|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الانتفاضة حركة شعب لا سبيل لقهرها ـــ غطاس أبو عيطة شكّلت الانتفاضة الفلسطينية المندلعة منذ عامين، تدخُّلاً شعبياً لتغيير مسار التطورات فيما يتعلق بمصير قضية فلسطين، بعد أن بات واضحاً بأن طريق أوسلو لا يفضي لغير تصفية تلك القضية، وذلك في إطار المشروع الأمريكي الصهيوني الرامي إلى السيطرة على المنطقة وإعادة رسم خريطتها السياسية. فمع تنامي قلق الجماهير الفلسطينية حول مستقبل وجودها على أرضها في ظل الزحف الاستيطاني المتمادي على تلك الأرض، ومع تفاقم نقمة هذه الجماهير إزاء عمليات الإغلاق والحصار والتجويع وممارسات القمع والإذلال اليومية التي تنفذها قوات الغزو ضدها، وبلوغ الاستياء ذروته في أوساطها بسبب فساد السلطة، وتهاونها تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومسلك أجهزتها في سعيها لضرب كل حس وطني في صفوف الجماهير، ولإثارة النزعات ما دون الوطنية (القبلية والجهوية والطائفية). وانكشاف صيغة الحل النهائي التي سعى المحتلون لفرضها عبر المفاوضات وخاصة بعد "قمة كامب ديفيد"- وهي الصيغة التي تقوم على شطب قضية اللاجئين، وإلغاء عروبة القدس، وتجميع الفلسطينين في منعزلات الفصل العنصري.. جاءت خطوة شارون الاستفزازية باقتحام حرم المسجد الأقصى لتمثل الشرارة التي أشعلت نيران الانتفاضة الثورة. وما دلَّل على طبيعة الانتفاضة باعتبارها حركة شعبية، واقع اندلاعها بمعزلٍ عن أي قرار تنظيمي، وما بدا واضحاً من تأخر القوى المنظمة عن الانخراط في مفاعيلها، الأمر الذي يمكن رده إلى حملات القمع المتطاولة التي تعرضت لها تلك القوى على يد المحتلين وأجهزة السلطة، وإلى عمليات التخريب التي استهدفت وحدة صفوفها وعزل العناصر الصلبة في أطرها القيادية، فقد اقتضى الأمر أن تمر أسابيع على اندلاع الانتفاضة قبل أن تعيد الفصائل الثورية تنظيم صفوفها للالتحاق بها وشن عمليات المقاومة ضد المحتلين، وقبل أن تحسم أوساط من قواعد السلطة وخاصة في تنظيم حركة فتح، خيارها بالانضمام إلى حركة الجماهير، وقبل أن تغادر قوى التيار الوسطي مظاهر ترددها، وهي التي لم يمضِ زمن طويل على التحاقها بمسار أوسلو باعتباره واقعاً لا يمكن تجاهله. وبالنسبة لقيادة سلطة أوسلو، فقد سعت كدأبها إلى ركوب موجة الحركة الشعبية، متعاملة مع الانتفاضة كأداة لتحسين شروط تفاوضها مع العدو، بعد أن تبددت الأوهام لديها بأن أمريكا ومعها المعسكر الصهيوني، سيسارعون إلى مكافأتها على دورها في إزاحة العقبة الفلسطينية من وجه المشروع الاستعماري الذي يستهدف احتلال المنطقة والسيطرة على مقدراتها. ولم تغادر هذه القيادة على مدى العامين من عمر الانتفاضة، مواقع المراهنة على مبادرات الحلف المعادي، متخلية عن دورها في تعبئة طاقات الجماهير وتنظيم صفوفها وتوفير أسباب صمودها بوجه آلة الحرب وإجراءات الحصار الصهيونية. وما بدا واضحاً لعين المراقب، هو أن حالة النهوض الشعبي التي جسدتها الانتفاضة، لا يمكن فصلها عن ظاهرة تحفُّز الجماهير العربية لكي تأخذ موقعها في التصدي للهجمة الأمريكية الصهيونية على المنطقة، بعدما بدا للجماهير العربية من تراجع دور النظام الرسمي على هذا الصعيد، نتيجة الإخلال الفادح في موازين القوى الذي أحدثه إخراج مصر من ساحة الصراع عقب توقيع اتفاقات كامب ديفيد. وهكذا فقد جاءت انتفاضة الأقصى بمثابة استمرار لانتفاضة عام 1987، التي اندلعت كرد شعبي على تلاؤم النظام الرسمي في قمة عمان، مع المبادرة الأمريكية الرامية إلى تصفية قضية فلسطين عبر البوابة الأردنية. كما جاءت أيضاً، بوحي من الانتصارات التي حققتها الجماهير الشعبية اللبنانية في مجابهة قوات الغزو الأطلسية والصهيونية على لبنان، والتي توجت بالانتصار التاريخي الذي أحرزته المقاومة اللبنانية في دحر المحتلين عن أرض الجنوب وهم يجرجرون أذيال الهزيمة. وجاءت كذلك، في سياق الغضبة الشعبية التي عمت أرجاء الوطن العربي بوجه الحرب العدوانية التي شنتها أمريكا على العراق، وفي إطار عمليات المقاومة التي أطلقتها الطلائع العربية ضد الوجود العسكري الأمريكي في بلدان الخليج. وغني عن الإيضاح، أن تقدم دور الحركة الشعبية العربية على دور الأنظمة في المواجهة، إنما يضع الأمور في نصابها الصحيح، حيث دللت تجارب الشعوب التي أنجزت تحررها من سيطرة قوى الاستعمار الغربي، أن انتصارها لم يتم على يد السلطات وجيوشها الرسمية، وإنما بفعل حركات شعبية تزج بطاقات الجماهير في المعركة، وتركز ضرباتها على نقاط الضعف في جسم المستعمرين الغزاة. صمود الانتفاضة بوجه محاولات وقفها إن تجذُّر الانتفاضة الفلسطينية في أوساط الجماهير، هو وحده الذي يمكن أن يفسر صمودها على امتداد عامين بوجه آلة الفتك والدمار الصهيونية، وهو وحده الذي يفسر أيضاً، تمكُّنها من إحباط موجات التآمر على استمرارها التي قادتها الامبريالية الأمريكية. فبعد مضي شهور على تنفيذ حكومة باراك الصهيونية لخطة "حقل الأشواك" التي تقضي بإنزال آلة حرب الكيان بكل ثقلها من أجل سحق حركة الجماهير الفلسطينية وهي في مهدها، خرج هذا الجنرال (باراك) المعتد بسجله العسكري الإجرامي، برؤية مفادها أنه لا سبيل لقهر حركة شعب مصمم على انتزاع حريته، وقبل أن يعلن هذا الجنرال انسحابه من الحياة السياسية عقب سقوطه في الانتخابات، نصح خليفته المتغطرس شارون، بأن يأخذ بتجربته بشأن الانسحاب من الجنوب اللبناني، محذراً من أن عدم انفصال كيانه عن الفلسطينيين في الضفة والقطاع، سيدخل التجمع الاستيطاني اليهودي في نزيف لا قبل له بتحمل آثاره. وإذ جرب شارون وعلى امتداد بضعة شهور، حظه في مواجهة حركة الجماهير الفلسطينية ضمن عملية قتل وتدمير وتجريف وحصار أكثر همجية وأشد وحشية ودموية، وصل هذا الإرهابي بدوره إلى الطريق المسدود، ففي مقابل وعوده الانتخابية بحماية أمن تجمعه الاستيطاني، تضاعف مرات حجم الخسائر البشرية وسط هذا التجمع، وتحول الحماة من الجنود الصهاينة، إلى هدف للهجمات البطولية التي ينفذها أبطال المقاومة. وجاء حدث 11 أيلول في هذه الأثناء، ليطلق العنان لحملة شارون الهمجية ضد المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية بغطاء أمريكي معولم تحت عنوان مكافحة الإرهاب، لكن جرائم هذا السفاح البربرية، اصطدمت بإرادة الجماهير الفلسطينية التي فشل في كسرها، وما يدلل على تخبط حكومة شارون بعد ظهور عجزها عن وقف عمليات المقاومة، هو ما لجأت إليه من بناء السور الذي يفصل تجمعها الاستيطاني عن الجماهير الفلسطينية، الأمر الذي يتعارض مع تطلعها نحو تهويد كل فلسطيني لتكون منطلقاً لسيطرتها على المحيط العربي. غير أن مأزق تلك الحكومة، أخذت تبرزه العديد من الشواهد القائمة على الأرض، بدءاً من حالة التدهور الاقتصادي التي أخذت تضرب الكيان نتيجة أعباء الانتفاضة، ومروراً بانحدار شعبيتها وسط التجمع الاستيطاني اليهودي بعد أن ثبت فشلها في حماية أمنه، ووصولاً إلى تنامي ظاهرة الهجرة المعاكسة من الكيان التي يتم التعتيم على أبعادها. وما يفاقم من مناخ الإحباط في أوساط الصهاينة، شعورهم بأن الحملة الأمريكية المتجددة على المنطقة والعالم والتي تقودها إدارة بوش الأشد يمينية، قد أخذت تصطدم وبأسرع من كل التوقعات، بمعارضة إقليمية ودولية وأمريكية آخذة في التماسك، ثم تلك العزلة التي باتت تحيق بالكيان وبسياساته العنصرية، والتي ضاعف من حدتها على المستوى الدولي، ربط مستقبل هذا الكيان، بموجة الغطرسة الأمريكية المنفلتة من عقالها. الانتفاضة مستمرة رغم المخاطر والثغرات لقد أُدخل في روع البعض على الساحتين الفلسطينية والعربية، أن الانتفاضة قد سحقت تحت ضغط حملات القمع الصهيونية، وأن الأرض باتت ممهدة لتمرير مخطط التصفية الأمريكي ضد القضية الفلسطينية. وتقوم هذه الرؤية على الاعتقاد، بأن استفراد الصهاينة بالجماهير الفلسطينية وخاصة منذ "عملية السور الواقي"، قد أدى إلى تدمير النواة الصلبة للانتفاضة والمقاومة.. وأن تراجع مظاهر المشاركة الشعبية الآني في نبل الانتفاضة، هو دليل الإحباط الذي بات يسود الجماهير الفلسطينية تحت وطأة الحصار وأعمال القتل، وفي ظل ضراوة العقوبات الجماعية التي أخضعت لها، من تدمير للمنازل، ومن عمليات نفي وإبعاد، ومن سياسة تجويع أدت إلى انهيار ظروفها المعيشية. كما تقوم هذه الرؤية كذلك، على التضخيم من أثر غياب القيادة الموحدة السياسية أو الميدانية للانتفاضة، وعلى التسرع في نعي حركة التلاحم العربية مع جماهير الشعب الفلسطيني، "والتي لم يتم تأطيرها ودفعها إلى الأمام، في ظل أزمة قوى حركة التحرر العربية"، وعلى الوصول إلى أحكام غير مدققة، بشأن فشل الجانب العربي في استثمار وتعميق حركة التعاطف الدولية مع قضية العرب المركزية، قبل أن يأتي حدث 11 أيلول الذي قلب الأوضاع الدولية(؟). وقد دفع الإحباط بأصحاب هذه الرؤية، إلى التنبؤ بأن العدوان الأمريكي القادم على العراق، ومن ثم ضد مواقع وقوى الصمود العربية والإسلامية في المنطقة، سيؤدي حتماً إلى سحب الأضواء عن حركة الشعب الفلسطيني، بما سيقود إلى خنق الانتفاضة وإنهاء دورها كرافعة للنهوض القومي. غير أن ما لم يدركه هذا البعض، هو أن هذه الحركة الشعبية التي استطاعت أن تصمد على مدى عامين بوجه أعتى حملة عسكرية شنها الصهاينة ضدها، وأن تتصدى بكل حزم، وأن تحبط موجات التآمر المحلية والإقليمية والدولية الرامية إلى وقفها، باتت قادرة على تجديد نواتها الصلبة بل على إنتاج قيادتها الثورية، الأمر الذي أكده استمرار عمليات المقاومة ضد قوات وضد تجمعات العدو، وفشل المساعي الأمريكية والأوروبية والعربية الرجعية، في تمرير مؤامرة ترتيب الساحة الفلسطينية باسم الإصلاح- وباسم الوحدة الوطنية التي تقوم على أرضية وقف المقاومة ضد