جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

شارون يطلق رصاصة الرحمة على أوسلو ـــ توفيق المديني

ما ان صرح رئيس الوزراء الصهيوني آرييل شارون لصحيفة معاريف الصهيونية أن اتفاقية أوسلو وملحقاتها لم تعد موجودة، وأنها مجرد حبر على ورق، حتى بدأ في تنفيذ مخططه الإجرامي الرامي إلى تقطيع أوصال قطاع غزة، في الوقت الذي ينتشر فيه حوالي 75 ألف جندي صهيوني بدباباتهم وأسلحتهم الثقيلة في الضفة الغربية، يقتلون ويدمرون، ويمشطون المدن الفلسطينية المعلن استقلالها حسب اتفاقية أوسلو، ويدمرون البنى التحتية للسلطة الفلسطينية، ويسحقون المخيمات بمن فيها، هذه المخيمات التي تنتظر العدالة منذ أكثر من خمسين عاماً ما تظهر الآن مشاهد أنقاضها في المحطات التلفزيونية، بقايا مبان منهارة، بيوت تحولت إلى ساحات حرب وخراب، شهداء يومياً، فما هي فلسطين الآن؟‏

ولم يكن هذا الموقف الصهيوني مفاجئاً في شيء، فخلال الخمسين عاماً الماضية وطد الكيان الصهيوني نظاماً استعمارياً استيطانياً قاسياً بسبب الابتزاز والجرائم وتدمير المساكن والثقافة حتى الأشجار لم تسلم من العدوان. لذلك استفاق الشعب الفلسطيني في انتفاضته الأولى عام 1987 والتي كبح جماحها اتفاق أوسلو عام 1993، وبدعم أمريكي مقلق يتم العمل بالمشروع الصهيوني الشاروني الذي يقوم على سياسة إلغاء الشعب الفلسطيني، ومبدأ التهجير والترانسفير دون سابق إنذار. وتجلى ذلك بالسياسة القمعية ضد الفلسطينيين مما ولد الانتفاضة الثانية في 20 أيلول 2000، وبدأ معها الغضب العارم بالتصاعد، ومن ثم حرب شارون والمجازر الوحشية التي ارتكبها الجيش الصهيوني ولا يزال.‏

وبعد توقيع اتفاق أوسلو، وبروز نذر تبلور الكيان الفلسطيني، كانت السلطة الفلسطينية تنظر إلى هذا الاتفاق بأنه مفتاح بناء الدولة الفلسطينية المستقلة. غير أن كل ما كان يقصده الصهاينة في ذلك الوقت هو إخلاء بعض المناطق الفلسطينية المحتلة، كما يديرها هذه السلطة بالوكالة، فيما يبقى الكيان الصهيوني الطرف المهيمن الذي يقرر كل خطوة ثالثة. واستمرت هذه السياسة عملياً. فقد ثبت أن فكرة التدرج نحو بناء الدولة الفلسطينية المستقلة، وفض التبعية الفلسطينية رغبة في إعلان الدولة والاستقلال من طرف واحد، انذر الكيان الصهيوني بأن هذا الإعلان، لن يكون فاعلاً على الإطلاق، وسوف يعتبره خطوة أحادية لا قيمة لها في إجبار الكيان الصهيوني على تغيير مستوى تحكمه في عناصر هذه الدولة وكل ما يمكن أن يمنحها صدقية عملية. وجراء هذا التهديد الصهيوني أرجأ الطرف الفلسطيني و المعارض إعلان الدولة (أو تجسيد الدولة بالأصح) لأكثر من مرة.‏

وهذا جعل مسيرة الحكم الذاتي الفلسطيني تنتقل من إخفاق إلى آخر، لأن اتفاقيات أوسلو لم تكن عقد قران بين زوجين متكافئين في الحقوق والواجبات، وإنما كانت تسوية بين محتل صهيوني وخاضع فلسطين للاحتلال. وقد أراد المحتل أن يفرض في كل مرحلة، وبدعم من الولايات المتحدة، وجهة نظر من جانب واحد. وكانت أغلبية الصهاينة يرون في رفض عرفات "العرض السخي" الذي طرح في قمة كامب ديفيد في تموز /يوليو عام 2000، قد "كشف عن وجهه الحقيقي"، بحسب تعبير إيهود باراك، وعندما أيدها سائر الشعب الفلسطيني فهم إنما أكدوا رغبتهم الدفينة في تدمير الكيان الصهيوني.‏

ولم تكن مفاوضات كامب ديفيد الثانية تشكل عرضاً سخياً، بل كان عرضاً صهيونياً يعكس نظرة السلام الذي يفرضه الأقوى على الأضعف. فهو ليس السلام الملتزم بالقانون الدولي، الذي يفرض على الكيان الصهيوني الانسحاب من جميع الأراضي التي احتلت يوم 1967 دون قيد أو شرط، وتفكيك جميع المستوطنات ومن ضمنها تلك القائمة في القدس الشرقية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين طبقاً للقرار 194.‏

فالكيان الفلسطيني الذي سلم به باراك لم يعط سوى سجادة محدودة، إذ تبقى حياة الشعب الفلسطيني مرتهنة لسلطات الاحتلال الصهيوني، وكان من المطروح أن يضم إلى الكيان الصهيوني 9.5 في المئة من مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى 10 في المئة من الأراضي الواقعة، على طول نهر الأردن يستأجرها الكيان الصهيوني لفترة طويلة الأمد. وقد قسمت الضفة إلى ثلاثة أجزاء تفصل بينها كتلتان ضخمتان من المستوطنات، ويحتفظ الكيان الصهيوني بالرقابة على الحدود الخارجية لما يسمى الدولة الفلسطينية. ولم يقترح أي حل لقضية اللاجئين، وجاءت الاقتراحات الصهيونية في كامب ديفيد الثانية تؤكد أن الكيان الصهيوني لم يتخل عن فكرة إخضاع الشعب الفلسطيني، كما أن عملية بناء المستوطنات على الأرض كانت مستمرة بلا رحمة.‏

إذا تأملنا جوهر الرؤية الصهيونية لإنشاء كيان فلسطيني، مهما كان شكله، وجدنا أنها تدور حول فكرة التبعية المطلقة، فإنشاء كيان فلسطيني ضعيف وتابع للكيان الصهيوني فكرة راودت شطراً من النخبة الحاكمة الصهيونية منذ وقت مبكر ففي 23 سبتمبر 1948، أشار موش شرتوك (شاريت) وزير الخارجية الصهيونية أمام مجلس الدولة المؤقت، إلا أنه وزملاءه في الخارجية يفضلون من حيث المبدأ قيام حكومة فلسطينية في الجزء العربي من فلسطين على الاندماج في الأردن. فمثل هذه الحكومة ستكون معتمدة على "إسرائيل". وسوف تصون وحدة عرب فلسطين كما ستكون حافظاً ضد أي اختراق عربي. أما الالتحاق بالأردن فإنه ينطوي على مخاطر الاندماج العراقي الأردني، فيما ينشئ جاراً قوياً "لإسرائيل".‏

فالكيان الصهيوني المراد إنشاؤه في أحسن الفروض والعروض الصهيونية، سوف يكون، أو يجب أن يكون منزوع السلاح، وبلا جيش، لديه فقط قوة شرطة لحفظ الأمن الصهيوني، ولا يمكنه الاستعانة بالعرب، ولا يمكنه تهديد السلامة الإقليمية للكيان الصهيوني. كما لا يمكنه الاتفاق على إجراء مقاطعة اقتصادية أو عقد اتفاق يتعارض مع أمن الكيان الصهيوني.‏

وقد رفض الشعب الفلسطيني هذه العروض الصهيونية حول الدولة الفلسطينية، وجاءت شرارة الانفجار من اللعبة الانتخابية الصهيونية. ففي 28 أيلول /سبتمبر عام 2000 أصر شارون على زيارة ساحة المسجد الأقصى في القدس بطريقة استفزازية. وبذلك انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية وعندما انتخب شارون رئيساً للوزراء في الكيان الصهيوني في فبراير /شباط 2001، كانت استراتيجيته تتمثل في كسر إرادة المقاومة، وفرض التسوية الاستسلامية على الشعب الفلسطيني، والتوسع في استخدام آلة الحرب الصهيونية المتخمة بأحدث منتجات تكنولوجيا السلاح الأمريكي في ضرب البنى التحتية ومقار السلطة.‏

وبالمقابل كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية تدرك بوضوح ما تمثله استراتيجية شارون ومعادلاتها من أبعاد، لذا قررت إسقاط هذه المعادلة مهما دفعت من ثمن، لا سيما أن شارون استفاد كثيراً من أحداث 11 سبتمبر، ومن توجهات الإدارة الأمريكية الجمهورية التي تعاملت مع فكرة المقاومة المسلحة باعتبارها درباً من دروب "الإرهاب". ولقد أخذت الانتفاضة الفلسطينية الثانية شكلاً أكثر تأججاً، فتحولت إلى عمليات استشهادية تحدت الكيان الصهيوني وسياسته القمعية، والمسؤولية في ذلك تعود إلى السياسة المتبعة من قبل حكام الكيان الصهيوني على اختلاف أحزابهم. لقد قال شارون أن حرب الإبادة الصهيونية هذه ضد الشعب الفلسطيني قد تكون مرحلة أخيرة لحرب 1948. إنها في الواقع مرحلة أخيرة لمشروع أسس لزرع الكيان الصهيوني في فلسطين، وأراد إخفاء أهل هذه الأرض أو فنائهم وتدمير التراث الفني إسلامياً ومسيحياً. وتصف حنة أرندت هذا الاستعمار الصهيوني الاستيطاني بأنه مستوحى من أيديولوجية القرن التاسع عشر التي عملت بها الأمم الأوروبية المعروفة بعنصريتها العرقية.‏

إن مبدأ الصهاينة القائل بأنهم "شعب بلا أرض" دفعهم لبناء دولة الكيان الصهيوني فوق أرض أرادوها بلا شعب، وحتموا على الشعب الفلسطيني إما المجازر أو النفي والتشرد، هذه الدولة الصهيونية قائمة على التمييز العنصري، والتوسع والعدوان، ولقد بسط الصهاينة نفوذهم بمعزل عن الشعب الفلسطيني. وضمن المنظور الاستراتيجي الأمريكي الحالي للحرب الأمريكية على الإرهاب، والضربة العسكرية المرتقبة ضد العراق، قدمت الإدارة الأمريكية الجمهورية لشارون كل ما طلبه ومن شأنه إنجاح مخططه الإجرامي الفظيع، الذي هو بمنزلة إرهاب دولة. وفي إدارة بوش الحالية، لا أحد من طاقمه الحكومي يعتبر عرفات وأعضاء سلطته "شركاء"، بل إن الرئيس بوش أعطى لشارون فرصة كاملة كي يجهز على المقاومة الفلسطينية، ويجر الجانب الفلسطيني إلى مائدة مفاوضات تكون أقرب إلى إملاء شروط استسلام.فهل تعي السلطة الفلسطينية خطورة ذلك على مصير القضية الفلسطينية، الأمر الذي يدفعها إلى تجسيد قطيعة منهجية وسياسية مع أوسلو ويتبنى استراتيجية سياسية بديلة تنسجم مع خيار الشعب الفلسطيني في استمرار المقاومة كخيار استراتيجي؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244