|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
طفل الانتفاضة هل يعشق الموت..؟! ـــ عبد الحليم أبو عليا كثير من المحلّلين وعلماء النفس. يتساءلون؛ لماذا يغادر الأطفال الفلسطينيون ساحات اللهو، ومراتع الطفولة، وملاعب الصبا، يخرجون عن أطوار الطفولة الطبيعية، بعضهم يحمل بيده حجراً، وآخر مقلاعاً أو نقيّفه "قفّازة" كما يسميها الفلسطينيون، وآخرون يسدون الشوارع بأجسادهم، ويتصدون لجيش الاحتلال، فهل صحيح "أن العرب يكرهون أطفالهم، لذا يتخذونهم دروعاً بشرية، ويدفعونهم أمام الرصاص الإسرائيلي، كما ادعى أحد المسؤولين الصهاينة؟ وهل يصدق عاقل أن الطفل الفلسطيني يولد عدوانياً بالفطرة..؟ لا سيَّما والكل يشاهد أطفالاً بعضهم لم يتجاوز السنة الثامنة من عمره، يخرجون يومياً إلى الشوارع في الوطن المحتل، يتصدون بصدورهم وسواعدهم الغضّة. لجيش مدججٍ بأعتى وأحدث أدوات القتل في العالم، لماذا لا يقتنص هؤلاء الأطفال الفرصة ويذهبون إلى اللعب واللهو؟! أصحيح أنهم لا يخافون أسوةً بكل أطفال العالم، خاصةً وهم يرون القتل الصهيوني لكل أشكال الحياة دون تمييز..؟! لماذا لا يلوذ هؤلاء الصغار بأحضان الأمهات. طلباً للحنان ودفء الأسرة، كما باقي الأطفال، حين يداهمهم الرعب والمجازر؟ ومن ذا يصدق أن طفلاً لم يتجاوز العاشرة يولد عاشقاً للبطولة، ساعياً إليها، رغم الآلام والجراح والقتل الذي يتربص به وبأقرانه..؟! ولننظر لبعض الإجابات التي ردّ بها بعض الأطفال على أسئلة أحد الصحفيين: -هل تشارك برمي الصهاينة بالحجارة..؟ -طبعاً.. يعني معقول أتفرج على المتظاهرين وأبقى متفرجاً. -هل تتقن الرماية بالمقلاع؟ -نعم، فقد دربني أخي الأكبر على الرماية. -لماذا تضرب الحجارة على الجيش..؟ -لأنهم ضربوا أخي الأكبر وأخذوا بيتنا وأسكنوا فيه عائلةً يهودية. -لماذا لا تذهب إلى المدرسة، هل تكره الدراسة..؟ -لا بل أحب الدراسة، وأعوض الدروس التي أنقطع عنها في البيت. -ألا تحب اللعب بدلاً من التسكع في الشوارع وإلقاء الحجارة على الجيش..؟! -بل أحب اللعب، وكنت ألعب كرة القدم، ولكن جنود الاحتلال جرفوا الملعب الذي كنا نلعب به أنا ورفاقي والزيتونات التي كنا نجلس تحتها بالجرافات، لينشئوا تلك المستوطنة على أراضي بلدنا. -ماذا تستفيدون من رمي جنود الاحتلال بالحجارة..؟ -هذا ما نملكه من سلاح، وهذا ما أستطيع فعله الآن. -ألا تخاف من الموت وأنت ترمي الجنود بالحجارة..؟ -لا أخاف، لأن صديقي قتله اليهود ولم يكن يرمي الحجارة عليهم. إننا حين نتأمل بعناية هذا الحوار، نجد كثيراً من الإجابات للأسئلة المحيّرة التي يثيرها ويلاحظها المحللون وعلماء النفس، وإن الرؤية التحليلية للأوضاع النفسية التي يتعرض لها المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال تكشف أسراراً لم تكن تخطر ببال علماء النفس، وتثبت بالدليل القاطع وجهات نظر كانت تفتقر إلى الحجّة والدليل العمليّ. فالمقولة العامة والشائعة "أن للطفل عالمة الخاص" أصبح لها مدلولات عملية أكثر وضوحاً، كذلك يمكن القول إنه بالإضافة لذلك العالم الخاص، يظهر جليّاً أن للطفل وجهة نظر فيما يدور حوله، سواء كان في محيطه الخاص أم العام، وهو قادر على ترجمة وجهة النظر تلك والتعبير عنها بشكل صارخ، بحيث يرغم المحيط على الإصغاء لـه، وعدم تجاهل و"تطنيش" وجهة نظره. وفي الوطن المحتل، هذا الطفل - الذي قالت عنه غولدا مئير رئيسة وزراء العدو السابقة؛ لا يزعجني في نومي إلاَّ صراخ طفل فلسطينيّ، "يولد"، وكانت تتصل كل صباح بوزير الإحصاء، تسأله: كم طفلاً فلسطينياً ولد هذا اليوم - يرث الضغوط النفسية والجسدية والعامة، جيلاً إثر جيل، ومن المعروف عن عالم الطفل: أنّ شخصيته تبدأ بالتشكل منذ الشهور الأولى لحياته، وبعد ولادته بشهور تبدأ ذاكرته بتخزين بعض معالم الواقع، التي تؤثر في بناء شخصيته مستقبلاً وتنظم سلوكه فيما بعد.. إنّ الطفل الفلسطيني بكل المعايير السلوكية والنفسية، يمكن القول إنه عاش ولم يزل ظروفاً تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الإنسانية، فقد رأى أباه، أخاه، جاره، زميله، يُضرب من قبل جنود الاحتلال. وشاهد بيته، أو بيت قريبه أو جار له يصادر أو ينسف، ورأى بأم عينه من يخطفهم المستوطنون ولا يعود يظهر لهم أثر، فماذا يتوقع منه أن يعمل؟! يقول علماء النفس إن الطفل الذي يعيش ظروفاً نفسيّة غير صحيّة، قد يسلك سلوكاً إيجابياً كرد فعل، فيحقق أعمالاً إيجابيّة، تخدم الجماعة وتصب في المصلحة العامة، وهذا الطفل في الوطن المحتل يرى من الإحباطات وفقدان الإحساس بالأمن والطمأنينة الشيء الكثير، فالأب الذي يرمز للحماية والقوة، والدفاع عن الطفل ضد المظالم والأخطار الخارجية، الأب الذي يلوذ به الطفل حين يتعرض لعدوان خارجي، ويستجير به لدفع الظلم عنه حتى وإن كان من إخوته، يراه الطفل محطماً، نهاراً، رمزاً ومادةً تحت أعقاب حراب الاحتلال، فهل يقف الطفل متفرجاً..؟! وأما البيت بما يمثله من ملجأً، وعش دافئ وملاذ آمن، يراه الطفل محطماً أو مُصادَراً، فهل يدافع عن مملكته أم يتركها للآخرين، إن الأب والأسرة والصديق والجار والبيت وملعب الصبا، كلها أصبحت حطاماً في حياة الطفل الفلسطيني، وهذه العناصر المحطّمة تعرف علمياً بأنها مملكة الطفل، ومعروف أن الطفل مقاتل شرس في الدفاع عن حدود مملكته في مواجهة أي طامع، حتى وإن كان أقرب الناس إليه، فالطفل يغار على أمه وأبيه، حتى من أقرب الناس إليه، والذين يملكون نفس الحق مثله، وهو يغار على ألعابه، ويقف بقوة في وجه من يحاول السطو عليها، ويشدد قبضته على حيازتها، حتى لو حطمها فقد تجده يحافظ على حطامها من الآخرين، وهنا يتساءل المرء لماذا لا يرى هؤلاء المحللون تصرف الطفل الفلسطيني في سياقه وضمن شروط واقعه المرير..؟ ولو نظرنا إلى الحوار البسيط الذي ورد في مطلع هذه القراءة، لوجدنا التعبير السليم عن دوافع وحوافز ذلك الطفل، دون الحاجة إلى الغرق في تفاصيل النظريات السيكولوجية والسلوكيّة. ودون عناء سيكتشف الدارسون - بعيداً عن الانحياز للعدو والإصغاء لأباطيله وإعلامه المزيف للحقائق حيث يصور الطفل الفلسطيني، عدوانياً شاذاً، خارجاً عن بعض الطفولة - أن ردّ الفعل الطبيعي ينسجم تماماً والظروف التي يعانيها المجتمع الفلسطيني بأسره. بالإضافة لما سبق، ينبغي ألاَّ يغرب عن البال، أن الطفل بحال طبيعته، ذو خيال واسع بشكل عام، ميّال إلى القيم الموجبة، كالزعامة والبطولة وما إلى ذلك، وفي كل كابوس الاحتلال الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، يشحذ خيال أطفال هذا الشعب، وصور البطولة التي ابتدعها الكبار، وينميَّ لديهم الإحساس بالفخار، تلك القصص والأحاديث التي يرويها الكبار عن الأبطال والبطولة، ناهيك عما يقابلها مما يراه الأطفال ويسمعون عنه، من جرائم ووحشيّة الاحتلال، تلك الجرائم التي يكون مسرحها وضحاياها أفراد هذا الشعب من كل شرائحهم دون استثناء، وليس آخرها جريمة قتل الطفل محمد الدرّة، والطفلة سارة والعشرات من أشياعهم، ويرى العالم بأسره أن الصهاينة لا يميّزون في جرائمهم بين كهل وشاب، أو بين رجل وامرأة، وبين طفل يحمل الحجارة ويرميهم بها وآخر لم يمسسها كمحمد الدرّة، فالجرائم تستهدف الوجود الفلسطيني، دون أي اعتبار آخر، وسواء خرج الفلسطينيّ للمقاومة أم لم يخرج فهو عرضة لأسلحة العدو وبطشه، ومثلما يقولها المتنبي: فإذا كان ما من الموتِ بدٌّ فمن العجز أن تموت جباناً إن العوامل النفسية والموضوعيّة التي تمّ التطرق إليها، تلعب دوراً تعزيزياً بالغاً، للمحفزّات الأساسيّة، فالطفل الذي يرى جنازة الشهيد وقد تحولت إلى عرس جماهيري عظيم، لا يعود للموت عنده معنى الخوف والمجهول في ذهنه، ويصبح حلم الجنة ونبلها، وعرس الشهادة والبطولة وما إلى ذلك من معانٍ سامية، بدل جحيم المحتل ورصاص القتل، ووأد الطفولة في مهدها، يصبح هذا الحلم، الحافز الأول لامتشاق الحجارة وتأبط المقلاع وتحدي الموت، بطلبه، ربما تكون الأسلحة المستخدمة حتى اللحظة بدائية في تقنيتها، بسيطة في مرودها المادي، ولكن لسان حال الطفولة يقول؛ حتى اللحظة، لم يدافع عنا أحد، ويطرد القتل عن أحلامنا البريئة، ولا نجد ما ندافع به عن أنفسنا وعن مشاويرنا المدرسيّة، وعن عشب الطريق التي كانت ملاعب الصبا، وصارت بفضل وحشية "العم سام" جذوراً محترقة، وأمام كل هذه السموم التي تنفثها قنابل المحتلين، لم نجد سوى حجارة الوطن ولحمنا العاري ندافع بها عن براءتنا، وندفع بها الموت عن أحلامنا، فامتشقناها، فمن يكفّر عن إنسان هذا العصر وعن ضميره الغائب..؟ أين أولئك العلماء والمحللون النفسيّون، الذين زعموا أن الإنسان السويّ إذا تعرض لعددٍ من الصدمات، قُدِّرت بما يقارب المئة - كالانزعاج في الحافلة أو الشارع - يمكن لها أن تتسبب له بانهيار عصبيّ، أين أولئك من التحليل الإنساني أولاً من كل هذه الجرائم التي ارتكبها اليهود ضد كل معاني البراءة في فلسطين، أين جمعيات حقوق الإنسان من أباطيل راعي العولمة كلينتون الذي حمل الطفل الشهيد محمد الدرّة مسؤولية قتله حيث قال "قتل لأنه كان موجوداً في منطقة يطلق فيها النار" وهكذا فإن هذا الطفل سامحه الله عليه أن يعتذر من القتلة، وأي فرق بين ما قاله كلينتون وغولدا مئير رئيسة وزراء العدو السابقة، حين قالت "لن أسامح العرب على إجبار شبابنا على إطلاق الرصاص عليهم". ولست أدري ما رأي علماء النفس وجمعيات حقوق الإنسان، وجمعيات حماية الطفولة، بقول عميدة السلك الدبلوماسي الأمريكية التي أرادت "وقف العنف الفلسطيني وحماية المستوطنين وجنود الجيش الإسرائيلي من حجارة الأطفال الفلسطينيين، وماذا سيكتب التاريخ عن هذه المهزلة الدموية؟ لا شك أن التاريخ سيكتب بكثير من المرارة والاشمئزاز، وربما أطلق على هذه المرحلة من حياة البشرية، مرحلة قتل أطفال فلسطين بدم بارد، عن عزم وسبق إصرار، ربما يسميّها مرحلة تهجير الطفولة باكراً، ربما مرحلة وأد البراءة وقتل كل ما هو جميل في حياة الإنسان، مرحلة الشهيد الطفل محمد الدرّة والعم "سام"..!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |