جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الصحافة الأدبية المتخصصة ـــ د.أديب خضور

الصحافة الأدبية المتخصِّصة هي الصحافة المَعْنية أساساً في نشر الإبداع الأدبي بمختلف أجناسه ومدارسه (الشعر والمسرح والقصة القصيرة والرواية...الخ)، وإيصاله إلى أوسع جمهور ممكن.‏

ارتبطت الصحافة تاريخياً، باعتبارها (وسيلة الإعلام الجماهيري الأقدم)، بعلاقة وثيقة مع الأدب، للاعتبارات التالية:‏

1 ـ وحدة المتلقي:‏

ظهرت الصحافة والأدب استجابة لحاجات ومتطلبات طبقة اجتماعية واحدة. وهذا ما يفسِّر وحدة متلقي الأدب والصحافة. بمعنى أن قارئ الصحيفة الأساسي في البدايات الأولى كان هو في الأساس قارئ الأدب. وقد حصل هذا ضمن سياق تاريخي محدَّد.‏

كان ظهور الطبقة الوسطى واحدة من أهم نتائج عصر النهضة وانتصار البروجوازية (الطبقة الثورية الصاعدة) على الإقطاع الآفل. وعرفت الطبقة الوسطى اتساعاً متزايداً رافق ترسيخ وتعميق مبادئ وقيم الثورة الصناعية، ولم يَعُد الكتاب، وغيره من وسائل الاتصال السابقة، كافياً للاستجابة للمتطلبات الجديدة للطبقة الوسطى، أو قادراً على إشباع حاجاتها الإعلامية والثقافية. لقد انتشر التعليم في أوساط هذه الطبقة استجابة لمتطلبات الثورة الصناعية. كما أن عملها في الصناعة والتجارة والخدمات جعلها بحاجة إلى كثير من المعلومات والخبرات. ظهرت الصحافة وانتشرت في هذا المنعطف الهام من تطور البشرية.‏

في العصور الوسطى، عصور الإقطاع المظلم، انحصر الأدب في المؤسسات الدينية أو الحكومية. وانشغل بقضايا بعيدة عن عالم البشر وواقعهم وانشغالاتهم. وبظهور الطبقة الوسطى، واختراع الطباعة، وظهور الصحافة وانتشارها، تحرَّرَ الأدب من قيوده السابقة، واندفع صوب الواقع، وصوب البشر ليشبع حاجاتهم الإنسانية والروحية والجمالية.‏

2 ـ الاعتماد المتبادل:‏

وجدت الصحافة الوليدة في الأدب، وسيلة فاعلة للوصول إلى وجدان القارئ، والتأثير عليه. كما وجدت فيه أداة لتحقيق المزيد من الرواج والانتشار في أوساط الطبقة الوسطى الوليدة والمتعلمة والحيوية. ووجد الأدب، بشخصيته الجديدة، في الصحافة وسيلة هامة للخروج من حدود الجمهور النخبوي المحدود، والوصول إلى الجمهور الواسع.‏

3 ـ التفاعل المتبادل:‏

ارتبط الأدب والصحافة في علاقة تفاعلية غنية انعكست إيجابياً على كلٍ منهما. الأدب، جعلَ الصحافة أكثر إنسانية، وجاذبية، وأوسع انتشاراً. وحتى الأمس القريب، لم تكن تتردد كبريات الصحف اليومية في تخصيص المكان البارز في صفحتها الأولى لقصيدة لشاعر هام.‏

كما أن الصحافة جعلت الأدب أكثر واقعية، وأكثر قرباً من قضايا الأرض وبعداً عن قضايا السماء، وأكثر التحاماً بهموم البشر، ومشاكلهم واهتماماتهم، يؤكد تاريخ الأدب أن القصة القصيرة نشأت في أحضان الصحافة، واتخذت لنفسها منذ البداية الوجهة الاجتماعية التي اختارتها الصحافة. كما أن مضمون القصيدة الاجتماعية ظهر وتوطَّدَ بإسهام كبير من الصحافة. والصحافة هي التي جعلت الرواية واقعية. وقد مَهَّدَ التحقيق الصحفي لظهور الرواية.‏

ومن الثابت علمياً كذلك أن الصحافة أسهمت في تجديد اللغة، وربطها بإيقاع الحياة اليومية، وجعلها أكثر مقدرة على مواكبة المتغيرات، والتطور بإيقاع موازٍ لإيقاع تطور العصر. أغنت الصحافة اللغة، وأسهمت في تخليصها من كثير من مُعِيقات التطور، وأخرجتها من عزلتها، وقرَّبتها من البشر الحقيقيين. في ضوء ذلك يمكن فهم قول بعض الغلاة المتعصبين للصحافة: إن الصحافة هي صانعة الأدب واللغة الحديثين.‏