المحتلين. كما أن ما يغفله هذا البعض على المستوى الشعبي، هو استمرار إرادة الصمود لدى الجماهير الفلسطينية، التي لم يعد لديها ما تخسره بعد كل الخراب والدمار الذي حل بمدنها وقراها وأحيائها، وبعد فقدها لهذا الحشد من خيرة أبنائها. وإن ما يجري على الأرض من بدء تمرد الجماهير على أعمال الحصار، وبدء تحديها لأوامر حظر التجول التي تفرضها القوات الغازية، إنما يشكل المقدمة الطبيعية لانفجار غضبة شعبية أشد عنفاً من كل ما سبقها، الأمر الذي يحاول المحتلون وقفه بتوجيه رصاصهم إلى صدور المواطنين العزَّل. وما لم يضعه هذا البعض في حسابه، ما يمكن أن تلهمه ملحمة مخيم جنين الأسطورية، وبطولات أبناء نابلس وغيرهما، من روح تضحية واستبسال وسط الجماهير الشعبية، وما يختمر في صفوف تلك الجماهير من حقد ثوري على الجرائم اليومية للمحتلين الغزاة. كما أن ما لم يستوعبه هؤلاء، هو أن عزلة تيار ونهج الاستسلام على الساحة الفلسطينية، ما كان لها أن تتحقق في ظل فراغ قيادي مزعوم، ذلك أن الانتفاضة/ المقاومة، استطاعت أن تعزز قيادتها الثورية بعيداً عن الأضواء. وما يمكن أن نرد به على الخائفين من انحسار حركة الشارع العربي، هو أن حركة الشعوب بين موجة وأخرى من موجات نهوضها، لا بد وأن تمر بمرحلة من الاختمار، وأنه لا خوف على حركة الجماهير العربية. وبالنسبة لحركة التضامن الدولية مع قضية فلسطين، فهي لم تتوقف مع توقف تظاهرات التنديد بجرائم المحتلين الصهاينة، وقد عبرت عن نفسها مؤخراً في قمة الأرض المنعقدة في جوهانسبرغ، حيث بدت السياسة الأمريكية والصهيونية معزولة وسط الوفود الرسمية والشعبية على السواء. وفيما يتعلق بمشاريع أمريكا العدوانية في المنطقة، فإن نزعة المغامرة في تلك المشاريع، باتت تثير قلق وتحذير قطاع واسع من السياسيين والعسكريين في أمريكا وفي أوساط حلفائها. وإزاء ما يشيعه دعاة الانهزام من مناخات الإحباط بشأن مصير الانتفاضة، فإننا نكتفي هنا بإيراد ما أعلنه باحث استراتيجي صهيوني قبل شهور حين قال: "لقد أدركت بأننا قد هزمنا حين رأيت مشهد الطفل الفلسطيني وهو يهجم على الدبابة بحجر.. فإزاء هذا المشهد، بات واضحاً لدي، أننا بتنا أمام خيارين، فإما أن نحمل أمتعتنا ونرحل عن هذه البلاد، وإما أن نبيد جميع الفلسطينيين المقيمين فيها"، وها هو رئيس أركان الجيش الصهيوني يلوح في النهاية بخيار الإبادة الجماعية معترفاً بفشل جيشه في تقويض بنية المقاومة، حيث "يتفشى الإرهاب كالسرطان بين الفلسطينيين" كما جاء في تصريح هذا الجنرال المهزوم. لقد بلورت قوى الانتفاضة هدفها منذ الفترة الأولى لاندلاع ثورتها التحررية، ممثلاً في دحر الاحتلال والاستيطان عن الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 كخطوة هامة على طريق إلحاق الهزيمة النهائية بالمشروع الاستيطاني الصهيوني، وإن مصير المعركة المحتدمة سوف يتقرر على أرض المواجهة، ولن ينقذ الصهاينة من مأزقهم أي هروب إلى الأمام من خلال توسيع ساحة المجابهة، والذي لن يقود إلا إلى اصطدامهم بإرادة جماهير الأمة، وإلى تعثرهم بمواقع الصمود العربية والإسلامية التي فشلت الحملة الأمريكية في تطويعها على مدى عقدين من الزمن. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |