاب، الذي يستحق اسم الإرهاب حقاً، خطر يهدد الشعوب، ويحرمها نعمة الأمن والسلام... وتعريف الإرهاب سيساعد في التمييز بين الإرهابيين وبين المقاومين والمناضلين الذين يدافعون عن الحق والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، والتمييز بين محترفي الإجرام والسلب والنهب، من المافيات متعددة الأسماء والأهداف، وبين أصحاب القضايا الوطنية، والاجتماعية العادلة بين الذين ترزح أوطانهم تحت نير الاحتلال... وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة التي تعطي لنفسها وحدها الحق في وضع من تشاء، ساعة تشاء، في خانة الإرهاب، وفي مد حمايتها السياسية والإعلامية لتشمل من تشاء من الإرهابيين الحقيقيين، وتصورهم في صورة الأبطال والمدافعين عن الحضارة (حتى وإن كانوا من عيار مجرم الحرب شارون)، لأن أهدافهم تتناغم مع المصلحة الأميركية وتخدمها... فالإرهابيون في العرف الأميركي هم من ليسوا مع أميركا، مهما كانت قضيتهم عادلة (ومن ليس معنا فهو ضدنا، والخيّرون من يلبون مصالحنا).‏

والملاحظ أن نظرة الولايات المتحدة للإرهاب ليست مبدئية ولا دائمة، وإنما تتبدل المصالح.. وهذا سبب جوهري لنفورها من تعريف الإرهاب، لأنها لا تريد محاربة الإرهاب، وإنما تريد محاربة أعدائها، وأعداء مصالحها المتبدلة والمتغيرة، وتريد من العالم أجمع أن يحاربهم معها.‏

فالشخص نفسه يقدمه الإعلام الأميركي كمثال للخير وللنضال من أجل الحرية...ثم فجأة يصبح شيطاناً رجيماً ونتيجة تبدل المصالح).. فهذا (بينوشيه) دكتاتور تشيلي الرهيب، الذي انقض على الحكم الوطني الديمقراطي في بلاده (بعد انتخابات حرة ونزيهة) بمباركة ودعم من الإدارة الأميركية، والمفارقة المضحكة المبكية أن ذلك حدث يوم الحادي عشر من أيلول بالذات؟ قبل ثمانية وعشرين عاماً من أحداث نيويورك وواشنطن. ولم يكتف (كيسنجر) بتأييد هذا الإرهاب السياسي، والمجزرة الدموية التي رافقته، والتي استمرت بعد ذلك، وإنما يتهم الشعب التشيلي بالغباء السياسي حين قال: "لا أدري لماذا يتوجب أن نكتفي بالوقوف، ومراقبة بلد ينحدر إلى الشيوعية، بسبب لا مسؤولية شعبه"‏

كان يجسد الخير، ويستحق الدعم اللامحدود، أيام الحرب العالمية الثانية، ثم أصبح بعد ذلك زعيماً لإمبراطورية الشر. وابن لادن وجماعته كانوا من أبرز المقاتلين من أجل الحرية، "والمعادل الأخلاقي لجيل الرواد، الذين أسسوا الولايات المتحدة الأميركية" على حد تعبير الرئيس الأميركي الأسبق (رونالد ريغان).. أما اليوم فهم تلامذة الشيطان، ويستحق رأس زعيمهم كل هذه الحرب المجنونة.‏

إن أفظع أنواع الإرهاب ما تمارسه الدول القوية ضد شعوب العالم... إنه الطغيان بعينه وقد ارتدى لبوس (العدالة الدائمة) زوراً وبهتاناً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244