2 ـ وحدة الكادر:‏

لم يرتبط فقط ظهور الصحافة بالأدب بشكل وثيق، بل إن الكادر العامل في الصحافة والأدب وخلال فترات طويلة من تطور الأدب والصحافة، وفي كثير من المجتمعات، كان واحداً. ولم يكن ممكناً التمييز في كثير من الأحيان بين الصحفي والأديب. فكثير من المشتغلين بالأدب أصدروا كبريات الصحف. كما أن الكثير من الأدباء عملوا في مجال الصحافة. ظهرت الصحافة وتحوَّلت إلى مهنة دون أن تمتلك كادراً خاصاً بها. بل استعارت كادرها أساساً من الأدب. و تبرز هذه الحقيقة على نحو أكثر وضوحاً في تاريخ الصحافة العربية وخاصة في البدايات الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع بوادر ظهور مشروع النهضة العربية. ولم يعد يبدو من قبيل المبالغة الرأي القائل بأن الصحافة العربية نشأت في محراب الأدب والفكر، واستمدت من هذا المحراب مقوِّمات وجودها.‏

الحياة الأدبية:‏

أدت عوامل عديدة إلى تطور الحياة الأدبية، وازديادها خصباً وتنوعاً وغِنى. ومن أبرز هذه العوامل:‏

1 ـ انتشار التعليم.‏

ب ـ الآثار الثقافية التي ترتَّبت على انتشار التعليم.‏

ج ـ ارتفاع المستوى المادي للفرد وزيادة وقت الفراغ لديه.‏

د ـ ازدياد الحاجات الروحية والوجدانية وتنوعها لدى الفرد، وارتفاع مستوى تذوقه الجمالي.‏

هـ ـ اتساع دائرة انتشار الأدب لأسباب تقنية وإنسانية.‏

و ـ تحويل عملية نشر الأدب إلى صناعة.‏

ز ـ تحوُّل الإبداع الأدبي إلى فعالية مجزية مادياً.‏

ح ـ تزايد أهمية الدور الذي أخذ يلعبه الأدب في التنشئة الاجتماعية للفرد، وفي تكوين شخصيته.‏

ط ـ كثرة التيارات والمدارس الأدبية وتباينها، وارتباطها الوثيق بالتيارات والقوى السياسية والاجتماعية، واحتدام الصراع بين هذه التيارات والمدارس.‏

فرضت هذه العوامل مجتمعة وجود حياة أدبية غنية، تمتلك مجالها الخاص والمتميز، وتمتلك موضوعها، كما تمتلك كادرها وجمهورها وأساليب معالجاتها. وكان ذلك هو الشرط الموضوعي الحاسم والمحدِّد لظهور الصحافة الأدبية المتخصِّصة.‏

ولم يحدث ذلك دفعة واحدة، بل عبر عملية ممتدة، سارت بشكل موازٍ لدرجة تطور الحياة الأدبية. فقد بدأت الأعمال الإبداعية تتسلل إلى الصحف والمجلات، ثم أصبحت تنشر في زوايا وأركان خاصة بها، ثم تمَّ تخصيص صفحات محدّدة لها، وبعد ذلك صدرت مجلات دورية أسبوعية وشهرية متخصِّصة في نشر الإبداع الأدبي عموماً أو جنس إبداعي معين كالشعر والقصة.‏

وقد استطاعت هذه المجلات أن تلعب دوراً بالغ الأهمية في الحياة الأدبية. صحيح أن هذه المجلات كانت انعكاساً لمدى تطور الحياة الأدبية، ولكنها سرعان ما انهمكت في تفعيل هذه الحياة الأدبية وتطويرها وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها.‏

فقد استطاعت هذه المجلات أن تكون مُعَبِّرة عن تيارات ومدارس واتجاهات إبداعية، أو صانعة لها. تماماً كما هو الحال في الحياة السياسية أو الحزبية. حين يظهر اتجاه أدبي معيَّن يجد في المجلة الأدبية المنبر المناسب لتقديم نفسه، ولبلورة مواقفه ورؤاه ونظراته. كما أن نخبة من اتجاه أدبي معيَّن، تلجأ لإصدار مجلة أدبية متخصِّصة كي تكون معبِّراً عن آرائها ومواقفها، ووسيلة لجمع وحشد المؤيدين والمناصرين ونشر نتاجهم.‏

تتميَّز المجلات الأدبية المتخصِّصة بالسمات التالية:‏

1 ـ يشرف عليها أدباء.‏

2 ـ لا تنشر في الغالب سوى الأعمال الإبداعية.‏

ج ـ تُعطي أهمية خاصة للجانب الفني المتمثِّل في الإخراج.‏

د ـ تعتمد على الاشتراكات أكثر من اعتمادها على التوزيع المباشر في المكتبات والأكشاك.‏

هـ ـ المساحة المخصصة للإعلان فيها محدودة أو معدومة.‏

و ـ تباع بأسعار مرتفعة نسبياً لتغطي تكاليف نشرها.‏

ز ـ هي مجلات تصدرها النخبة وتوجهها لجمهور نخبوي.‏

ح ـ هي مجلات تمثِّل في الغالب تيارات أدبية أو مدارس إبداعية معينة، وتسعى لنشر وترويج قيم هذه التيارات والمدارس وأفكارها.‏

الطلاق بين الصحافة والأدب:‏

تؤكد الدراسة المنهجية لتطور الصحافة المعاصرة والأدب بروز مجموعة من العوامل الموضوعية التي أدت إلى ابتعاد الصحافة عن الأدب، ثم إلى الانفصال بينهما، كمجالين إبداعيين متميزين، في مرحلة معينة من تطورهما. ويمكن تحديد أهم هذه العوامل على النحو التالي:‏

1 ـ التطور العاصف الذي حصل في المجال الصحفي، وأدى إلى اندفاع الصحافة باتجاه امتلاك شخصية خاصة ومتميزة ومختلفة عن أية وسيلة إبداع أخرى.‏

2 ـ تطويع الصحافة الحديثة للموضوعات، ونجاحها في امتلاك موضوعها الخاص. وحتى في مجال الأدب أصبح ممكناً الحديث عن "الأدب الصحفي".‏

3 ـ تطويع الصحافة للغة، ونجاحها في امتلاك لغة خاصة بها.‏

4 ـ تطويع الصحافة الحديثة لأساليب الكتابة والمعالجة ونجاحها في امتلاك أسلوبها الخاص.‏

5 ـ اندفاع الصحافة الحديثة باتجاه ماهو آني وسريع وجزئي، وغلبة الطابع الإخباري عليها، وتواري المضامين الثقافية التي كانت تُثْقِل كاهل الصحافة وتحدُّ من حركتها.‏

6 ـ بروز النزعة التجارية في سياق ظهور المجتمع الاستهلاكي، وتكريس قارئ عادي للصحافة يتميز عموماً باهتماماته الكثيرة والمتنوعة، والتي قد لا تتميز دائماً بالعمق.‏

7 ـ اندفاع الصحيفة الحديثة باتجاه أن تكون أداة لإرضاء المستهلك، وابتعادها، بالتالي، عن أن تكون وسيلة ثقافية، وخاصة بالنسبة للصحافة المسماة "شعبية".‏

8 ـ تزايد أهمية طرق العرض والتحرير والإخراج في الصحيفة الحديثة، وذلك من أجل جذب وإرضاء قارئ لا يريد في الغالب أن يقرأ، وإذا ما أراد أن يقرأ، فإنه لا يريد أن يبذل جهداً.‏

9 ـ ظهور أجيال جديدة من الصحفيين ليسوا أدباء، بل صحفيون فقط، ولا يكنون للأدب و الفكر و الكلمة والرأي ذات الاحترام الذي يكنه الجيل الصحفي الأول، كما لا يؤمنون بالتحليل بل بالإثارة، ولا يحاولون التأثير عن طريق الإقناع بل عن طريق الإيهام والإبهار.‏

10 ـ بروز حقائق في مسيرة تطور الصحافة والأدب، لم يعد ممكناً تجاهلها، وأبرز هذه الحقائق: أن الأدب شيء آخر غير الصحافة. صحيح أن كليهما يعتمد على القلم في أداء رسالته، وعلى النشر في إبلاغها وإخراجها، ولكن باتت واضحة حقيقة أن الصحافة هي أساساً مهنة ، وأن الإبداع فيها مشروط بظروف ممارسة هذه المهنة (ثمة وجهات نظر مختلفة جذرياً حول هذه المقولة). في حين أن الأدب فن. والفرق بين المهنة والفن هو الفرق بين الصحفي والأديب.‏

نتائج الانفصال:‏

بات مؤكداً أن هذا الفراق بين الصحافة والأدب أصبح اتجاهاً لا رجعة فيه، بالرغم من أن وتيرة حدوثه تختلف من مجتمع إلى آخر، ويعود ذلك في تقديرنا لأسباب موضوعية.‏

ومن المؤكد أن هذا الفراق، وبالرغم من إيجابياته الكثيرة التي يتحدث عنها البعض، فإنه أخذ يحرم الصحافة من لمسات إنسانية وجمالية وفنية ووجدانية، كانت تمثل واحات للقارئ المعاصر المتعب. كما أن هذا الفراق حرم الأدب من استخدام الصحافة، باعتبارها وسيلة إعلامية جماهيرية، لتحقيق المزيد من الانتشار والتأثير.‏

ومع ذلك، ما زلنا نرى الكثير من الظواهر والممارسات التي تجسد حنين كل من الصحافة والأدب إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تربطهما في البدايات الأولى. كأن نجد بعض الصحف اليومية تصدر ملحقاً أسبوعياً تخصصه لنشر الإبداع الأدبي، أو تخصص صفحات أسبوعية معينة لنشر مواد إبداعية معينة، والظاهرة الأهم في وطننا العربي في هذا المجال صدور ما يعرف باسم "كتاب في جريدة"، إذ تقوم مجموعة من الصحف الصادرة في عدة أقطار عربية، بنشر أعمال إبداعية مختلفة (شعر، رواية، قصة قصيرة)، في ملحق مستقل يأخذ شكل جريدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244