جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

جمر القلب.. ومصبّات الحنين..!! ـــ حسن حميد

-1-‏

لم أقرأ من قبل شيئاً لـ علاء نعمة.‏

اسم أدبي جديد تماماً، يقتحم عالم الرواية بجرأة ناهضة على ثقافة عميقة؛ ثقافة مرتبة ترتيباً فلسفياً يغذي الرواية ويمدّها بأرضية صلبة.. وفوقها تجول شخصيات، وأمكنة، وأزمنة قلقة، وبحارة، وعواطف، وهموم، ومشكلات، وأحلام، وسعادات محققة تارة، وأخرى.. محلومة.‏

علاء نعمة يكتب رواية عنوانها (جمر القلب)، فيظن المرء أنها رواية عاطفة، وأشواق مضمرة، أو حنين ماضوي، أو خوف من انتظار قد يطول، أو أحزان هجر مدمّى، أو غربة أبدية منقوشة على الذوات.. حالات ومصائر! غير أن حقيقة الرواية تشير إلى أن العاطفة ليست إلا سطحاً أولياً ورحب.!‏

(جمر القلب) رواية مغوية بدءاً من عنوانها.. وانتهاءً بآثارها الجارحة التي ترسّبها في الذات القارئة. رواية مشبعة بطعوم النار التي أوقدتها أرواحٌ فتكت بها أذياتٌ ولود، ومصائبٌ لا نهايات لها، وأحلامٌ لا تطفئها الأشواق المستدامة، تجول بأحداثها شخصيات مهمومة بالمفارق، والمغاير، والحساسية اليقظى.. ذلك لأنها مصابة بداء الرؤيا الكاشفة، ليس للراهن وإنما لما سيأتي من أوقات وأزمنة.‏

رواية لها علاقة بالنداءات النائية العميقة التي (تنده) الآخرين وتشدّهم إليها بالكلام السراني، والأسلوب الرائق الصافي ولكي يقفوا أمام مراياهم الحقيقية (وإن تعددت)، ليروا أرواحهم المعذبة بالمكان، والزمان، والأشواق الأزلية، والماضي الثقيل كالرصاص، والراهن المضطرب، والمستقبل الغائم. رواية تحرك شخوصها لكي تكشف عن الحراك الاجتماعي، والسياسي، والوجداني.. للناس والمجتمع في آن معاً.‏

رواية، من دون استباق، تحكي عن ذواتنا، وأحزاننا وأحلامنا، ومواعيدنا التي لا تصير واقعاً، وعن جروحنا التي لا تندمل، وعن ندوبنا التي صارت كتابنا الأكثر حضوراً، وعن جمالياتنا التي صارت ماضياً أشبه بالباب الكبير الذي ندقه في اللحظة الواحدة آلاف المرات لكي نرى.. أوز الجبل، أو ثلجه، أو لكي نرى دنو البحر منا وأشجاره، أو عرائش العنب وأجمات القصب، أو دنيا الورد والأزهار التي كانت تحفُّ به كالسيّاج.‏

-2-‏

(جمر القلب) رواية لها استهلالها الشائق الذي يضعنا في أجواء العجائبية منذ القصة الإطارية الأولى التي تقدمها راوية الرواية (يارا العياش) التي تخبرنا بأن لديها أوراق ناجي العياد الرجل المجنون بالبحر والنساء والغربة والحنين.. والوطن (عين المزار).. لكن الأوراق كثيرة، وغامضة، ومبعثرة.. وأنها ستصوغ منها (ترتيباً، وتسلسلاً، وقصّاً..) حكاية هذا البحار العاشق للحياة، والسعادة، والغياب.. وعلاقته بـ جلنار السالم، وهزار، وأمل، وإنانا، والاسكرائي (البحار اليوناني العتيق)، وأبي قاسم الزناتي، وزينب (معلمته التي سحرته بثقافتها وأنوثتها فظلت نموذجه الأنثوي.. الأبدي القابل لكل مقارنة، ولكل معيارية مع نساء أخريات)، وزيمان الشريف، ويارا (نفسها)، وأم الريحان (الجدة).. كأشخاص من لحم ودم، ثم علاقته بـ (عين المزار)، وقرطاج، ورين (فرنسا)، والبحار، والموانئ، والمقابر، والشوارع، والبيوت.. كأمكنة.. ثم علاقته بطفولته، وأوقات المدرسة، والليالي الحالمة، والانتظار الطويل، والغياب المركّب.. كأزمنة! ثم علاقته بالقضايا والأفكار.. بدءاً من توقه إلى ازدهار (عين المزار) ومروراً بحياة البّحارة الممتعة، ووصولاً إلى أعمال المقاومة المناهضة للظلم والاستعباد.. والامحاء.. كأحلام دائمة لا تفارق سلوكه أو مخيلته!‏

لا تبدأ الرواية (أو لنقل الأوراق التي حازت عليها يارا العياش) بطفولة اليتم التي عاشها ناجي العياد، ودراسته في مدرسة للأيتام كطفل ذكر وحيد مع صف أنثوي خالص، بل تبدأ بحديث ذاتي يقدمه ناجي العياد في إحدى أوراقه عن المكان (الساحل المتوسطي) وعن أمه وأبيه.. وحياته داخل السفن المصابة بلوثة الانتقال الدائم، والحكايات المتجددة.‏

لكن الأوراق المبعثرة كالشظايا تتضافر فصلاً فصلاً وتتشارط فيما بينها.. لتقدم لنا ليس صورة ناجي العياد البحار الذي يفترع الدروب نحو السعادة (وإن كانت الدروب ضيقة وناحلة والسعادة قليلة أو ضامرة).. بحّار يكوي الآخرين بجمر المحبة وسماً أبدياً علوقاً بالأرواح الباحثة عن الخلاص اقتداء بأمهات البشر.. الأنهار.. والأشجار! وإنما تقدم لنا الأمكنة التي يعيش فيها ناجي العياد، والأزمنة التي تحتويه، والأفكار التي تؤرقه، والمخاوف التي تماشيه.. فنقف عند (عين المزار) المكان المعروف واقعياً، والمرمّز له تسميةً، لكي نرى هجوه للمدينة التي استحالت إلى كتلة من المادية البشعة بفظاعتها ولا إنسانيتها، ونجول في تاريخ (عين المزار) الماضي بكل جماله، وفتنته، وأحداثه، واشتقاقاته الحضارية، ثم نصل إلى قرطاج وعالم البحار، والمعارك، والحروب، والعمران الذي وجد مجداً دالاًّ على رقي الناس، وجمال المعاني. ونعبرُ إلى خبيئات النفوس والعقول.. فنرصد الأفكار والمشاعر وهي ترى المآسي التي تلحقها آلة الدمار الصهيوني بمدينة مثل بيروت، واضطراب الأحوال، والبشر" وقد اختلت الصورة الأصلية للطبيعة، كما اختلّ دوران الأرض في دورانها الأبدي المشتهى. نرى غربة الفلسطينيين وتعدد منافيهم في بيروت، والشام، وتونس.. وإقاماتهم الطارئة والمؤقتة.. وبحثهم عن الخلاص. كما تمر الرواية بتواريخ مدماة، ومآسٍ فاجعة، وعذابات عرفها الأرمن، والشركس،... والفقراء.. وبذلك تبدو الرواية وكأنها تواري أحزانها في أعماقها، خلف واجهة من الأحلام الصغيرة، والأحاديث العذبة، والسهر الماتع، والرسائل الموجعة بحنينها المذاب انتظاراً، وشوقاً، ونجوى.. لكأنها تحكي لنا عن جلجامش، وانكيدو، والعرافات، وتموز وراعي الغنم اليوناني، وآلهة الأولمب.. استهلالاً لأخذنا إلى المرآة الحقيقية.. التي تجسد الأحزان التي استنبتتها ظروف اليباس والقحل!!‏

(جمر القلب) رواية.. نوافذها العشقية، ولقاءاتها الغرامية، ومواعيدها الساحرة، وبحارها الكثيرة.. ليست إلا معبراً نحو العماء الذي أردنا مواراته للخلاص منه، إنها السطح الأولاني النّداه لأعماق تفور مراجلها بقوة نار راعبة..‏

وما من خلاص للأذيات المتكاثرة كالفطر، والمتعاظمة انتشاراً كالغبار.. إلا بالمحبة، دعوة رسولية صافية تخترم الرواية من الغلاف إلى الغلاف، لهذا أقول بطمأنينة.. إن هذه الرواية علامة مفارقة في ديوان السرد الأدبي السوري.. لما اشتملت عليه من براعة في معالجة أخطر القضايا وأصعبها.. بروح فنية تتصادى فيها الثنائيات والمناقلات، والأشواق جمعاً لمصبات الحنين العطشى للفطرة الأولانية.. والمستجيبة تدفقاً لنداءات الأرواح التي كوتها الغربة.. بنارها السوداء!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244