|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
(لا تحرج الموت الجميل) متاهة الاغتراب والدوائر المغلقة ـــ خليفة حسين مصطفى تتميز القصة القصيرة عن غيرها من الأجناس والإبداعات الأدبية الأخرى بخاصية فريدة، وهي ما يسمى لدى النقاد بخاصية وحدة الانطباع، وهذا المفهوم يرتبط في العمق بالقصة القصيرة التي من النادر أن يتسع أفقها أو إطارها إلا للحديث عن شخصية مفردة، وهي ما يفرض وحدة الموضوع وسياقه السردي وعدم تفرغه في أكثر من اتجاه، فهناك على الدوام عاطفة مفردة وموقف مفرد، وفي حالة تعدد هذه المفردات فلابد من توفر حالة من الإيقاع والجو النفسي التي يوحدها ويربط بين تفاصيلها ويضعها في قالب واحد، فلا يجوز وجود أكثر من فكرة واحدة تتحقق في القصة القصيرة من البداية إلى النهاية، وهي التي تشكل بالتالي المحور الفقري لهذه القصة وبنائها الفني. ومع تعداد المدارس والمذاهب الفنية في القصة القصيرة، فلابد من أن نشير هنا إلى أن القصة الحديثة تنقسم إلى اتجاهين رئيسيين، فالاتجاه الأول يتركز على الشخصية المفردة بكل ما تحمل في أعماقها من مشاعر وانفعالات بإزاء العالم المحيط وما يموج به من أحداث وأفكار وقيم وسلوكيات أخلاقية وأعراف اجتماعية فلا يخرج عن دائرتها، والاتجاه الآخر يمكن تلمسه أو رصده من خلال المجموعة وطقوس حياتها وممارستها المضطربة وتعادلها وما يستبد بها من مشاعر القلق والحيرة وهذا الاختيار هو الذي يحدد موقف الكاتب وكيفية تعامله مع شخوصه الفنية وأفقه الفكري ونظراته إلى الحياة ومنهجه في بناء الشخصية واختيار الحادثة والزاوية التي يطل منها على العالم من حوله، كما ينعكس ذلك بوضوح على الشكل الفني لقصته ومفرداته اللغوية والأسلوب الذي يتبعه في الصياغة وما يهدف إليه، وهو من خلال كل ذلك يحدد فلسفته وتجاربه الشخصية وخبراته في الحياة وتعاملاته مع الناس الذين هم في النهاية المادة القصصية التي يلجأ إليها عند الشروع في الكتابة، كما يحدد مفهومه لفن القصة ومفاهيمه الإنسانية في نفس الوقت. وعندما نتوقف عند أعتاب المجموعة القصصية للكاتب القصصي "زياد علي" وهي المجموعة التي صدرت له مؤخراً بعنوان: "لا تحرج الموت الجميل" فإن أول ما ينطبع في الذهن حول هذه القصص هو أن مؤلفها ينتمي إلى الفئة الأولى من الكتاب الذين ينصب اهتمامهم على الفرد ومعاناته وقضاياه الملحة في مواجهة واقعه المأزوم، وفي علاقته بمجتمعه الكبير ونحو علاقته بالزمن وطبيعة الظروف السائدة، وما يمثله كل ذلك من دلالات فكرية وفنية تتجاوز المظهر الخارجي إلى الطبيعة الإنسانية في حيويتها وتدفق مشاعرها، وبهذا المعنى فإن "زياد علي" يمثل نمط الكاتب الذي ينشغل بإقامة جسور من العلاقات الحميمية بالآخر الذي هو أنا وأنت وكل الناس الذين يحرص على أن يخلق بينه وبينهم رابطة إنسانية تتسم بالشفافية والألفة، وهذا ما يفرض عليه أن يبوح لك بما في نفسه كما يفضي صديق إلى صديقه بهمومه التي هي في جوهرها هموم الآخرين، يروي لك حكاية أو قصة تفتفت تفاصيلها من خلال جو الجلسة الودية بينهما، فتراه يتحدث دون كلفة أو تحفظ، إلى حد أنك تغفل وأنت تستمع إليه بشيء من الحرارة إنه إنما يروي لك قصة من تأليفه، جهد طويلاً في إعدادها فنياً بما يجعل لعمله نكهة خاصة. هناك أمثلة كثيرة في هذه المجموعة القصصية يمكننا أن نستدل بها على هذه الروح المفعمة بمشاعر الخطاب الإنساني، ففي السطور الأولى من قصته "عمي جميل" يقول "زياد علي": "إنها محاولة لرصد ملامحه بعد هذه السنوات، وجه ناعم أبيض قليل الشعر تميزه ابتسامة باهتة، ربما السبب في ذلك العيون التي لا ترى هذا العالم، والتي تتفق مع الجفون على حماية آلة البصر من الأتربة وتقلبات الزمن، فيكون انشداد الجفن سبباً في هذه الملامح التي يكتسبها الوجه البعيد عن الخشونة، ويؤكد على ذلك الصوت النسائي الناعم، والحركات التي لا تتوقف من اليدين، مع ضرب كف بأخرى، إضافة إلى تحريك الجسم وخاصة القاعدة والحاجبان". إن "زياد علي" عندما يبدأ قصته بقوله: "إنها محاولة لرصد ملامحه بعد هذه" فهي محاولة من جانبه لإشراكنا معه في التعرف على هذا الرجل وحجم مأساته وتطورات حياته في الظلمة التي تعمه، فهناك أشياء مجهولة لم يقلها بعد، وما كاد يطمئن إلى أننا ننصت إليه وأن الحديث يروق لنا فإنه يقرر أن معرفته بعمى جميل هذا لم تأت بالصدفة وإنما هي تعود إلى علاقة قديمة، فهو إذ يعرفه عن قرب، ونحن أيضاً قد نكون عرفناه أو التقينا به ذات يوم، ولذلك فقد نكون ملمين ببعض الصفات التي لم تذكر في القصة، ويمكننا في هذه الحالة أن نتذكرها أو نتخيلها على الأقل. ووفق هذا التصور فإن هذه الشخصية تحتاج منا إلى قدر من الانتباه والتأمل، كما ينبغي أن نتابع وقائع حياتها إلى النهاية، فهنا بعض الأشياء التي ما زالت غائبة عنا حتى الآن. وقد جاء في تفاصيل القصة أن عمي جميل يقوم بجلب الماء من الحنفية العمومية إلى البيوت وأنه بحكم مهنته هذه أصبح أقرب إلى عالم النساء منه إلى عالم الرجال إلى حد أنه تطبع بطباعهن وصار يقلدهن في كل شيء، وبمرور الوقت اكتسب من الصفات النسائية الكثير حتى إنه عندما يضحك: "يخيل إلى السامع أنه يستمع إلى فتاة بكر بخجلها عندما كان ما يزال موجوداً نحو ذلك الزمن البعيد". ولعل طباعه النسائية هي التي حدت بالأطفال إلى ملاحقته بأغنية يقول مطلعها: جميل جميل. جميل يبي مرا يبيها يبيها.. ما يخدم غير عليها يقول المؤلف: "هذا ما كنا نتغنى به، ولم نقف يومها لنسأل أنفسنا: هل حقاً عمي جميل كان يريد امرأة". ومع أن هذا السؤال يبقى معلقاً في الفراغ فإن إجابته معروفة، وكذلك الأمر في قصة: "حكاية صاحبي" وهذا العنوان ينضح بالألفة تجاهك وتجاه الآخرين جميعاً، وفي هذه الحالة يذهب بك الفضول مداه إلى معرفة من يكون صاحب المؤلف هذا، وما هي حكايته، في البداية نتعرف على ملامحه الظاهرية وقد جاءت على النحو التالي: "لم يكن يملك أكثر من صحته، طويل عريض، في سنوات شبابه لا يحسب لها أي حساب. دنيا بنت كلب.. العمل غير متوفر والمعيشة صعبة، واللقمة تحتاج إلى العرق، وشراء حمار يجر العربة حلم بعيد، ولكن الأقرب وضع نفسه موضع الحمار، لا يهم فما سيصرفه عليه يوفره، فالنفس أولى من الصاحب". وهنا قد يخيل إليك بأنه ليس هناك ما هو جدير بالاهتمام في هذه القصة فالرجل فقير إلى حد العظم، ولذلك فقد قرر عدم التفكير بشراء حمار لجر العربة لأنه لا يجد ما يطعمه إياه، وهو مضطر إلى أن يجر العربة بنفسه، ولكن المؤلف لا يتركنا لهذا الشعور المخادع، فالثقة مازالت في أولها، وبذلك فهو يستطرد قائلاً: "اختار محطة القطارات للوقوف، يبحلق في الوجوه التي يقذف بها القطار لمدينة طرابلس". ويبدو هنا كما لو أن الكاتب يتوجه إلى القارئ مباشرة بدعوته إلى مرافقته في اتجاه محطة القطارات لكي يشهد بنفسه ويرى بعينيه ما يجري هناك من أحداث، وليطلع على ما يكابده بطل قصته من مشاق ومعاناة في كسب رزقه. وهكذا نرى الشعور اليقظ والوعي بمآسي الناس يحتل مساحة كبيرة من قصص المجموعة، وكأن ما يهم الكاتب بالدرجة الأولى أن يقدم إليك هموم الآخرين كما هي في الواقع دون ألوان أو إثارة هو في غنى عنها، ومن الضروري في هذه الحالة أن تشاركه انفعالاته وهو يمسك بك من يدك مشيراً إلى صاحب العربة الخشبية الضائع في الزحام، ولتدرك معه كم أن الحياة قاسية وظالمة في كثير من الأحيان. عندما يصل القطار إلى محطة طرابلس يندفع الحمالون في اتجاهه في فوضى عجيبة، وصاحب العربة الخشبية أحدهم فيجد من يدعوه إليه لكي يحمل له صناديقه الثقيلة في مقابل خمسة قروش، ومع أن هذا المبلغ قليل إلا أنه يقبل به مضطراً، فلا خيار أمامه، لكنه عند اقترابه من مجرى وادي المجينين الذي يصب في البحر قريباً من حمام قرقارش تخونه قواه فيعجز عن عبوره بعربته الثقيلة، وهنا يقرر أمراً، "قرر أن ينهي مصافحة ذراعي "الكرطون" فارتفعت عالياً، استدار إلى الخلف ليتخلص من الحبل". رأى الصناديق وصاحبها في المياه الطينية، صعب عليه أن يتركه دون كلمة فقال له: -خليتك في عافية". وأكمل طريقه راكلاً بقدمه مياه الغدير، راكلاً كل أحلامه الصغيرة، متجهاً إلى منطقة باب بن غشير". وكما يتضح عند تأملنا لهذه المجموعة القصصية في سياقها العام، فإن المؤلف برغم ما يبديه من تعاطف مع شخوص قصصه الذين ينتقيهم بدقة من وسط الناس كنماذج إنسانية تمثل واقع الحياة بكل صورها، لا يتدخل في مصيرهم، ولا يحاول أبداً أن يحركهم كالدمى، فنراها وهي تمضي بهدوء إلى قدرها المرسوم عند خط الأفق، على أن المسألة ليست هي في جوهرها مجرد استعراض لنماذج بشرية هائمة في هذا العالم الكبير كما هي ليست من ناحية أخرى عملية استحضار لهذا الشخص أو ذاك في موقف من المواقف التي تفرض ردود فعل محددة، فالكاتب لا يتخذ موقف المتفرج، بل هو يندمج مع الواقعة أو الحدث القصصي، ويندمج مع شخوصه في وحدة شعورية وفكرية عامة، ومع هذا فإنه لا يفرض نفسه على أحد، فكل يتحدد ويتشكل من خلال السياق القصصي، فالبطل مثلاً في قصة: "الغربة في القلب" يعود دوماً إلى النقطة التي يبارحها عند محطة القطارات بمدينة هامبورج "صباح كل يوم: "لا أحد على ما يبدو، عدا الريح الباردة التي دائماً لا تعرف ما تريد، والتي تنغرس في الجلد مثل إبر ثمرة التين الشوكي دون أن تراها العين، متسكعة، مضطربة، حاملة للمسام قشعريرة، هكذا هي دائماً تزغرد في فرح وحزن". فالكاتب في هذا المشهد القصصي يرى الأشياء بعيني الشخصية القصصية كما انطبعت في ذاكرته على مر الزمن، وكما تظل حتى النهاية، فالرجل في القصة يعاني من الغربة، وغربته تبدأ من إحساسه بجمود الأشياء من حوله، ببرودتها وكآبتها، بدورانه من حولها إلى أن يصيبه الدوار، ولذلك فهو يقول: "هذا البلد لا يقبل أن تكون بسمائه نجوم، المفروض أن يتحول الجميع إلى أرقام. من لا يقبل ذلك سيفقد الراحة. من يقبل سيفقد نفسه. في الغربة تفقد كل شيء". وكما هو الشأن في بقية قصص المجموعة فإن الكاتب يحرص كل الحرص على استقلالية أبطال قصصه فلا يتدخل في شؤونهم إلا بقدر ما يسمح السرد القصصي وخير نموذج لهذه الحقيقة قصة: "هل كان حياً" ففي هذه القصة يبدو مشهد "الحاج علي" مغلفاً بالبؤس والتعاسة وكأنه شبح، أو كما لو أنه في النفس الأخير، وزياد علي يصفه على النحو التالي: "يده تحتضن رأسه المنكفئ على الأرض مهموماً، مستنداً على قبر الدنيا، النمل الأسود المزعج يتسلق ساقيه ويعضه، يبحلق من بقايا رموش عينيه المملوءة بالتراب في اتجاه حجارة الجدار، فيما كان أبرص، يتحرك بحذر عبر الشقوق". وتصل بهذا الرجل حالة الشرود والجمود والانصراف إلى تأمل عالمه الباطني إلى حد الشعور بأن العالم الخارجي لم يعد له وجود، فهو لا يحس بشيء مما يجري من حوله، ولا يرد على تحية أحد، ولا يجيب على أي سؤال حتى إذا كان عن أحواله وصحته، وعندما نبهه أحدهم إلى ذلك أجابه بقوله: -سمعته يا ولدي يسأل، "يحاسبني حي". والحج علي كما هو واضح يعاني من موت معنوي، فما عاد يرى أبعد من ظله أو ابعد من صدى أفكاره. ويبقى أن نشير هنا إلى أن زياد علي في مجموعته القصصية، وهي الثالثة بعد "الجذع المتوحش، والطائر الذي نسي ريشه" يوجه عنايته إلى جماليات التعبير مدققاً في مفرداته ولغته القصصية وأسلوبه الذي يتسم بالبساطة والرقة، وهو لا يعول على هذه الجمالية اللغوية في إخفاء شيء من الإثارة والتشويق في قصصه، وإنما يتخذها كعنصر أساسي وحيوي في البناء الفني لقصصه، وفي إخفاء طابع الحميمية على شخوصه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |