|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الرسالة ـــ صالح سميا -1- "الاعتراف" لكي تستطيع الاعتراف تحتاج إلى استجماع كل قواك المشتتة، ففي اللحظة الحاسمة تهرب منك الأشياء والأفكار وتخونك الذاكرة. كان لا بد لي من الاعتراف بعيوب شخصيتي لأشهد التكوين الروحي الجديد لأناي الضائعة، لأستعيد زرقة سمائي، لأعود إلى طقوسي المنسية ولأصير كما كنت أحلم. لأتخلص من تلك الشخصية الانفعالية التي تتصرف كالحمقى عندما يستبد بها الغضب فتبتعد عن كل تعقل أو وعي. كنت أحاول دائماً أن أخفي هذا العيب بافتعال الرزانة والحكمة، والتظاهر بالهدوء في وقت تكون البراكين في داخلي تغلي وتتطاير حممها لتحرق كل شيء. سنين طويلة وأنا أعمل جاهداً على صبغ هذه البقع السوداء في حياتي بلون أبيض لأخفيها عن أعين الناس، فأنا في حالات الانفعال ألجأ إلى الكذب والانتقام والإيذاء، أمارس السادية بكل أشكالها وألوانها متلذذاً بالتفرج على ضحاياي وهي تعاني من الألم. لكني أعود بعد هدوء العاصفة لعقد محكمة داخلية أحاكم فيها نفسي، ودائماً يكون حكمي عادلاً فأصمم على الإقلاع عن مثل هذه التصرفات عيب آخر يلاحقني، يحرمني من الإحساس بالرضا عيب أتقمصه ليصبح المحرك الداخلي لكل ما أقوم به من أعمال. فأنا أهرب دائماً من المواجهة المباشرة منطلقاً من فكرة أن كظم الغيظ دليل القوة. لكن الحقيقة هي أني أتوارى خلف شخصية ضعيفة لا تثق بنفسها، تهرب من المواجهة تتحين الفرص لتنقض على ضحيتها في غفلة ليكون الانتقام أشد تأثيراً. قد أكون مريضاً، وقد تكون شخصيتي مليئة بالشرور، فهي شخصية متناقضة، أشبه بشخصية "راسبوتين" وربما أعاني من الانفصام في شخصيتي. فأحياناً تراني أكره الشر وأسعى جاهداً لمحاربته والابتعاد عنه. فأكون أقرب إلى الشخصية الرومانسية الحالمة. حساسة جداً، وشفافة جداً تؤثر فيها كلمة، تبكيها لمسة حنان إنساني، يقتلها موقف نبيل. إنها حقاً متناقضة يطفح فيها الإنساني وتسيطر عليها الرغبة والانتقام. معلقة بين السماء والأرض. مفتونة بالروحي المطلق، تحلم بمعانقة الأبدي، ومربوطة بالأرض بأوتاد ضاربة في الأعماق. يبهرها جسد امرأة ويستبد بها جمال غاية. تلك هي شخصيتي بجمالها وقبحها بضعفها وقوتها، بعد أن أغلقت سعاد في وجهها بوابات كثيرة كانت مفتوحة على الحياة. -2- "الرسالة" كانت الرسالة التي وصلتني منها ما زالت مستقرة على المكتب أمامي، أحدق بها، أقلبها، أعيد قراءتها، ثم أعيدها إلى المكتب من جديد. كان رذاذ المطر ينقر زجاج النافذة، والريح تصفر، وفي الدرج المقفل تختبئ جميع أسرارنا وعلى ذلك المقعد الرابض في الزاوية يتجمد بعض من تأوهاتنا وخصلات من شعرها الكستنائي وشيء من أحلامنا الوردية. أفتح الرسالة للمرة العاشرة، تشرئب من بين سطورها رؤوس أفاع تحاول الانقضاض عليّ تشبعني لسعاً ولدغاً فأغلقها بعد أن يستولي علي الرعب، أهرب بعيني، تطالعني في كل زاوية نظرة من نظراتها المتوعدة. ما زال المطر يضرب زجاج النافذة، وشيء من الحقد والخوف يضرب أعماقي، تختلط مشاعري المتناقضة فأعجز عن اتخاذ قرار يخرجني من حيرتي وترددي. فأنا أحياناً أحبها حتى الجنون، وأحياناً أكرهها كرهاً لا حدود له. أشعل سيجارة، أعب دخانها متلذذاً بالاحتراقات التي تنمو في داخلي، أستعيد صوراً لأيام خلت، يتمثل أمامي جمالها الطاغي. هذا الجمال الذي عمّدته بجري إلى الخطيئة وتحويلي إلى كتلة فحم متجمر أحرقت أحلامي وشموسي، وضياءاتي وأفراحي وسدت منافذ الرؤية وفتحت أمامي طريقاً إلى الجنون والحقد والكره، وكانت على عرش وسادتي تتلوى كأفعى تسعى لغرس أنيابها وصب كل ما تحمله من سم فأستسلم لشفتيها المتلهفتين للاحتراق. ولحلمتي ثدييها النافرتين المشرئبتين، تصهرني بفحيحها، تمزق أحشائي بأظافرها الناشبة فأغيب عن العالم في فضاءات محمولاً فوق غيمة تمطرني وحلاً، أصحو فلا أجد غير الفراغ يحتويني، يشدني إلى عالم سفلي يبتلعني لقمة لقمة. فأشعر أن شخصيتي تتلاشى وتضمحل كفقاعة صابون. أخرج من عالمي السفلي جرذاً يعشق المكوث في بالوعات الليل، قرد يتقافز فوق الأشجار ينتقل من غصن إلى غصن. أترنح كثمل فقد وعيه وجنونه، أتحول إلى "نيرون" يريد أن يرقص على أشلاء محترقة يغني. أفتح الرسالة من جديد. تطالعني سطورها المتوعدة "لو غدرت بي ستكون نهايتك" أغلف الرسالة أبحر في تلوينات الشفق الذبيح على خط الأفق أحدق في الفراغ الممتد أمامي. أرى الغيوم المتراكضة كقطيع من الخراف الزاحفة على تخوم الغابة المسورة بطريق يتلوى ويمتد بعيداً صوب الشمال مخترقاً الغابة والنهر وأحراش الصنوبر البري. يطالعني وجه سعاد، أهرب منه، يلاحقني أمعن في الهرب، أسمع قرقعة سيوف أسقط منهوكاً من التعب والخوف، يحاصرني رعب يخترق مساماتي وعيوني، وتناقضاتي ورغباتي، فأعجز عن التفكير، أحاول أن أنهض. أمد يدي إلى علبة ثقاب أستل عوداً وكأني أستل سكيناً لأغمده في صدرها. أشعل عود الثقاب، أمسك الرسالة بيدي أضعها فوق الثقاب المشتعل، يمتد الاشتعال إلى الورق الذي بدأ يصدر صريراً مكتوماً. أسمع صوتها من داخل الورق، فحيحها، وأرى وجهها المتكرنش يتجعد ومن عينيها الذئبيتين تتلامح دموع سوداء. أضحك وأضحك، أشعر أني أتحرر منها مع كل لسعة نار تزحف على الورق المترمد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |