|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الجولان في.. (وجه آخر للدم).. لعلي المزعل ـــ عصام وجوخ ..(وجه آخر للدم) مجموعة قصصية، هي آخر إصدارات الروائي القاص علي المزعل بعد سلسلة من المجموعات القصصية: شهادات على جدران الوطن/ ندى الحصاد/ أبي خارج القبر/ أسرار وجه/ ورواية (قناديل الليالي المعتمة).. والمجموعة القصصية (وجه آخر للدم) والتي نحن بصدد الحديث عنها صادرة عن اتحاد الكتاب العرب، ككتبه كلها. ولا بدَّ هنا من الإشادة بالاتحاد، هذه المؤسسة الثقافية النشطة والسبَّاقة إلى طباعة الكتب المفيدة والهامة ذات المستويات الفنية العالية على الأغلب. إن (وجه آخر للدم) واحدة من درر الاتحاد من ناحية وإحدى أهم مجموعات الأديب علي المزعل القصصية من ناحية ثانية. فهي التجربة الإبداعية الأنضج، والمحطة الأهم في مسيرته الأدبية الطويلة نسبياً. إلى جانب روايته المتقدمة أيضاً (قناديل الليالي المعتمة). والمعلوم أن الكاتب اختصاصي في (أدب الجولان) - إن جاز التعبير - فهو يخصُّ جولاننا السليب بكل كتاباته - لِمَ، لا؟.. وهو الأديب النازح المهجّر من مسقط رأسه، ومرتع صباه، وموطن آبائه وأجداده، وأبناء جلدته وأصدقائه، بعد العدوان الصهيوني الغاشم على الأمة العربية عام 1967 واحتلال أجزاء من أراضيها. لقد عاش كغيره من النازحين ولا يزال مع الذكريات البعيدة، مع الألم. ألمِ الفراق وتشتت شمل الأحبة، ألمِ المعاناة من وطأة وتبعات النزوح. إنه يجسد في كلماته الحلم الرائع بالعودة إلى الأرض. الأرض الصورة الحيَّة الأزلية المتكاملة في الوجدان.. في الذاكرة، في المخيلة وفي سويداء القلوب. لقد ضمت المجموعة قصصاً تحمل عناوين لها دلالاتها. وهي مؤشرات على المضامين المقتصرة حصراً بالهم الجولاني العام والخاص. جولانيات /الحلم/ رحلة العظام /فجر المدينة/ الوداع/ أقدام وورود/ البحث عن بندقية والدي/ الزمن/ أحزان الفجر/ الروح وتشابه الأمكنة/ رسالة/ وجه آخر للدم/ احتراق الناي/ خيط من دم/. ولتقديم فكرة أوضح عن أجواء القصص. نتناول القصة الأولى (جولانيات). فهي لوحات قصصية ناجحة وذكية ومنتقاة من أجواء الحرب ضد الغزاة الصهاينة، ويربط بينها شعور نفسي واحد وإطار جغرافي جولاني وبعد وطني وقومي. ففي اللوحة القصصية الثامنة نقرأ: (حين وضعت الحرب أوزارها قال لي جندي مغربي وقد فاحت من أعطافه رائحة البارود والدخان واكتست ملامحه بغبار الجولان - أتمنى لو استمر القتال - قلت ولماذا يا أخي؟! قال: (لكي يظل الشعور في داخلي أننا نقاتل معاً). ونعود إلى اللوحة القصصية الأولى في قصة (جولانيات) لتكون الانطلاقة من بحيرة (طبرية) لحظة غروب الشمس، واختزان قاعها ظلال الجبال الناهضة على أطرافها.. (بينما بدأت الزوارق المعادية تشق المياه لنقل المتسللين شرقاً.. وفي السماء كانت طائراتنا تصبُّ حممها متلاحقة في مياه البحيرة). ثم ننتقل إلى اللوحة الثانية حيث صوت الناي (يأتي شجياً ناعماً مسربلاً بندى الصباح تبتلعه الصخور ثم تشكله من جديد ليعود صدى مقطعاً حنوناً مبتلاً بمياه البحيرة وفوح أزاهير التلال..) وكانت قطعان الأغنام تسرح، وتلج السفوح على صدى أجراسها، وثغاء طلائها (وثمة طيور في السماء ترف بأجنحتها صعوداً إلى أعالي الصخور. وبين أصداء الناي وأجراس القطيع دوّت طلقات متلاحقة لرشاش معادٍ بدأ يعوي مسعوراً من خلف الخطوط). وفي اللوحة الثالثة نجد قواتنا المندفعة إلى عمق الجولان المحتل (أنا المقدم رشيد. أُخاطبكم من قرية السنديانة. أمامي رتل من الدبابات المعادية، دمرنا معظمها، ونتابع التصدي).. أما الضابط الآخر الملازم جورج (أخاطبكم من مشارف طبرية أمامي الآن أرتال من آليات العدو وها نحن نواصل الاشتباك وانقطع الاتصال.. وصار جورج صخرة تطل على بحيرة طبرية ولا زالت بزة زفافه معلقة في خزانة والدته حتى هذه اللحظة). ونصل إلى اللوحة الرابعة لنجد صورة لهمجية العدو حيث انقضت الطائرة سهماً من نار (صار ملجأ القرية حفرة سوداء محترقة. وقد امتزجت فيها الأشلاء والدماء والدموع). لقد كان الأهالي يضطرون في الكثير من الأحيان لفتح القبور _ لماذا؟ (لأنَّا كنا نجد كل يوم قطعة من جسد تناثرت في أطراف البيوت والحواكير.. وكان آخرها قدم العم سويلم..). ويصدر البيان الأول للحرب ويرقص العم عبد الرحيم فرحاً. قائلاً في اللوحة الخامسة: (طاب الموت يا عرب) وعندما يدرك أن طلقات بندقيته النصف آلية لا تصل إلى الطائرات. يركض في ساحة القرية وهو يواصل الصراخ: (طاب الموت يا عرب، إلى أن وصل خزان المياه. صعد إليه ومن هناك تابع إطلاق النار. وبعد لحظات فقط كانت أطراف جعبته تنهض وسط الركام وهي تقطر دماً).. وتتأذى أسراب السنونو جرَّاء القصف الهمجي المعادي. ويرسم الكاتب في لوحته القصصية السادسة هذا المشهد المؤثر: (وضاعت أسراب السنونو بين كتل النار والدخان المتصاعدة نحو قبة السماء. وبعد لحظات بدأت الطيور تتجمع من جديد وقد خرج معظمها من قلب الدخان وعادت لتلامس بأجنحتها سطح البحيرة..). أما اللوحة القصصية السابعة فهي عن (القنيطرة) يوم التحرير (هرع الأهلون نحو ركام بيوتهم وذكريات أيامهم الغابرة.. كان عجوزان يدبان على عكازيهما وهما يلوبان بحثاً عن بيتهما في أطراف المدينة.. تملِّيَا الكثير من البيوت المدمرة، والكثير من جذوع الأشجار المحترقة وحين وصلا إلى بيتهما وقفا ذاهلين لبرهة من الزمن.. وعلقت أنظارهما بأطراف علم البلاد خفاقاً في ساحة المدينة).. وأخيراً في اللوحة التاسعة توصي الأم وهي تعبر ليلها الأخير: (خذوني معكم عندما تعودون، ضعوا عظامي تحت أشجار البطم أو ظلال أشجار البلوط، وإذا لم تجدوا عظاماً فاحملوا ترابي وانثروه على الطرقات والصخور..).. هو هكذا القاص علي المزعل يسير بنا عبر دروب القصة. يحلّق بنا عالياً.. يؤثر فينا أيما تأثير.. حسٌّ مرهف نبضٌ وطني قومي.. تقديسٌ للشهيد أنبل بني البشر. صدقٌ في الطرح تعمقٌ في اقتناص المعاني المؤثرة البارعة.. صورةٌ ناطقة.. عشقٌ كبير للأرض الأسيرة إلى درجة الصوفية.. لغة خصبة حية جميلة. إتقان لفن البنية القصصية، سيطرة تامة على قواعد اللعبة الفنية.. وضوح تام لرؤية نضالية عبر أدب قصصي رفيع المستوى.. وما أروع بحيرته (بحيرة طبرية) هي عنده أجمل من بحيرة لا مارتين. إن وجهها الفضيّ عند الغروب مرآةٌ مصقولة تعكس صور الحياة الجولانية بكل تفاصيلها الآسرة قبل وبعد النزوح. وتكاد لا تخلو قصة من قصص المجموعة من (بحيرة طبرية). ففي قصة (الحلم) (أنا أثق أن البحيرة لا زالت تحتفظ بصورة وجهي..) وفي قصة (فجر المدينة): (وتطير عيناي عبر الأسلاك الشائكة لتتهادي في مياه طبرية.. وعلى قمم التلال في عمق فلسطين..). وفي قصة (البحث عن بندقية والدي): (حاولت العودة إلى تلك الأيام حيث كنت طفلاً يرى وجهه في كل يوم في مياه طبرية..) وفي قصة (الروح وتشابه الأمكنة): (كانت طبرية تبدو أمامي. وتحتضن الشمس وتدعوها للمبيت في قاع البحيرة..) أشد على يد الروائي القاص المبدع علي المزعل. ونحن في هذه العجالة لا نفي قصص المجموعة حقها. ولا بدَّ من العودة إلى ما بين دفتي الكتاب. وأي كتاب عربي سطره كاتب بارع. يكون فصيحاً يعبّر عن نفسه بلا وسيط أو ترجمان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |