|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
موسيقى بلوز قصة: الكسندر بروكوبييف ـــ ترجمة: د.وليد السباعي البداية.... س ـ كبير هو في منطقة نصف عاتمة، بجانب الجدار، مستديراً بظهره، يستند جزئياً على المنضدة التي وُضع فوقها منفضة سجائر، وكيس مليء بالتفاح، وآلة الحاكي "الغرامافون" التي تنبعث منها موسيقى بلوز. الفتاة التي تلج المكان لا تلاحظه، تحمل قناعين، مخصصين للرجال، أحدهما ضاحك، والثاني حزين. تحتفظ لنفسها بالقناع الحزين، وتقذف القناع الضاحك فوق كيس التفاح. موسيقا البلوز تصدح. تُزيل الفتاة قناعها براحتيها من على وجهها يلتفت هو إليها، ويخرج من الظل. ...... أو يمكن هكذا الترتيب ذاته، الأشياء ذاتها. هو يسمع الأسطوانة صامتاً، ثم يهمس في العتمة: الفارق الوحيد بينهما وبيني يكمن في طريقة استعمال الأحرف. عندما يأتي حرف الباء بعد حرف الألف ثم حرف ف ثم كـ. وأنا أفضل البدء بحرف الميم، ثم أن أعود إلى الألف أو أن أقفز إلى حرف الفاء مباشرة. يعيد الأسطوانة إلى بدايتها، وينسحب ثانية إلى الظل. تدخل الفتاة، من دون قناع، تحمل تحت إبطها رواية غرامية، تتجه إلى المنضدة، تأخذ من الكيس تفاحة وتعضها باشتهاء. التعارف.... ف ـ كبير إنه رجل جميل، طويل القامة، بلباس باهت. أسمر اللون، ملتح، على عنقه خط أحمر: ـ أعذروني أرجوكم. الفتاة (مندهشة): من أنتم؟ كيف دخلتم؟! هو (مرتبكاً): اعذروني إن كنت أضايقكم. هي (مهتاجة): اعملوا أي شيء وكل شيء لكن لا تسببوا لي الأذى. هو (بهدوء أشد): من أنتم؟ من أين؟ أنا لا أعرفكم. ـ لست من هنا. إنني أعبر من خلال المدن فقط... وهكذا... ـ تسافرون؟ ـ غالباً. ـ حسناً. ـ شكراً. تبتسم الفتاة: ـ لماذا تشكرونني؟ ـ تعطيه يدها: ـ أنا سالورا، وبالنسبة للأصدقاء سيمي فقط. يحتضن يدها: ـ يوفان... يوفو. ـ يسعدني لقاؤك يوفو. ـ وأنا أيضاً سالورا. استمرارية التعارف.... س ـ كبير يقفان لحظات يمعن كل منهما النظر إلى الآخر، حتى تحرك الفتاة يدها بكل رهافة: ـ استريحوا. أعطوني المعطف(تعينه على خلعه). اجلسوا بكل حرية. لا تخجلوا. (تقوده إلى الكرسي). ينظر من حوله. يجلس مرتبكاً كرجل لم يجلس مسترخياً منذ وقت طويل. ـ موسيقا؟... ـ عفواً؟... ـ هل ترغبون أن أضع اسطوانة ما؟ (تبحث بين الأسطوانات)، أية موسيقى تفضلون؟... وتجلس قبالته وقد صالبت ساقيها. يبادلها نظرتها لكن بارتباك: ـ موسيقى بلوز. ـ أنتم رجل ممتع. غير عادي. شيء ما يميّزكم عن الآخرين (وبفضول) هل أنتم متزوجون؟... ـ كلا. لست. ـ هناك شيء ما فيكم يعجب النساء. شيء شبيه بالأسرار، ألم يقولوا لكم ذلك حتى الآن؟!.. يحمّر وجهه: ـ كلا. لا أعرف. ـ ماذا تعملون؟ انتظروا... يمكنني أن أخمن؟... ثلاثة احتمالات؟ ـ ممكن(ويبتسم). ـ أعرف. رسام. ـ كلا. بالرغم من أن أشياء كثيرة تربطني بالرسم. ـ انتظروا.... انتظروا. لديكم شيء فنّي. هذا مؤكد ـ وتقترب منه ـ كاتب؟.. يهز رأسه برفق نافياً: ـ كلا. ـ أشعر أنني بت قريبة. هناك شيء ما في عينيكم يقول إنكم مبدعون، إنكم... إنكم... وتقترب منه جداً، وتنحني: قبلوني (وتغمض عينيها). ملامسة... كـ ـ كبير. .... كان الأمر أقوى مني.... يداعبها من وجنتيها برهافة ـ كم أنت صبية... ـ لقد حلَّ الليل ـ وتطمر رأسها في عناقه ـ ليلة حارة بشكل غير معهود. مليئة بالنجوم كأمر ينبئ عن شيء جميل..... أليس لقاؤكم جميلاً، مع كل مفاجآته؟. تمر يدها باتجاه المنضدة. تأخذ واحدة من التفاحات وتعطيها له: ـ خذ. ـ شكراً سيمي. تأخذ تفاحة أخرى وتعضها باشتهاء: ـ حدثني عن نفسك. ـ لا أعلم كيف أبدأ. ـ أريد أن أتعرف إليك وأعرفك. ـ حينما ولجتِ بعمق أكثر حزرتِ بماذا أشتغل. ـ حقاً، من أنت، وما أنت، ماذا تعمل حقيقة؟ ـ متسكع ـ(ويبتسم)ـ لا أمزح سيمي، هد في هو السفر. أنا نفسي لا أعرف إلى متى, ولماذا، لكنني أسافر. ـ والأصدقاء؟ أين هم؟.. ـ آه الأصدقاء.... أنا... لقد كنت غائباً فترة ما، وكان أصدقائي يعيشون حياتهم... أقصد أن الوقت بالنسبة إليهم لم يتوقف كما توقف بالنسبة لي. لديهم هموم مختلفة، بيت، عائلة... أفهم لماذا لم ينسوني. ـ وهل يحافظ الحب عليك؟ ـ يمكن القول هكذا. يمكنني أن أسميه الحب ـ الاكتشاف. فأنا واثق أنني سأصل بفضله إلى شيء كبير. لقد احتجت إلى وقت طويل حتى وجدت الطريق إليه. وحتى الآن لا أعرف أين هو. إنما أعلم أنه موجود. ـ وذلك الحب من النوع الثاني؟ ـ المرأة؟! لا تستحق أن أكون متيَّماً بها. وهو أمر يلزمه وقت طويل. يحتضنها، فتبادله بكل المتعة. بلوغ القمة... كـ ـ كبير ضوء خافت شفيف. الفتاة والرجل في عناق. متدثران حتى منتصفيهما بشرشف أبيض. ينامان بوجهين هانئين شاكرين. من الخارج يقع على المسرح حبل، ويُسمع صوت تأوه وهمهمة. يظهر، زاحفاً على الحبل، بيتر لولو بيتسكو. لابساً معطفاً فضياً طويلاً. يهمس بصوت متقطع: ـ أف.. الطابق الخامس! إن العوالم لا تطمح إلى الأعلى فقط بل هي تختبئ في الأعلى ـ وينهض رأسه يختلس النظر من حوله. ينظف معطفه ـ عمل كعمل الكلاب: صحيح ما قالته لي أمي: انتقِ مهنة إيجابية. دكتوراً مثلاً. محترماً في المجتمع! (يزحف على أربعة فوق أرض الغرفة) ـ انظر...انظر إليه يارعاك الله ـ يزحف إلى الزوج النائم، يتشمّمها ـ هنا تفوح روائح التفسخ والانحلال، رائحة مخلل الملفوف البلدي ـ يمعن النظر إلى الفتاة ـ قطعة جميلة! راهب اغتصب فتاة! إنه اللا معقول كما يقول الفيلسوف. وبما أنك قديس فتحمل حتى النهاية: لا جنس، لا كحول، لا سجائر. جاهد من أجل قداستك. أما هكذا فأنا الآخر يمكنني الحصول على تاج مقدس بينما أصطاد ملائكة جميلة. أيها الراهب! اليوم كل الأوسمة هبطت قيمتها. لا يوجد عدل يا أخي ـ يبحث في جيوبه ويستخرج منديلاً أبيض. يمسح جبينه: ـ ومن ناحية أخرى يمكنني أن أستوعبه. فالإنسان معذب. وهب عمره للعمل المقدس. وكمكافأة رفعوه إلى الجنة. وهناك استوعب أن كل شيء هباء. أن السياسة تتصدر الصفحة الأولى منذ عهد ماقبل التاريخ حتى اليوم. يستوعب أنه كان غبياً! (يطوي المنديل ويعيده إلى جيبه): ـ ومن أجل الشجاعة أنزلوا أمامه قبعاتهم احتراماً، لكن برأس لصق عليها حتى تعود إلى الخلف، حتى تغلق بوابة الجنة من جهتها الخارجية. وبقدر ماهي الأمور مملة هناك ومعقمة بقدر ما تكون الشجاعة. إنه كلام لا غبار عليه!... ينظر إلى القديس يوفان: ـ إنه ينام الآن هانئاً كخروف. وهو في حالة ماقبل الموت. هشّة هي الحدود جداً مابين هنا واللا مكان. خطوة صغيرة فقط ويذهب الرجل..... حسن يقولون إنه شيء مكتوب ومقدّر، وسوف يُعطى بعد موته فرصة أخرى لكي يتمتع، بشكل ملكي. سيكون الوضع أفضل بالنسبة له. فمن يغشون؟! عقل من يملّحون؟! فأبي، حينما لم تكن أمي تستطيع تحمله حتى النهاية ـ وليرحمهما الله ـ كانت تعرف أن تقول لي: ـ يا بيتر الصغير. الحياة قصيرة فاهنأ بها مادمت تستطيع. ـ وتتعثر ـ انتظر يا لولو بيشكو لست مهيأً لتفكر بل لتؤثّر. (يبحث في جيوبه) ـ أين وضعتها؟! آ.... ليست هنا... يا غبي ألا يخدمك عقلك، إلا لحك جمجمتك. فكر... فكر! (لا تضرب على جبهتك) ـ هاهي... وجدتها ـ ويسحب من جيب معطفه الداخلي سكين قصاب بنصل طويل ملتمع ـ والآن إلى العمل! ـ ينحني فوق القديس يوفان ـ اعذرني يا أخي. فالمهمة هي المهمة. لقد كتبت عليك الأقدار أن تضحي، وكتبت لي أن أذبح. لا تهتم. لن يؤلمك. فلولو بيشكو ماهر في مهنته. وفي لحظة يُسمع شخير قصير صادر عن القديس يوفان. ينهض لولو بيشكو ناظراً إلى الفتاة التي ما زالت نائمة. يمسح يديه ـ صحيح ما قالته لي أمي ـ أتمم دراستك الجامعية في وقتها. ستصبح دكتوراً، مهنة ونصف، في وقت السلم ووقت الحرب ـ وينظّف السكين، و ينظر إلى المنديل المدمى بقرف ـ ماذا ينفعني كل ذلك؟... لماذا حشرتني في جنون كهذا؟ أشعر كغبي تغوط في لباسه. الدراما أكثر مما يجب، والصراخ أعلى مما ينبغي. يمشي بحذر شديد على كعبيه: ـ اسمع لقد زلت أقدامك عميقاً. ولن يستطيع أحد انتشالك: لا أمك ولا المسيح ذاته. هل وضح الأمر لديك! يهز رأسه نفياً. يفرد يديه، وهكذا يغيب عن المسرح. بعد ذلك بقليل يتم سحب الحبل. يُسمع تنفس الفتاة المنتظم. النهاية.... س ـ كبير الوسط المحيط أبيض، أبيض تماماً، حتى إن ألبسة الملائكة البيضاء تذوب في بياض المكان العام. وترقم الملائكة على وجوهها أقنعة مبتسمة موحدة. الإله لا يمكن رؤيته. إنه خلف البياض، يسمع صوته فقط ـ صوت باريتوني(1) دافئ. يقول: ـ هاتوه يا أطفالي. ملاكان بأقنعة مبتسمة أيضاً يقودان القديس يوفان، عارياً، على عنقه الآن خطان أحمران. الجوقة: هاهو ثانية.. نحن جميعاً هنا بالعدد. نحن منتظمون بالتسلل في رابطة إلهية موحدة. فلتصدح الأغاني الحلوة.(2) صوت الإله: ـ في امبراطورية السماء، لا نعرف الثأر. إنما نستقبلك كأنه لم يحدث شيء. وحقيقة لم يحصل شيء. أليس كذلك؟! ويحضر الملاكان على صينية بيضاء ثياباً بيضاء وقناعاً مبتسماً، ويلبسانها للقديس يوفان بينما تغني الجوقة: الجوقة: كل عرض مسرحي له نهاية إنما أعلم أن البداية في النهاية. خصوصاً حين تكون الأشياء في أعلى مستوياتها. كما في جنتنا. أو يمكن هكذا... الترتيب ذاته... اللون نفسه. القديس يوفان مرتدياً ألبسته التسكعية الباهتة. يدخل حاملاً حاكياً "غرامافوناً" أحمر. فتسري بين أفراد الجوقة الهمسات بينما يفتح الحاكي ويضع الأسطوانة. تبدأ موسيقى بلوز. وحينما تدور الأسطوانة حتى حرف (جـ) ينتزع أحد أفراد الجوقة قناعه، فيظهر كرجل عجوز مجعد الوجه، أبيض الشعر، بهي الطلعة. تعود موسيقا البلوز إلى الحرف (سي) وقد أصبح العديد من الملائكة الآن من دون أقنعة ـ أحدهم سمين بجانبه فتاتان شقراوان، رائعتان، واحدة بأنف دقيق، وامرأة متوسطة العمر تبتسم من خلال نظارتها ذات الإطار المنحرف متفاجئة. الملاكان مثل تمثالين من البورسلان يحجلان راكضين إلى المسرح، يحملان سلة مليئة بتفاح أحمر كبير. أفراد الجوقة مع أقنعتهم، أو بدونها، يأخذون من السلة التفاح ويقضمونه بكل اشتهاء، وهم يرقصون على أنغام البلوز. (1)ـ باريتون: الصوت القوي العميق المتمتع بمساحة واسعة في الغناء الأوبرالي. ـ(المترجم)ـ. (2)ـ يكتب الكاتب هذه الأشعار بقافية موحدة كما في الشعر العربي، وتأتي هنا هكذا لضرورة الترجمة ـ(المترجم)ـ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |