جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

النزوح عن الكيان الصهيوني تحت وطأة الانتفاضة - ظاهرة ترعب الصهاينة!! ـــ مأمون كيوان

مرَّ عامان على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الباسلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبوصفها عملاً مقاوماً للعدو الصهيوني، فإنها أضرَّت بالركائز الأساسية للمشروع الصهيوني في فلسطين، وهو مشروع استيطاني إجلائي إحلالي يهدف إلى تهديد فلسطين أرضاً وشعباً وسوقاً. وتعتبر عملية تهجير يهود العالم إلى فلسطين أحد الركائز الأساسية لتجسيد هذا المشروع، بل هي حجر الزاوية فيه.‏

وكان من تأثيرات الانتفاضة على التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين تزايد معدلات الهجرة المعاكسة أو ما يسمى النزوح أو "يريداه" أي "الهبوط" من فلسطين - حسب التعبير الصهيوني - مقابل "عالياه" أي "الصعود" إلى "أرض الميعاد". وفي هذا الصدد ذكرت صحيفة "هآرتس" الصهيونية في ملحقها الصادر في 24/8/2001 أن الهجرة المعاكسة "تحولت في الشهور الماضية إلى موضوع البحث الأكثر سخونة في الكثير من البيوت، خصوصاً في صفوف الشباب خريجي الجيش والجامعات ممن هم في بداية طريقهم المهني والشخصي، والسباق على جوازات السفر، وتأشيرات العمل والعقارات في الخارج هو في ذروته الآن". كما أشارت الصحيفة ذاتها إلى وجود "رابطة تعاونية" تدعى "موندرغون" تعرض على الإسرائيليين اقتراحاً يستحيل رفضه" أن تدفع 4500 دولار وتنضم إلى الرابطة، وتحصل على ثلاثة دونمات من الأرض في دولة "فنواتو" التي تتكون من عدد من الجزر، وتقع في المحيط الهادئ، وكانت مستعمرة بريطانية - فرنسية حصلت على استقلالها عام 1980 ولا يزيد عدد سكانها عن 180 ألف نسمة". وهذه الأرض في نظر الإسرائيليين من أعضاء هذه الرابطة "أرض صعدت من الماء، من دون أفاع، ومن دون عقارب، ولا يوجد فيها شعبان يحارب بعضهما".‏

وشرح المستوطن الصهيوني عاموس ساهر، الذي يعمل كمرشد سياحي، البالغ من العمر 35 عاماً، مبررات عزمه على الهجرة وعائلته من الكيان الصهيوني، على موقع صحيفة "يديعوت أحرنوت" في 4/6/2001 انطلاقاً من رؤيته الإيجابية للذين يغادرون وينزحون عن الكيان الصهيوني وقوله: "هناك من أصبحوا يدركون ذلك، هم يخرجون من هنا متوجهين إلى أماكن أكثر عقلانية، هذا اختيارهم للحياة وليس الموت. هم الطبيعيون العقلاء لا نحن، هم يفضلون أن يبقى الأعزّاء على قلوبهم أحياء. وأن لا يفقدوا حيواتهم.." أنا من الجيل الثامن في البلاد، مع جذور أسرية عميقة في يهود الخليل الذين شهدوا أحداث مذبحة العشرينات والبلدة القديمة في القدس والحي اليهودي القديم في صفد. قد أصبحت في طريقي إلى هناك، ذلك لأنني مللت ولأن الحياة أهم لي من أن ألقي بنفسي إلى الجحيم. وذلك لأن من الحماقة الموت بلا جدوى، ومن دون أن نحقق هدف وجودنا: أن نكون سعداء".‏

وكان لافتاً أن ظاهرة النزوح شملت ما يسمى "أبناء النخبة الإسرائيلية"، إذ لاحظ يوسي بيلين، عضو كنيست عن حزب العمل، "أن كثيراً من زملائه في الجيش والدراسة من أعضاء النخبة الذين بلغوا الخمسين من العمر لا يمانعون في رحيل أبنائهم عن إسرائيل. وأن كثيراً من أبناء رجال النخبة يمكثون بالفعل في الخارج لفترات طويلة - أي أنهم نازحون عن إسرائيل، ولكنهم يدّعون غير ذلك - وأن آباءهم لا يعدون لهم بلاداً جيدة ليعودوا إليها". وأوضح بيلين أن "سياسة شارون وغيره من الوزراء ستؤدي إلى أن يبدأ كل من هو قريب منا بالتفكير في الرحيل".‏

ونشرت صحيفة "معاريف" في 28/1/2002 قائمة بأبرز الشخصيات البارزة في "النخبة الإسرائيلية" التي يعيش أبناؤها في الخارج، وهم: أ-الوزراء بنيامين بن إليعيزر ودان ميريدور، وروني ميلو، ومتان فلنائي. ب-أعضاء الكنيست، أمنون روبنشتاين، وميخائيل نودلمان، وموشيه أرنس، وإيهود باراك.‏

ووفق التقسيمات السياسية الصهيونية الشائعة مثل: اليمين واليسار أشار باستطلاع نشرته صحيفة "معاريف" في شهر حزيران 2002 إلى أن نسبة من فكروا في الهجرة هي أعلى في صفوف "اليساريين" منها في صفوف مؤيدي اليمين الصهيوني إذ قال 47% ممن يصنفون أنفسهم "يساريين" أنهم فكروا في الهجرة، فيما قال 36% من رجال "اليمين" أنهم فكروا بذلك.‏

واستناداً إلى تصنيف: علماني ومتدين أشار الاستطلاع ذاته إلى أن واحداً من كل من اثنين من الإسرائيليين العلمانيين يفكر في الهجرة من إسرائيل أو يعرف أشخاصاً يفكرون بالهجرة. وعموماً وحسب الاستطلاع ذاته الذي أجراه المجلس الصهيوني في إسرائيل رد 40% من الإسرائيليين بالإيجاب على سؤال مفاده: هل فكرت في الهجرة من إسرائيل أو تعرف شخصاً فكر في الهجرة؟ ورد 60% على هذا السؤال بالنفي. وقال 47% من "العلمانيين" أنهم فكروا في الهجرة مقابل 53% ردوا بالسلب. وفي صفوف "المتدينين" أجاب 23% فقط بأنهم فكروا في الهجرة.‏

وفي سياق الاستطلاعات والتوقعات أيضاً أشار خبير في القضايا الديموغرافية في الكيان الصهيوني هو البروفيسور سيرجيو دولافرجولا إلى أن نسبة هجرة اليهود من إسرائيل عام 2002 ستكون سلبية وأكبر من نسبة القادمين، وأنه حتى نهاية العام 2002 سيغادر إسرائيل حوالي 15 ألف يهودي، وذلك استناداً إلى تردي الوضع الاقتصادي في إسرائيل جرَّاء الانتفاضة الفلسطينية.‏

وكان من أبرز تجليات تبلور ظاهرة النزوح ما ذكرته مجلة "يدر شبيغل" الألمانية في عددها الصادر في 17/6/2002، من أن عدد الإسرائيليين الذين يطلبون الجنسية الألمانية ارتفع إلى حد كبير منذ اندلاع الانتفاضة في أيلول 2000. وحسب أرقام السفارة الألمانية في تل أبيب التي استندت إليها المجلة المذكورة فإن 498 إسرائيلياً قاموا بخطوة طلب الجنسية الألمانية في شهري كانون الثاني وشباط فقط من العام 2002، أي معدل الضعفين مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2001، وطوال العام 2001 تلقت السفارة الألمانية 1751 طلباً مقابل 1253 في العام 2000. وأشار تقرير آخر نشرته المجلة ذاتها في 5/8/2002 إلى أن عدد طالبي الحصول على الجنسية الألمانية من الإسرائيليين بلغ 60 ألفاً، ونقلت المجلة -ديرشبيغل- عن المحامي الإسرائيلي دان آسان قوله "إن الجنسية الألمانية بحوزة اليهود هي بمثابة بوليصة تأمين على الحياة في حال استمرار تردي الأوضاع وحصول الأسوأ في إسرائيل"، أي العمليات الاستشهادية وتراجع الوضع الاقتصادي.‏

ولم تقتصر عملية النزوح على اليهود الاشكناز بل شملت أيضاً اليهود السفارديم إذ طالبت سبع عائلات يهودية يمنية هاجرت من اليمن إلى إسرائيل بداية العام 2000، من رئيس الحكومة أرئيل شارون بالعودة إلى اليمن بسبب الصعوبات الاقتصادية وعدم القدرة على التكيف مع الوضع والظروف الجديدة في إسرائيل، حسب ما ذكرته صحيفة يديعوت أحرونوت في عددها الصادر في 27/6/2002.‏

وحول انتماء الراغبين في الهجرة ذكرت صحيفة "معاريف" في 25/8/2002 أن 22% من الإسرائيليين الشباب يفكرون في الهجرة إلى الخارج بسبب انعدام الأمن والاستقرار وتتزايد حجم البطالة نتيجة التدهور الاقتصادي. وأن نسبة كبيرة من سكان المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة يفكرون في الهجرة إلى أوروبا وكندا والولايات المتحدة في ضوء تزايد أعداد القتلى والجرحى من المستوطنين جراء استمرار فعالية الانتفاضة، إذ إن 30% من هؤلاء القتلى والجرحى هم من المستوطنين.‏

وللوقوف على حدود ظاهرة الهجرة المعاكسة أو النزوح في ظل وجود تقديرات، إسرائيلية تفيد أن حوالي 450 ألف إسرائيلي يعيشون خارج إسرائيل، وكل سنة ينضم إليهم أكثر من نصف مليون ولد وطفل.‏

وأنه أيضاً في كل سنة يغادر إسرائيل نحو 20 ألف إسرائيلي يعود 7 آلاف منهم فقط إلى إسرائيل بعد سنة والباقون يستقرون خارجها.‏

لا بد من الإشارة إلى أن هذه الظاهرة تعود إلى ما قبل العام 1948 فخلال فترة الانتداب البريطاني في فلسطين هاجر منها نحو 17% من المهاجرين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين خلال تلك الفترة، وقدر عددهم بنحو 482857 نسمة، أي أن حجم الهجرة المعاكسة بلغ قبل 15/5/1948 نحو 82085 نسمة.‏

أما بعد ذلك التاريخ فتشير التقديرات الإسرائيلية المُعلنة إلى أنه منذ 15/5/1948 وحتى نهاية العام 1993 بلغ عدد الذين نزحوا من إسرائيل نحو 471800 نسمة، بمعدل سنوي بلغ 10500 نسمة مقابل قدوم نحو 52500 مهاجر إلى إسرائيل.‏

أي أن نسبة الهجرة المعاكسة بلغت 20% تقريباً من مجموع المهاجرين الجدد.‏

ويذكر أيضاً أنه بعد حرب 1973 ارتفع المتوسط السنوي لعدد النازحين عن إسرائيل من 5400 نازح في الفترة 1970-1974 إلى 11 ألف نسمة في الفترة 1975-1979، وتحت وطأة الانتفاضة الفلسطينية لعام 1988 هاجر من إسرائيل خلال العام الأول للانتفاضة المذكورة 14600 إسرائيلياً، وانخفض هذا العدد في العامين اللاحقين قليلاً ليصل المتوسط السنوي لعدد النازحين عن إسرائيل إلى نحو 13500 يهودياً.‏

ولدى ربط ظاهرة الهجرة المعاكسة المتصاعدة بانحسار موجة الهجرة اليهودية إلى فلسطين استناداً إلى مركب "الدفع - الجذب"، والكلفة والمردود، والأمن الشخصي واللا أمن نجد أن الانتفاضة الفلسطينية هددت أحد ركائز المشروع الصهيوني في فلسطين وعمقت بوتائر متسارعة أزمة شرعية وجود الكيان الصهيوني على حساب فلسطين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244