|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
في الذكرى الخمسين لثورة 23 يوليو 1952 صور من أدب الثورة المضادة ـــ يوسف الأسعد أدب الثورة المضادة هو أدب الردة والرجعية المضاد لأدب ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، وهو أدب معاد لهذه الثورة ومنجزاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية، ويستهدف هذا الأدب عقل الشعب العربي المصري وروحه وثقافته، وتراثه الثوري والفكري، والثأر من كل المنجزات الثورية والعقلانية والديمقراطية الشعبية التي حققتها الثورة في سنوات قصيرة. وهيأت المجتمع والأمة لمزيد من هذه الإنجازات. كما يبغي أدب الثورة المضادة تهيئة الأذهان والعقول والنفوس لبدء مرحلة التطبيع مع العدو الصهيوني في الأدب والفكر العربيين، وتشجيع التبادل الثقافي والفني والفكري مع هذا العدو. ويعجب المرء من رجل كبير مثل توفيق الحكيم الأديب والمفكر والناقد، أن يكشر عن أنيابه فجأة، وبعد أيام قليلة من وفاة زعيم الثورة جمال عبد الناصر، ليعلن لمصر وللعرب والعالم أن الوقت قد حان لمراجعة كثير من الأمور والقضايا التي يجب أن تطرح وتناقش بفكر وعقلانية، وبعيداً عن المؤثرات القومية "الدخيلة" التي كبلت مصر، وشعب مصر طيلة وجود عبد الناصر على رأس الهرم القيادي لثورة الثالث والعشرين من يوليو. ولا يخفى أن توفيق الحكيم هذا كان من أوائل الذين صفقوا للثورة، وتراقصوا على أبوابها. لقد أجرى توفيق الحكيم محاولة إحياء جثة الدعوى الفرعونية القديمة تحت اسم "حياد مصر" قاصداً حياد مصر عن أمتها العربية، والردة عن منجزات ثورة يوليو العربية، فارتد الحكيم إلى عدائه الصريح للعروبة، وإنكاره عروبة مصر، وهي قضية اتسعت دائرتها بعد رحيل عبد الناصر، والأخطر من ذلك توقيت هذه الدعوة الفرعونية القديمة الجديدة التي تتفق، وتتناغم مع دعاوى الصداقة مع الصهاينة، فمصر في رأي الحكيم يجب ألا تشغل بقضايا غيرها من العرب، لأن العرب شبوا عن الطوق، ويمكن أن يتولوا أمورهم بأنفسهم، ومصر يجب أن تنسلخ عن ضميرها العربي، وعن تراثها العربي، وأن تغير من دستورها وتاريخها، وكل ما يمثل عروبتها، وأن تفتح بابها للجميع، وأن تكون محايدة.(1). لم تكن هذه سوى مبررات أدب الثورة المضادة لثورة الثالث والعشرين من يوليو، والمتقدمة أشواطاً نحو الصهاينة والتطبيع معهم. تتكامل عوامل الحقد على العروبة ممثلة بثورة الثالث والعشرين من يوليو وزعيمها عبد الناصر في كتاب توفيق الحكيم "عودة الوعي"، الذي يمثل قمة العداء والكراهية لهذه الأمة، فهو يسخر من مصر, ومن جيش مصر، الذي تصدى (ومنذ قيام الثورة) للعدوان الصهيوني فتراه يقول: (ونهضت الفريسة في عدوان 1956، والتي نجت بمعجزة، وأخذت تصيح: انتصرنا، وتزعق الأناشيد في الأبواق مشيدة بمعركة تماثل معركة "ستالينغراد"، ثم كانت النتيجة الخداع لأنفسنا والتصديق للأكاذيب ثم أخذنا، ننشط المغامرات الحربية، فما كدنا نخرج من العدوان الثلاثي بسلام، وما كادت قناة السويس تستقر في أيدينا بأعجوبة، ونرى ذهبها يلمع في أكفنا حتى مضينا نلقي بها على تلال اليمن، ولكن هل اكتفينا بحربين وهزيمتين، لا، لابد من الثالثة حيث كانت هزيمة 1967 أي أنه في مدة عشر سنوات قد استهلكنا، واستهلكتنا ثلاثة حروب بثلاث هزائم لا ندري بالضبط كم كلفتنا من آلاف الأرواح، ولا كم من آلاف الملايين من الجنيهات إنما الذي ذكر ونشر هو أن ما خسرناه في الحرب الأخيرة كان يفوق الخيال وفوقه هزيمة منكرة، ما هذا الجنون؟ وماذا سيقول التاريخ في هذا الذي جرى في عهد الثورة)(2). يبدو واضحاً أن كتاب (عودة الوعي) يستهدف في الدرجة الأولى الثورة وقائدها، لأن الثورة شغلت بالقضايا العربية التي لا تهم مصر ولا تعنيها، مما أورث مصر الخسارة المادية والتاريخية، وشغلها عن بناء ذاتها، وضيع وعيها، ومن أجل ذلك وبعد غياب عبد الناصر يجب إعادة الوعي إلى مصر ذات الحضارة القديمة (الفرعونية) التي ترجع إلى خمسة آلاف عام، ثم ترى الحكيم يفضل رمسيس الثاني، ولو أن رمسيس بعث من جديد لما أقدم على ما أقدم عليه عبد الناصر من دعوته للوحدة العربية، وتجنيد مصر لقضايا العرب وعلى رأسها فلسطين. أما أدب "ثروت أباظة"، فيعد نموذجاً مميزاً لأدب الثورة المضادة، وظاهرة مرضية، تعبر أصدق تعبير عن فكر ومصالح وتطلعات الأسر الارستقراطية، والأنظمة التي وجهت إليها ثورة الثالث والعشرين من يوليو ضرباتها العادلة، وأجهضت أحلام أعلامها، وأوقفت نموهم، ونهضت بالجماهير على أنقاضهم، ويجمع النقاد على أن ليس لأدب ثروت أباظة قيمة أدبية تذكر خارج مفهوم الثورة المضادة فكل أعماله الأدبية مفككة البناء، مركزة على المضمون السياسي لأنها مجرد أداة لتوصيل فكر الكاتب، وليست إبداعاً أدبياً أو فنياً يمتزج فيه المضمون بالشكل، ويتضافر لتقديم رؤية فنية موضوعية شأن كل عمل أدبي أصيل، وهذا يؤكد أن الهدف الرئيس لثروت أباظة من كتابة أعماله الأدبية توصيل فكره السياسي، يصرح هو نفسه عن المنطلق والمغزى من روايتي "شيء من الخوف" و"جذور في الهواء"، محاولاً الظهور بمظهر أديب الثورة المضادة لثورة الثالث والعشرين من يوليو، فيقول: "إن رواية شيء من الخوف سياسية ولا أخفي ذلك، ولقد اخترت اسم "عتريس" لأنني أردت الرمز إلى عبد الناصر، وقد نشرت هذه الرواية سنة 1966، في مجلة صباح الخير، وظهرت كتاباً سنة 1967، والآن من المكن أن أكتب مقالات عن عبد الناصر لأن من شأن التاريخ أن يحلل، ولكني لا أكتب قصصاً رمزية، ولعل رواية "جذور في الهواء" تمس النواحي الاجتماعية والسياسية التي روجت لها ثورة يوليو في قلب المجتمع المصري. وفي كتابه "شعاع من طه حسين" يكشف ثروت أباظة أديب الثورة المضادة عن عدائه الطبقي لثورة يوليو، ويسب الكتاب الذين وقفوا إلى جانب الجماهير في هذه الثورة قائلاً: (إن الكتاب بطبيعتهم يحاربون الطبقة الميسورة) (3). ثم تراه يصف ثوار الثالث والعشرين من يوليو بالمعتدين، وينذرهم بالجزاء الآتي، بل إن ثروت أباظة يهاجم النقاد الذين احتفوا بالمضمون الاجتماعي لقصص "طه حسين" مثل "المعذبون في الأرض"، ومعروف أن "المعذبون في الأرض" كانت قد صدرت في العهد الملكي لهذا السبب، وأنها لم تصدر في كتاب إلا بعد قيام ثورة يوليو. إذا كان ثروت أباظة ينفي عن "المعذبون في الأرض" وقفتها الشجاعة في وجه الظلم الاجتماعي محاولاً لوي عنق طه حسين وتطويعه لفكره الارستقراطي، فإننا نحيله إلى رواية طه حسين "ما وراء النهر"، التي كتبها في الأربعينيات ليتبين أن طه حسين قد أدان الظلم الاجتماعي، والتفاوت الطبقي قبل ثورة يوليو مما يعني أن الأدباء و الكتاب الموالين للجماهير يحسون معاناة الشعب ويقفون إلى جانبه، وينافحون عنه تحت كل الظروف. أما أنيس منصور، فإنه هو الآخر يهاجم ثورة يوليو بعد رحيل زعيمها جمال عبد الناصر، ولا يقف هجومه عند حدود مصر بل يتعداها ليصل الأمة العربية كلها، فالوحدة العربية أسطورة كاذبة، والقومية العربية قومية نازية "أسطورة الوحدة الاندماجية المتمثلة في دعوة القومية العربية التي تفرض أن شعوب المنطقة، أو أقوامها من الخليج إلى المحيط أمة واحدة ثقافية وحضارية، ولكن عرقياً وعنصرياً كذلك وهذه الأسطورة ترتكز على خرافة البعث العربي، وأحياناً مجد الامبراطورية العربية، وهذه الأسطورة أسطورة العروبة العرقية خارج الجزيرة العربية لا تقل شططاً عن أسطورة الآرية أيام النازي، أو القومية الفينيقية"، وهو يرى أن تكون العلاقات بين الدول العربية كعلاقة أي دولة عربية مع أي دولة أجنبية والوحدة العربية مأساة بحق العرب كما حدث عندما اتحدت مصر وسورية 1958، (ولكي نحس بضرورة التضامن العربي، وأمن كل دولة عربية على حدة، ليس من اللازم أن تكون بيننا وبين بقية العرب جيش واحد، أو ميزانية واحدة، أو وحدة اندماجية كوحدتنا، التي قامت ثم فشلت مع سورية، وليس من اللازم أن نحكمهم من القاهرة كما فعل عبد الناصر مع سورية)(4). أعلنت الوحدة بين مصر وسورية، وكانت فرحة للتاريخ، ثم وقع الانفصال فكانت أياماً حزينة، البعض انخلعت قلوبهم، وانقلبوا على أعقابهم، لم يبحثوا أخطاء الوحدة في مصر أو في سورية، ولكنهم نقضوا كل ماكانوا يقولونه، وبنفس الاندفاع رأوا أن الانفصال دليل قاطع على فشل فكرة العروبة، وبطلان دعوى القومية العربية، لم يعرفوا أن أخطاء من الطرفين أضعفت بناء الوحدة ولم يعرفوا أن مدن سورية بأكملها ثارت ضد الانفصال، وضربت بالحديد والنار، ولم يعرفوا أن آلاف السوريين قتلوا تحت راية الدفاع عن الحرية. ومن هنا تجرأ أنيس منصور وحلفه المعادي للعروبة وللوحدة العربية، على وصف الجمهورية العربية المتحدة بأنها "جمهورية الفشل" التي أعادت مصر إلى الوراء عشرات السنين. أما "إحسان عبد القدوس"، فقد كتب قصة (بعيداً عن الأرض) وهذه القصة تتحدث عن قصة غرامية بين فتاة صهيونية إرهابية من منظمة الأرغون وفدائي مصري، كان يقاتل في فلسطين، وعندما أحب تلك الفتاة ترك فلسطين ومصر وهاجر إلى أمريكة ليلتقي بحبيبته الصهيونية، وفي عام 1975 كتب إحسان عبد القدوس قصة: "أين صديقتي اليهودية؟!"، عندما بدأت ملامح التسوية بين مصر والكيان الصهيوني تظهر للعيان، وقصة "أين صديقتي اليهودية"، ليست قصة بالمعنى الأدبي، ولكنها أقرب ماتكون إلى التحقيق الصحفي الذي يودع فيه الكاتب انطباعاته وذكرياته عن عالم الصهيونية، وتأثير هذا العالم في أدبه وأخلاقه، يروي إحسان عبد القدوس في هذه القصة ذكريات رحلته إلى القدس 1945، وزيارته للوكالة الصهيونية هناك. ثم كتب عام 1979 رواية (لا تتركوني هنا وحدي)، التي مهدت الطريق للتطبيع مع "إسرائيل"، ومع أنه حاول نفي العلاقة بين الرواية والتطبيع، إلا أن كل كلمة، وكل جملة، وكل فكرة في تلك الرواية احتوت على إشارات متعددة تشير إلى ضرورة الصلح مع الصهاينة، والاعتراف بهم على حساب أمته العربية وقضيتها المقدسة (فلسطين) (5). من هنا نلاحظ أن المبادئ التي حملت لواءها ثورة 23 يوليو واجهت حرباً شرسة بعد أن غيب القدر قائد هذه الثورة الزعيم العربي جمال عبد الناصر، وحاول نهج الاستسلام أن يحطم ثورة 23 يوليو، ويرسخ سلسلة من المفاهيم البديلة التي برزت في زمن التردي العربي ومنها محاولة عزل مصر عن الأمة العربية، والسعي لتحقيق التقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي عن طريق التجزئة وبعيداً عن التكامل مع المحيط العربي ومنها أيضاً محاربة الوحدة العربية، والتشكيك بها هدفاً قومياً كبيراً، والترويج للدعوات الإقليمية، والصلح مع الكيان الصهيوني على حساب فلسطين وشعب فلسطين. الآن وبعد مرور خمسين عاماً على قيام ثورة 23 يوليو تقف جماهير الأمة العربية في مصر لتؤكد أن مبادئ الثورة ستظل الهادي لموكب العروبة الزاخر بالعطاء والانتماء على الرغم من كل الأصوات الحاقدة و المسعورة التي غدرت بالثورة وبمبادئ الثورة وما خروج الملايين من أبناء مصر العروبة في الأسابيع الأخيرة تأييداً لأبطال الأقصى، ووفاءً لمبادئ ثورة 23 يوليو الخالدة إلا تصديق لوفاء مصر لعروبتها ورفضها لكل أنواع التطبيع مع العدو الصهيوني. الهوامش: (1)ـ توفيق الحكيم، اللامنتمي، أحمد محمد عطية، دار الموقف العربي، القاهرة. (2)ـ توفيق الحكيم، عودة الوعي. (3)ـ ثروت أباظة، شعاع من طه حسين. (4)ـ أنيس منصور، الأهرام 7 أبريل1978. (5)ـ أحمد محمد عطية، عبد الناصر ومابعد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر. (6)ـ توفيق الحكيم، بين الوعي والغيبوبة، عدنان الملوحي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |