|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نجيب محفوظ: أنا مصر (1 / 2) ـــد. محمد لطفي اليوسفي- تونس أنا مصر ومصر هي الدنيا. هذا ما نقرأه في المحاورة المطوّلة التي أجراها رجاء النقاش مع نجيب محفوظ وأصدرها في كتاب "نجيب محفوظ صفحات من مذكّراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته". لا يجاهر نجيب محفوظ بهذا التصوّر. لكنه يثبّته في قلب الخطاب وفق نسق ممعن في الزّيغ والتستّر. فيبدأ برسم صورة نورانيّة لكلّ ما يمتّ لمصر بصلة. ههنا يتنزّل التّأكيد على أن أمّه كانت مثالاً للتّسامح الديني. فرغماً عن كون الأمّ مسلمة أمّية تتردّد على الحسين بشكل دائم، فإنها لم تكن تتعامل مع فرعون وناسه على أنهم من الكفرة الذين صبّت السماء عليهم لعنتها بل كانت تجد في زيارات ما تبقّى منهم ومن حضارتهم لذّة ويُمْناً. ولم تكن تعادي النصرانيين من المصريين بل كانت تتبرّك بالأديرة والأيقونات وتصادق الراهبات. يحدّث نجيب محفوظ عن هذا السلوك قائلاً: "والغريب أن والدتي كانت أيضاً دائمة التردّد على المتحف المصري وتحبّ قضاء أغلب الوقت في حجرة المومياوات. ولا أعرف السبب ولا أجد تفسيراً لذلك، فحبّها للحسين والآثار كان ينبغي أن يجعلها تنفر من تماثيل الفراعنة. ثم إنها كانت بنفس الحماس تذهب لزيارة الآثار القبطيّة، خاصّة دير "مار جرجس" وتأخذ المسألة على أنها نوع من البركة." لا يرد استغراب نجيب محفوظ لسلوك أمّه مقصوداً لذاته. ذلك أن الغاية منه إنما هي استدراج المتلقّي ولفت انتباهه إلى أنه في حضرة امرأة توسّع مكانة في قلبها لكلّ ما في أرض مصر من ديانات وحضارات وملل. هاهنا أيضاً تتنزّل المشاهد واللّوحات التي يتناول فيها أوصاف الأب وخصاله. يكتب: "من أبرز سمات أبي الشخصيّة أنه كان يرتدي نوعين من الأزياء نوعاً للشتاء وآخر للصيف. ففي الشتاء يرتدي "البدلة" وفوقها "البالطو"، وفي الصيف يرتدي "الجبّة والقفطان". أما الطربوش فعامل مشترك يرتديه شتاءً وصيفاً. وكان ذلك أمراً غريباً بالنسبة لما هو شائع في تلك الأيّام. فالذي يرتدي الملابس الإفرنجيّة لا يرتدي الملابس الأزهريّة، والعكس صحيح." لا يحدث نجيب محفوظ عن ملابس أمّه ولا يذكر أي ملمح من زيّها. لكنّه يتوقّف عند لباس الأب ويحدّث عنه بالّتفصيل. ولا يمكن أن يعتبر الصمت أو الكلام، في هذه الحال، مجرّد اتّفاق وبخت. فللمسألة دلالتها الخفيّة. لا يمكن اعتبار السكوت عن لباس الأمّ راجعاً إلى الحشمة أو إلى نزعة حريميّة متكتمة تختار أن تعلن عن نفسها بشكل مداور، فيتمّ السكوت عن ملابس الأمّ وزيّها ويقع تفصيل القول في زيّ الأب وملبسه. ذلك أن الخطاب لايغيّب الأمّ بل يركّز على خصالها وفضائلها. وهذا ما يجعل من التوقّف عند ملابس الأب لدى كاتب يتقن التصرّف في الكلمات أمراً طافحاً بالدلالات المثبّتة في صميم تلك التفاصيل والأوصاف. إن الأمّ تقدّم على أنها امرأة مثال. إنها مصريّة خالصة. وكونها مصريّة هو ما جعلها تتّصف بخصلة التسامح الدّيني وتعشق كلّ ما في أرض مصر من ديانات وحضارات وملل. أما الأب فإن ملبسه يأتي ليومئ إلى أنه أب مثال أيضاً. إنه مصريّ خالص. ومعنى كونه مصريّاً أنه متفتّح على الدنيا قاطبة. فهو يلبس البدلة ويلبس الجبّة ويصالح بينهما، ويتوّجهما بالطربوش الشرقيّ. إنه، بمعنى آخر، يجسّد البعد الحضاري الذي يجعل من مصر ملقى الحضارات. وزيّه دالّ عليه. إن الأب والأمّ وجهان لانتماء واحد. وهما وجهان لمصر. التسامح والتفتّح والتمسك بالأصالة والانفتاح على الدّنيا. إنهما وجهان لثراء مصر وغناها ورسالتها الحضاريّة. من هنا يصبح تمجيد الأب والأمّ على هذا النحو مجرّد وسيلة يوظّفها الكاتب للإلحاح على أنه طالع من كلّ هذا الثراء. إنه ابن مصر. مصريّ خالص هو. لقد ورث هويته تلك من جهة الأمّ والأب. ثمّة في هذه المذكّرات نوع من التماهي بين صورة الكاتب وصورة مصر. ولذلك يحرص نجيب محفوظ على ترميز صورة مصر فتصبح صورة مجسّدة لكلّ ما هو أصيل وخيّر ونبيل. ويصبح الكلام عن مصر بمثابة إعلاء للذّات وتمجيد لها. غير أنه يتوسّل غايته تلك بابتناء صورة لمصر في منتهى البهاء والنورانيّة. وليس مصريّاً كلّ ما يشين المرء أو يحقّره. ضرب النساء والسّكر والفظاظة وشهادة الزور كلّها صفات قبيحة لا يمكن أن يتّصف بها المصريّ. فتلك صفات غير المصريين. هذا ما يظلّ حديث نجيب محفوظ يبتنيه في الكلام بطريقة عنيدة لا تكلّ ولا تهدأ. إن شخصيّة "سي السيّد" التي ابتدعها نجيب محفوظ في الثلاثيّة شخصيّة متجبّرة تجسّد صورة الزوج الفظّ والأب القاسي. وصفاته تلك كافية وحدها لتجعل مبتدعها يتبرأ منها ويجرّدها من أهمّ صفة يمكن أن يشرف بها المرء ويمجد. إن "سي السيد" ليس مصريّاً بل هو من الوافدين على مصر من بلاد الشّام. أما زوجته التي تحيا الويل وترضى بالإهانة والإذلال فإنها لا يمكن أن تكون مصريّة هي الأخرى. إنها من الوافدات الشاميات على أرض مصر. بهذا يجاهر نجيب محفوظ حتى يوقّي المتلقّي من خطيئة توهّم أن "سي السيّد" يمكن أن يكون شخصياً مصريّاً أو يمكن أن يكون نجيب محفوظ قد استلهم شخصيّة والده فيما هو ينجز الثلاثيّة. فتلك كلّها فعال غير المصريّين وصفاتهم. يعلن نجيب محفوظ متبرّئاً: "كانت شخصيّة والدي تتحلّى بقدر كبير من التسامح والمرونة والديمقراطيّة،ليس فيها استبداد أو عنف، ولا علاقة لها بشخصيّة "السيّد أحمد عبد الجوّاد" بطل "الثلاثيّة". بل كانت شخصيّة "سي السيّد" تنطبق أكثر على جار لنا شاميّ الأصل اسمه "بشير" استقرّ هو وزوجته ـ وهي شاميّة أيضاً ـ في مصر." على هذا النحو الممعن في المواربة والتخفّي يتواصل حدث تبرئة مصر والمصريّ من كلّ ما يمكن أن يشين. وتتوالى التصريحات التي تلحّ على ذلك. فيعلم نجيب محفوظ متلقيّه المفترض أن أزواج شقيقاته كانوا من المصريين. وكانوا يتّسمون بما يتّسم به المصري من نبل وحسن معاشرة للمرأة إلاّ وحداً منهم كان فظّاً غليظاً. وهو إنما يتّصف بتلك الصفات لأنه ليس مصريّاً. بل هو من أصل كرديّ. يكتب مستنكراً فعال هذا الصّهر: "الوحيد الذي كان فيه بعض ملامح "سي السيّد" هو زوج شقيقتي "زينب". فقد كان صعيديّاً من أصل كرديّ. كان فظيعاً." غير أن هذه الشقيقة المنكودة الحظّ لم تكن مثل زوجة "عمّ بشير" المرأة الشاميّة التي رضيت بالمهانة والمذلّة. إن هذه الشقيقة مصريّة. في عروقها تجري دماء مصريّة خالصة. لذلك لم تكن ترضى بالهوان والإذلال، بل كنت تواجه زوجها الكرديّ الفظّ. حتى لكأنها تذكّره بأنها كريمة المحتدّ نبيلة الانتماء، أي تذكّره بأنها مصريّة. يحدّث نجيب محفوظ عن كلّ هذا في إيماءة عابرة فيستدرك متحدّثاً عن شقيقته: "ومع ذلك كانت عندما يفيض بها الكيل تقف في وجهه بشراسة." ثمّة في هذه السيرة أيضاً شخص لم يتورّع من الإدلاء بشهادة زور. إنه "الشمّاع" أي "المسؤول عن فتح الحنفيّة وإدارتها" في الحيّ. وعن هذا الشاهد الكذّاب محرّف الحقائق يقول نجيب محفوظ: "كان لهذه "الحنفيّة" مدير اسمه "نجيب حنفي" من "النصارى الشوام" الذين استقرّوا في مصر. كان الرجل يجانب "الحنفيّة" لكي يفتحها لمن يريد الماء. وذات مرّة تشاجر مع بعض نساء الحيّ. ويبدو أنه شهد ضدّهنّ شهادة زور." هكذا تُطرد الشوائب كلّها وتُرمى خارج مصر. إن ما يمكن أن يشين أو يحقّر لا يمكن أن يطلع من مصر. بل يأتي من خارجها. وعلى بقيّة الملل والنحل أن تتحمّل عبء هذه الرّغبة الجازفة الجموح في جعل صورة مصر بياضاً حتى لا دنس ولا معرّة. ولا يمكن للمتلقّي، مهما كان ماكراً، أن يشكّك في صحّة هذه المعلومات والأوصاف التي ينزّه منها المصريّ ويُرمي بها غير المصريين. لأن التشكيك يصبح، في هذه الحال، نوعاً من محاكمة النوايا واتّهاماً للكاتب بقلّة الأمانة. بل إن التشكيك يعني إبطال العقد الذي عليه جريان الصّلة التي تربط بين صاحب المذكّرات ومتلقّيها. ومدار هذا العقد أن المتلقّي لابدّ أن ينطلق، لحظة القراءة، من فرضيّة أن الكاتب يقول صدقاً. إن أغلب الدراسين الذين تناولوا جنس السيرة الذاتية والمذكّرات بالتحليل من أمثال فيليب لوجون Lejeune Philippe وجورج ماي George May، إنما بنوا مقرّراتهم على مقولة "الميثاق". وهي مقولة يعرّفها فيليب لوجون قائلاً: "إن ميثاق الذاتيّة... هو تعاقد أدبي على الصدق والتصديق." غير أن الإلحاح على مقولة "الميثاق" أو العقد الذي يربط بين منتج الخطاب ومتلقّيه كثيراً ما جعل القراءة، لدى هؤلاء المنظّرين، تنطلق من التسليم بأن منتج الخطاب ينقل أحداثاً واقعيّة جرت بالفعل ولا يستعرض استيهاماته الفرديّة. بل إن قراءة النصوص في ضوء مقولة "الميثاق" أو العقد كثيراً ما أهملت الحديث عن الصورة التي يرسمها منتج السيرة لنفسه من قبيل التوهّم والاستيهام. ولم يقع التفطّن أيضاً إلى أن صاحب السيرة أو صاحب المذكّرات لا يمكن أن يكون سيّداً على خطابه يتحكّم في إجرائه مثلما يحلو له. فللكلمات مكائدها. ولها أيضاً ثاراتها. وكثيراً ما يفصح الخطاب عمّا لم يجل بخاطر منتجه أصلاً. ولمّا كانت المذكّرات إنما تقوم على انتقاء وقائع وأحداث طواها الزّمن، ثم تعيد صياغتها في الكلام، فإن الاختلاف يجد له موضعاً ويشرع في العمل. وبذلك لن يكون العالم الذي يبتنيه صاحب المذكّرات مطابقاً للعالم الذي شهد الأحداث. ثمّة فجوة تحصل بين النصّ المبدَع ووقائع حياة المؤلّف كما جرت في التاريخ. من هنا تستمدّ عمليّة تأويل الخطاب المبدَع أهميّتها وخطورتها أيضاً. إن التّأويل ليس سوى رحيل داخل الفجوة التي تنشأ في لحظة الكتابة بين الماضي معيشاً والماضي مبدَعاً ومصاغاً في شكل نصّ أدبيّ. وليس التأويل، في هذه الحال، سوى التقاط لعمل الاختلاف ومقدرته الهائلة على جرّ الكاتب إلى الإفصاح عن قناعاته المضمرة ومسلّماته المسكوت عنها. فالعلامات الواردة في الكلام تشير كلّها إلى أن حرص نجيب محفوظ على طرد الشوائب التي يمكن أن تشين من مصر وإبعادها عن ناس مصر، مسألة لا تخلو من دلالة على أننا في حضرة خطاب يخلق نوعاً من التماهي بين صورة الكاتب وبلده. بها يشرف وبه تمجد. وهذا ما سيتضح أكثر عندما يستعرض نجيب محفوظ مواقفه من القضايا العربية والتمزّقات التي عاشها الوطن العربي ويمعن في الحديث عن نفسه لا باعتباره روائياً متميّزاً بل باعتباره طريقاً مؤدّية إلى الخلاص ومن يسير على خطاه هو الذي ينجو. وهذا ما سأبينه في الحلقة القادمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |