|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
نادر وزمان المعجزات ـــ عبد الكريم السعدي كتب السطر الأخير ثم توقفت يده عن الاستمرار في المتابعة والتحضير للمرافعة التي حان موعدها بعد غدٍ أمام القضاء وقد استغرقت منه وقتاً طويلاً قبل أن يتم إنجازها حين شعر بخدرٍ في مفاصل جسمه ويديه وتعب في رأسه الذي كثيراً ما شكا من صداع ألمّ به وعانى من وطأته أحياناً... ليتناول قرصاً مهدئاً أو جرعة ماء أو كوباً من شاي أو فنجاناً من القهوة عله يُسري عن نفسه إرهاق العمل ووجع الرأس وألم المفاصل والخدر الذي يعاوده مرة بعد أخرى. دخلت زوجته سميرة التي تزوجها (منذ ثلاث سنوات) عليه وقد جاوزت الساعة العاشرة مساءً بكوب عصير في يدها مؤنسة وحدته مع مراجعه ومؤلفاته وأوراقه قائلة: "يكفي يا نادر يا أبا ليلى هذا المساء" ثم قدمت له كوبه.. فتناوله متراخياً شاكراً لها مودتها وظرفها وشدة إعجابها به فقد برز من رعيل المحامين بنشاطه وجرأته فبنى نفسه في فترة قياسية مكوناً عالماً جميلاً هو البيت والسيارة والأسرة المؤلفة من ثلاثة أشخاص نادر وسميرة وليلى التي لم تتجاوز العامين بعد.. ألقى برأسه على صدر زوجته بجانب النافذة وهو يفرك جبينه من شدة الصداع حتى قالت سميرة: يجب أن تزور الطبيب في أقرب وقت يا عزيزي: لا بأس وأنا أرى مثل هذا أيضاً. في العيادة الطبية وقف الطبيب حائراً مندهشاً بعد أن عاين السيد نادر المحامي مستفسراً: ـ منذ متى وأنت تعاني من صداع الرأس؟ ـ منذ سنة تقريباً. ـ والخدر الذي ينتابك أيضاً منذ متى؟ ـ الحالة التي أعاني منها تنحصر كلها في نفس المدة. ـ كم عمرك الآن يا أستاذ نادر؟ ـ أربعون عاماً. ـ هذا يعني أنك تزوجت متأخراً؟ قال المحامي: الظروف يا دكتور دائماً تحكم في النهاية مصائر البشر وتحدد مساراتهم. الطبيب: أرجو أن تجري التحاليل التالية مع تصوير الدماغ (محور طبقي) غداً فوراً. تباطأ نادر عند خروجه مع زوجته سميرة من عيادة الطبيب وهو شارد في ذهول متسائلاً أمام زوجته.. وهل يحتاج كل صداع عند الإنسان إلى مثل هذه المراجعات ثم الدخول في دوامة التحاليل والتصوير الشعاعي الدماغي... و..؟ قالت سميرة: لا تجهد نفسك يا عزيزي فالأمر بسيط ولا يحتاج إلى كل هذا العناء، فاصبر وثق بالله وهو الشافي المعين. ـ ونعم بالله يا سميرة.. أتذكرين.. أنا الذي أقول دائماً "لا تقنطوا من رحمة الله" ولكن التساؤل من سنة الحياة وشريعة التفكير وأسلوبنا المعتاد في كل حدثٍ يلم أو أمر يحصل. ـ بارك الله فيك، ولهذا أأكد أن الله الشافي المعين وما هي إلا سحابة صيف ستمر بهدوء بإذنه تعالى. ـ أرجو ذلك يا غالية. وصل الزوجان إلى بيت أهل الزوجة ليأخذا ابنتهما ليلى، لم يتمالك نادر نفسه حتى ألقى بجسده على أول أريكة قريبة منه متهالكاً ربما من شدة التفكير أو الإعياء أو من خوف مستقبلي يتوقعه خاصة وإن له تاريخاً طويلاً مع مثل الكثير من الأحداث التي عاناها وعايشها في رحلة حياته المليئة بالعجائب والغرائب وربما هو في هذه الأحيان يوطد نفسه ويستعد ليستقبل بعضها. وكيف لا وصغيرته ليلى الأثيرة لديه يحبها بجنون العاشق بعد مسافة من الزمان وشطحة من شطحات الأحداث التي أخرت زواجه إلى ما بعد الثلاثين. إذاً كيف لـه أن يترك ليلى وهي مع أولى خطوات حياتها المتفتحة في برعم السعادة الغامرة. تمسك بثيابه وتشد أوراقه وتعبث بأقلامه وأدواته فأقلقه هذا الهاجس وأثار الكثير من التساؤلات الغريبة التي اجتاحت تفكيره دون استئذان في لحظة قلقٍ وحيرةٍ ووجومٍ وارتباك. فالإنسان إنسان مهما كان جباراً أو قديراً أو متماسكاً والظروف عندما تداهم الإنسان لا تترك له مساحةً من الوقت ليفكر ويستقصي ويقرر. أجرى نادر التصوير المحوري الطبقي والكثير من التحاليل حتى وقف على حقيقة الأمر الذي لابد من الاعتراف بحدوثه وتنامي صيرورته في مخه وعقليته النابغة بعد رحلة دامت الأشهر والمراجعة والمعاينة الطبية وازدادت الشكوك وحصل المحظور إلى أن قال له الطبيب المختص المعاين: لديك يا أستاذ نادر ألياف وورم ولابد من إجراء العلاج الجراحي والعملية اليوم قبل الغد. قال نادر: أنا لها إن شاء الله والعمر محتوم والأجل واحد. فبماذا تنصح حتى أتصرف يا دكتور؟ ـ ليس لك إلا الذهاب إلى لبنان لإجراء العملية في الجامعة الأميركية ومن ناحيتي سأجهز لك الأوراق فاستعد خلال يومين من الآن. قفزت كلمات الطبيب إلى رأس نادر التي قالها: "ليس لك إلا الذهاب إلى لبنان.." حارة تغلي كمرجل لينتفض مذعوراً قائلاً... لبنان؟ ولماذا لبنان؟ والجامعة الأميركية أيضاً يا سيدي؟ ـ لأن بها أجهزة متطورة ودقة في إجراء العمليات الحساسة والنادرة. رد نادر بتفكه مصطنعٍ يفلسف مأساته بالنكتة الحاضرة لم تعد نادرة يا دكتور.. أنا النادر فقط وهي ليست نادرة حيث أصبحت شائعة ومتفشية بين الناس بكل أنواعها وخطورتها. ابتسم الطبيب ابتسامة مجاملةٍ ثم أردف قائلاً: خذ هذه الأوراق التي تحتاجها وهذا خطاب فيه تقرير كامل عن الحالة بوضوح تام وأرجو لك الشفاء وإجراءها بنجاح وتوفيق. لم يعد بالمستطاع الإمهال أكثر فالعملية ضرورية وبيع السيارة أضر كذلك فقد استنفد نادر كل ما جمعه من عمل المحاماة والنجاح الباهر بسرعة قياسية وما يخشاه ليس إجراء العملية بل الخوف على مصير ابنته ليلى الصغيرة وزوجته اليافعة. تناول الأوراق وودع الطبيب وأقفل عائداً إلى زوجته ليضع النقاط على الحروف ويتصرف فيما يجب أن يفعل وربما يحتاج إلى بيع بيته بعد السيارة التي لابد من ذلك غداً. قلق ثانية وهو يتذكر كلمات طبيبه وهو يقول له لبنان والجامعة الأميركية والعملية الحساسة ودقة في الإجراء والسلامة وما إلى ذلك. نعم تذكر ما يشغله بعد سنوات مضت وهو حدث جللٌ تعرض له يوم كان هناك وهو صغير لذلك لا يجب الذهاب خارج الوطن ولكنه الأمر الواقع الذي يفرض نفسه في وقت عصيب لا يسمح بالتأخير والمجاولة والأحجام. ما أشد هذه الأحداث... كيف له أن يعود إليها وذكرياته بها لا تسر الخاطر ولا تشجع على الأمل وقد عانى منها أشد المعاناة عندما توفي والده هناك واضطرت أمه الزواج من رجل آخر غير والده الأمر الذي اضطره إلى ترك الدراسة بعد الإعدادية ليلتحق بالعمل الفدائي في الثمانينات مؤدياً دوره البطولي في حركة النضال والدفاع عن حرية الأوطان فالأرض العربية كلها وطن وللجميع أياً كانوا وحيثما وجدوا، قطعت سميرة عليه شروده وهو يجلس على مكتبه عندما دخلت عليه قبل سفره بدقائق لتخبره بأنها مستعدة للسفر معه وقد أودعت ابنتها عند أهلها فهم الحضن الرؤوم للعناية بها. ـ خرج نادر من غرفة العمليات في الجامعة الأميركية بعد العناية المشددة إلى غرفته المعدة للاستقبال مع زوجته التي تقع في الطابق الثالث بالجناح الأخير غرفة رقم 9... وقد وقفت زوجته فوق رأسه تنتظر أن يصحو من تأثير مخدر العملية، داعية ربها متوترة حائرة تضع يديها تارة على فمها وأخرى ترفعهما إلى السماء طالبة من ربها نجاح المقصود والفوز بالسلامة والإياب. فتح نادر عينيه بعد ثلاث ساعات من دخوله غرفته ليجد أمامه سميرة المخلصة تقف إلى جانبه في ظرفه العصيب مؤدية حق الوفاء ولزوم العشرة والمودة والارتباط الزوجي.. نظر إليها ورأسه الملفوف بالضماد وقد فُتِحَ دِمَاغُهُ وأُعيدت طاسة رأسه ثانية بعد التجريف وإجراء اللازم. لم يرها بوضوح لكنه أدرك أنها الزوجة الوفية ومع ذلك لم يجل بخلده أن يفكر فيها ملياً فقد سيطرت على تفكيره في هذه اللحظة بالذات قصة التحاقه بالعمل الفدائي الذي أخذ منه رحلة شبابه وعشر سنين من عمره ليعود إلى متابعة دراسته الثانوية ثم الجامعية ليثبت وجوده ويتخرج ويكافح ثم ليبني نفسه مكوناً أسرة ومكانة وموقعاً. مرّ هذا الشريط سريعاً أما مخيلته الجريحة دون توقف وكانت المقارنة بين وضعه الآني وهو في غرفته بعد خروجه من العملية وبين خروجه من غرفة تبريد أدراج الموتى والشهداء إثر أحداث لبنان والهجوم الصهيوني عليها والحصار الذي دام أكثر من ثمانين يوماً. كان نادر أحد الذين سقطوا مضرجين بدمائهم وجراحهم، في تلك الأثناء وقف فوق رأسه زملاؤه الكثر الذين تركوه لفترة ظناً منهم أنه ميت فنزف ونزف ولم يجد فيهم حق الوفاء كما هو في زوجته.. بل كل ما فعلوه حملوه إلى المشفى وأودعوه أحد أدراج الموتى وبدأ جسمه بالتجمد بعدها عاده زميله محمود الذي كان متيقناً من أن نادراً مازال حياً بالرغم من محاولة إقناع الآخرين له بأنه قضى شهيداً.. واستأذن محمود لإلقاء النظرة الأخيرة عليه وبدأ يتحسس ويلمس رأسه ويده وأحس بقشعريرة تسري في جسمه وكأنه شعر بنبض الحياة في قلب رفيقه فهرع للإعلان عن ذلك. عاد نادر للحياة ثانية بعد أن كان بين الأموات وفي عدادهم وهاهو ينظر الآن إلى زوجته سميرة وقد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول له الحمد لله على السلامة. قال نادر: الشقي بقي ومن له عمر لا تضيمه شدة يا حسنائي، وأنا الميت الحي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |