|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
دروس وعبر انتفاضة القدس المباركة ـــ محمد صوان اكتشف الفلسطينيون بالممارسة والتفاوض أن حدود ما تستطيع إسرائيل أن تقدمه قد قدمته، وإن حدود ما تستطيع أن تسلمه من الحقوق العربية في فلسطين قد سلمته في إطار المعادلة السياسية التي تعمل من خلالها. بل اكتشف الفلسطينيون أن سياسة توسيع المستوطنات استمرت في ظل حكومة باراك، وسياسة ضم القدس استمرت، وسياسة مضايقة السكان في رزقهم وعملهم استمرت، وسياسة المهانة الوطنية استمرت إضافة لاحتلال إسرائيل لنسب كبيرة من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. هكذا شعروا بأنه بلا تضحيات، وبلا عاصفة تطيح بالكثير من الثوابت الإسرائيلية السلبية حول الحقوق الفلسطينية فإن الوضع قد يستمر في التراجع والتآكل. لهذا فإن انتظار الفلسطينيين لحل تقدمه لهم إسرائيل ولعرض تقدمه الولايات المتحده وصل إلى طريق مسدود. ومن حسن حظ القدس خاصة وفلسطين عامة في هذه المرحلة أن الشعب الفلسطيني نجح في استعادة المبادرة التي فقدها منذ أيلول/ سبتمبر 1993. -تاريخ توقيع اتفاق أوسلو سيء الصيت- فللمرة الأولى منذ سنوات ينجح الوضع الفلسطيني في استعادة الكثير من التضامن والتعاطف العربي والدولي وفي استعادة ذات الروحية التي سيطرت على العرب في زمن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في الثمانينات. إذ تفاعلت انتفاضة الأقصى الراهنة على كل الأصعدة العربية من خلال التقائها مع الشقيقات العربيات ومعانقتها لحركة الشارع والجماهير في أغلب العواصم. أن تقع مظاهرات ومسيرات يشارك فيها مئات الألوف، وأن تقع تجمعات ومهرجانات واعتصامات يشارك فيها عشرات الألوف في المدن العربية والإسلامية والأوروبية. وأن تقوم المقاومة الوطنية الإسلامية اللبنانية بعمليتين فدائيتين نوعيتين تعتقل في الأولى ثلاثة عسكريين إسرائيليين، وفي الثانية ضابط من المخابرات الإسرائيلية برتبة عقيد. كل ذلك يعكس انقلاباً كاملاً في المناخ العربي والإسلامي والعالمي. هذا النجاح ما كان ليكون لولا رؤية العالم إلى حدة البطش الإسرائيلي. ولولا استبسال الشعب الفلسطيني في الدفاع عن حقوقه ورؤية العالم العربي لمقتل أطفال صغار لا حماية لهم من زخات الرصاص والقنابل الإسرائيلية. ويمكن القول إن العنف والإرهاب الإسرائيلي يعكسان سعي قطاع واسع في إسرائيل إلى إنهاء آفاق السلام والعودة إلى سياسة التدمير والتهجير والاحتلال. لكنه أيضاً يعكس صلف إسرائيل ورفضها تأمين الحقوق العربية في القدس وحقوق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، ومهما كانت النظرة إلى المواجهات فقد استخدمت إسرائيل قوة عسكرية ضخمة للتعامل مع التظاهرات الفلسطينية السلمية، فردت على الحجارة بمدفعية الدبابات. وعلى مجتمع من المدنيين بزخات من الرصاص وعلى زجاجات المولوتوف بطائرات الهليركوبترات وبهجمات مكثفة على مقرات السلطة الفلسطينية. ولم يسهم حدث في إثارة الأجواء العالمية ضد الاحتلال الإسرائيلي كما أسهم التقاط الكاميرات لذلك المنظر الذي لا يوصف في تعابيره لطفل فلسطيني يحتمي بوالده قبل أن تصيبه الرصاصات بمقتل. في هذا المشهد لمأساة عمرها قرن وهو مشهد تكررت صوره على مدى العقود الماضية وقلما عرف عنها العالم. في هذا خسرت إسرائيل جزءاً مهماً من معركة السلام. وذلك لأنها خسرت الرأي العام العربي المراد عقد السلام معه أولاً، وخسرت الرأي العام العالمي ثانياً، وستأخذ إسرائيل زمناً طويلاً لتغيير هذه النظرة. لهذا الغضب الشعبي في الشارعين العربي والإسلامي الموجد أهمية كبيرة يتابعها العالم عن كثب، خصوصاً الولايات المتحدة وأصدقاؤها. خوفاً من تأثيراتها على مستقبل المصالح والعلاقات الإقليمية والدولية. لقد تأكد الجميع أن ما أصر عليه المفاوض الفلسطيني في كامب ديفيد؛ حين ضغطت الولايات والمتحدة وإسرائيل بخصوص موضوع القدس. بأن هناك رأياً عاماً فلسطينياً وعربياً وإسلامياً قادراً على التعبير عن ذاته، وقادراً على قلب الطاولة على رأس المتفاوضين، وإن هذا الرأي العام الذي تجسد من خلال الإرادة والعمل والوحدة الوطنية الفلسطينية له أبعاده الإقليمية والدولية القادرة على أن تقوم كلمتها وأن تؤثر في صنع القرار الأمريكي - الإسرائيلي. وأما في ما يخص الفلسطينيين فقد توحد الشعب بكل طبقاته في فلسطين التاريخية، وتمت عملية التئام الهوية الوطنية على طرفي الخط الأخضر بعد ما تم جسر الهوة بين المطالب المدنية والمطالب السياسية بتأكيد الهوية الوطنية المشتركة والدفاع عنها في وجه محاولات إسرائيل التي طالما حاولت طمسها. وهكذا نهضت الجماهير الفلسطينية داخل أراضي الـ 48 مؤازرة شعبها في الأراضي المحتلة دفاعاً عن رموزها الدينية والقومية. وعملياً، تأثر العالم العربي بجماهيره العريضة التي نزلت إلى الشوارع - دون استئذان أحد - بصورة خاصة بالوحدة النضالية بين جماهير الشعب الواحد في مواجهة الصهيونية العنصرية والاحتلال الإسرائيلي البغيض. ووجدت إسرائيل نفسها مضطرة للإجابة عن السؤال الذي طالما أجلت الإجابة عنه: هل هي قادرة على التمييز بين طبيعتها الكولونيالية وطبيعة حكمها العنصري "الابارتهيد"، وهي دولة اليهود وليست دولة المواطنين؟ أو طالما هي دولة كولونيالية هي ستستمر كدولة عنصرية تتقوى ميولها الفاشية كلما تعمقت أزمتها الكولونيالية، وتؤدي في النهاية إلى وحدة القضية الفلسطينية داخل وخارج فلسطين؟ الاستخلاص الأهم الذي فقأ الأعين على الساحة السياسية، هو وحدة اليمين واليسار الإسرائيلي. وما بينهم من شرائح ونخب ليبرالية وعلمانية، إن الغالبية اليهودية متحدة وموحدة في عنصريتها تجاه العرب، ولا يتأثر الإجماع العنصري الإسرائيلي بحجم المجازر أو بتجاوزات قوى الأمن في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين، طالما أن هنالك حكومة عمالية عسكرية تصنع القرار السياسي والأمني الإسرائيلي. وتبين عملياً وبصورة لا تقبل التأويل والجدل أن فلسطينيّ أراضي الـ 48 وجدوا أنفسهم وحيدين على الساحة السياسية الإسرائيلية حين وافق ما يسمى بـ "اليسار" على تشكيل حكومة ائتلافية مع قوى "اليمين" المتطرف بزعامة الإرهابي شارون، وبعدما انقسم الشارع الإسرائيلي مرة أخرى إلى عرب فلسطينيين ويهود إسرائيليين في ظل ارتفاع النبرة الفاشية والشروع في التنكيل بالفلسطينيين العرب من جانب الأكثرية اليهودية وانسحاب قوى الأمن من الشارع، إلا في حالات اضطرارها لدعم أوباش وهمجيي قطعان المستوطنين من "اليمين" الفاشي كما جرى في مدينة الناصرة وحيفا وأم الفحم وكفركنا. الأيام المقبلة حبلى بالتطورات والأحداث. وربما ستزداد حدة الصراع والمخاطر السياسية والأمنية، المحلية والإقليمية، خصوصاً في حال عدم التوصل إلى حل عادل ومتوازن يضمن الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين في إطار دولتين ذات سيادة. ولعل نتائج هذه المستجدات على الساحة السياسية ظهرت في ضوء نتائج قمة شرم الشيخ المخيبة للآمال. وعلى الأغلب فإن اضطرار باراك للتراجع بعض الشيء في تعامل قواته مع المواطنين الفلسطينيين، وفي تراجع قواته عن مناطق التماس مع المدن الفلسطينية، وكذلك تراجعه عن تهديد السلطة الفلسطينية، نابع بالأساس عن هذه المستجدات التي يمكن أن تؤدي إلى حالة حرب لن تربح منها إسرائيل شيئاً، بل ستخسر الكثير مما سبق وربحته في السنوات الماضية. في اللحظات الصعبة من حياة الشعوب لا وقت للطقوس العادية، وما يصنعه شعب فلسطين في شوارع الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والجليل والمثلث بالغ الدلالة في معانيه. إنهم يعطون للمعرفة الإنسانية مفهوماً جديداً وقيماً نبيلة، إذ ترتبط جدلياً المعرفة بالحضارة والتطور. وقناعات التعايش. إن شعب فلسطين في الأراضي المحتلة يزيح النقاب عن أشكال الحقد والعنصرية وحرب الإبادة التي تديرها إسرائيل بصفاقة لا مثيل لها. يمكن أن يستخلص الشيء الكثير مما حصل في الأيام السوداء الأخيرة. لكن الأهم هو أن "قيادة العالم" الأمريكية هي التي تتحمل المسؤولية. فالقتل والإرهاب أساسان راسخان لديمومة وبقاء إسرائيل، وقد أصبحا من "الثوابت" الدولية التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |