جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الرواية الفلسطينية في القرن العشرين ـــ عمر محمد جمعة

شغل فن الرواية وتاريخها الكثير من الباحثين والنقاد الذين أعدوا دراسات هامة تقف على أهمية الرواية كجنس إبداعي فاعل، إضافة إلى عدة نظريات تبحث في الرواية كفن قابل للتطور والتغيير.‏

في كتابه نظرة على الرواية الفلسطينية في القرن العشرين يحاول الكاتب والناقد الفلسطيني بشار إبراهيم دراسة تطور الرواية الفلسطينية في القرن الماضي عبر نظرة تحقيبية نقدية تلقي الضوء على المراحل التي مرت بها هذه الرواية.‏

يبدأ الكاتب في الباب الأول بالحديث عن نشوء الرواية الفلسطينية حيث يرى أن البداية الحقيقية والجنينية الأولى لنشوء فن الرواية عند الفلسطينيين، تعود إلى عمليات الترجمة التي شاعت في الأدب العربي. فقد نجح البعض من الباحثين من الرواد الأوائل كالدكتور محمد يوسف نجم في اكتشاف بعض أقدم هذه المحاولات في المجال الفلسطيني، والتي رأوا أنها تعود إلى ميخائيل جرجس عورا، الذي ولد في عكا عند منتصف القرن التاسع عشر، ويروى أنه نشر في جريدة الأهرام المصرية عام 1867 رواية بعنوان البنون في حب مانون.‏

لكن نقطة الارتكاز الهامة في تاريخ الرواية الفلسطينية هي في مسيرة خليل بيدس الذي أصدر رواية من تأليفه بعنوان الوارث التي صدرت في القدس عام 1920 وهي بذلك تعتبر الرواية الأولى (فلسطينياً) كما أنها من الروايات المبكرة في الرواية العربية.‏

لكنْ الأثر البادي للروايات الأجنبية الوافدة المترجمة بدا واضحاً في موضوع الرواية الذي أتى في قالب غرامي اجتماعي.‏

ثم يذكر بشار إبراهيم أسماء بعض الكتّاب، اسكندر خوري، جمال الحسيني، قسطنطين الصائغ، حسن البحيري، بالإضافة إلى أسماء نصوص روائية رائدة مثال شهيدة الوفاء لـ جميل البحيري 1922م، وفي ذمة العرب لـ نجيب نصار وهي رواية تاريخية صدرت عام 1921.‏

وفي نظرة تحليلية لنتاج البدايات الأولى يقول المؤلف إن الجهود الروائية في العشرينات والثلاثينات في القرن العشرين وهي مرحلة البدايات الحقيقية المبكرة للرواية الفلسطينية كانت غامضة مبهمة، لم تتضح فيها الاتجاهات الروائية، وبقيت الجهود مبعثرة تفتقد غالباً للوعي، سواء بفن الرواية وشروطه ومقوماته، أو امتلاك النضج والوعي في شؤون الواقع وهمومه. ويتابع بشار إبراهيم تقسيم التطور الذي مرت به الرواية الفلسطينية بعد مرحلة البدايات، ليتناول كل حقبة ومدى تأثيرها على هذه الرواية فيرى أن رواية الأربعينات كانت البداية الثانية للرواية الفلسطينية مع ظهور أسماء مثل اسحق الحسيني في رواية مذكرات دجاجة 1943، ومحمد العدناني رواية في السرير 1946، وراضي عبد الهادي في رواية خالد وفاتنة 1945 وعارف العارف في مرقص العميان 1947، وعبد الحليم عباس في فتاة من فلسطين 1949...‏

لكن رغم هذا الدفق من الأعمال الروائية، إلا أنها لم تستطع أن تتقدم سوى خطوات صغيرة على درب الإبداع الروائي، وإدراك المضامين العميقة لهموم الواقع وإشكالياته، وصياغتها في قوالب إبداعية ناضجة رغم ازدياد عمق التجربة وسعة الاطلاع على المنجز الروائي الأجنبي.‏

كما أننا لن نجد أثراً لكل هذا الدفق في الرواية الفلسطينية، التي بقيت على سذاجتها، وبدائيتها وفطرتها الأولى، وكأن الرواية والروائيين الفلسطينيين كانوا غفلاً عما يدور في الواقع الموضوعي، تماماً كما لو أنهم يعيشون في عالم آخر ليس من رابط بينه وبين مجريات الأحداث.‏

أما رواية الخمسينات فقد شهدت ظهور واحد من أبدع الروائيين الفلسطينيين هو الروائي جبرا إبراهيم جبرا الذي نُشرت له روايته الأولى صراخ في ليل طويل عام 1955 في بغداد، وتشكل هذه الرواية قفزة حقيقية في مسيرة الرواية الفلسطينية، خصوصاً على مستوى البناء الفني إذ تمثل معالجة فنية أدبية راقية تتناول أوضاع المجتمعات والصراعات ما بين القديم البالي والجديد، والثورة على ما هو قديم تطلعاً إلى المستقبل.‏

ثم يذكر بشار إبراهيم أسماء بعض الروائيين في فترة الخمسينات مثال: راضي عبد الهادي في رواية فارس غرناطة 1952، وحسين السيد في رواية لولا القدر 1958، وصبحي المصري في رواية القبلة المحرمة 1959، ونبيل خوري في رواية راقصة على الزجاج 1958...‏

ويرى بشار إبراهيم أن الرواية الفلسطينية ارتكزت خلال عقد الخمسينات على تصوير المعاناة والآلام، وعمق الإحساس بالفجيعة والمآسي ومنها آلام النكبة وأحزانها، فبدت في تلك الرواية المحاولات الدائبة لاستدرار الدموع واستجداء التعاطف.‏

في حديثه عن رواية الستينات يرى المؤلف أن هذه الرواية تنوعت بين العودة إلى ما قبل النكبة، من أجل رصد تلك المرحلة بأحداثها ووقائعها وفجائعها، ومحاولة رصد المقدمات التاريخية التي قادت للنكبة، وبين الانهماك في قراءة الراهن التاريخي حينذاك، وتلمس آفاق المستقبل وبشاراته ورغم تعدد هذه الأصوات الروائية وتنوعها سبرز اسم واحد من أهم الروائيين الفلسطينيين وهو الكاتب إميل حبيبي الذي تعرفنا عليه روائياً في سداسية الأيام الستة 1968، وهو الذي مثّل الصوت القادم بتميز من داخل الأراضي المحتلة 1948 والناهض بقوة في الإبداع العربي والفلسطيني والعلامة المميزة في مسيرة الرواية الفلسطينية.‏

أما الحدث الأهم في رواية الستينات، فهو ظهور الكاتب الشهيد غسان كنفاني الذي كان بحد ذاته فتحاً جديداً، وقفزة كبرى في عمر الرواية الفلسطينية حيث أصدر الروايات التالية: رجال في الشمس 1963 ما تبقى لكم 1966 عائد إلى حيفا 1969 أم سعد 1969.‏

ومن خلال عرض نقدي لهذه الفترة يرى بشار إبراهيم أنه ثمة بون شاسع بين ما أنجزه غسان كنفاني من جهة، وما استطاع غيره من الروائيين من جهة أخرى، لأن غسان كنفاني شكّل نموذج الروائي الفلسطيني المتميز البارع في البناء الفني، والصياغات، كما في الجوهر والمضمون الفكري، الذي تملكه غسان على نحو متميز وفذ.‏

ثم جاءت رواية السبعينات، بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية لتشهد تحولات فنية في البنية الروائية الفلسطينية ويقول بشار إبراهيم في ذلك أن الرواية الفلسطينية في السبعينات قطعت أشواط التجربة والتمرين إلى المراس والخبرة والمقدرة على التعبير عن واقع الفلسطينيين وهمومهم. ويستشهد إبراهيم لذلك برواية السفينة 1970 لجبرا إبراهيم جبرا وأيام الحب والموت 1970 لرشاد أبو شاور، وإلى اللقاء في يافا للأديبة هيام رمزي الدرندجي.‏

لكنه يخلص إلى أن متتبع مسيرة الرواية الفلسطينية، سيلحظ مدى الفرق الواسع، بين ما أنجزه جبرا من ناحية ورشاد أبو شاور بدرجة تالية والآخرون من ناحية أخرى، سواء لناحية المضامين، أو للمستوى الإبداعي الذي تحقق على مستوى الرواية الفلسطينية والعربية.‏

في رواية الثمانينات ستأخذ الرواية الفلسطينية خطاً صاعداً، مع تراكم التجربة والخبرة والألق دون أن نغفل بقاء بعض نتوءات ما مضى من عهود الرواية الفلسطينية.‏

ويرى إبراهيم أن روايات الثمانينات الفلسطينية شكلت حالة تراكم إبداعي وغزارة إنتاجية، ومحاولات جادة لترسيخ صورة الرواية الفلسطينية وحضورها.‏

وبدأت تظهر على سطح الرواية، موضوعات جديدة، وإعادة قراءة موضوعات قديمة بطريقة جديدة، ربما أكثر عمقاً وأنضج رؤية، فالمخيم بدا موضوعاً من موضوعات الرواية، مع تميز أساليب الكثير من الروايات في نظرتها للتجربة الفلسطينية، كما ظهر موضوع الثورة بعيداً عن التوتر والانفعالية والخطابية، بل بطريقة تتسم بنقد التجربة وتبيان ما حاق بها من سلبيات ومفاسد، وربط ذلك مع استعدادات ذاتية وأسباب موضوعية.‏

ويعترف المؤلف أن رواية الثمانينات ابتعدت عن استجداء التعاطف واستدرار الدموع، وذهبت نحو التفحص والتقصي في كل ما حدث مهما كانت مرارته، وبذلك تكون الرواية الفلسطينية في الثمانينات قد وضعت أمام الرواية في التسعينات مهمات صعبة وتحديات كبيرة.‏

رواية التسعينات استمرت في قراءة التجربة الفلسطينية من خلال ذاكرة المجموع أو ذاكرة الفرد وظهور الانتفاضة سريعاً في الرواية الفلسطينية ويمثل بشار إبراهيم لذلك في عدة نصوص روائية صادرة في الأراضي المحتلة مثال رواية الحلم المسروق الصادرة في القدس عام 1992 بقلم صافي صافي حيث يناقش الكاتب فيها موضوعة السلام والحوار بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية وواقع الانتفاضة، ليصل إلى وسم السلام المفترض، بصيغة الحلم المسروق.‏

وفي التسعينات سنجد رواية حسن حميد تعالي نطير أوراق الخريف 1992 التي يستعيد فيها الروائي بناء ذاكرة مخيم جرمانا، ورصد مسيرته منذ اللحظة التي حط فيها اللاجئون الفلسطينيون رحالهم في البقعة التي سوف ينبني عليها المخيم، وصولاً إلى لحظات متقدمة من عمره، ربما تكون مشارف التسعينات. ويؤكد بشار إبراهيم أن هذه الرواية هي واحدة من أكثر الروايات الفلسطينية الناجحة فهي رواية رشيقة حافلة بمفردات وصور حياتية، من معاناة وآلام ومرارات وشهداء وملصقات ونضالات وأحلام لا تنطفئ.‏

وفي باب انتقاد الواقع الفلسطيني بقسوة بالغة، تنجز الأديبة نعمة خالد روايتها البدد 1999 والتي تقدم من خلالها صورة بالغة المأساوية عن أحوال الفلسطينيين في الشتات، من خلال تجربة مخيم عين الحلوة، بشكل أساسي، وتجربة المخيمات والثورة الفلسطينية، ورصد مفاسد الثورة ورموزها، وتحولاتها المضنية وصولاً إلى لحظة قيام السلطة الفلسطينية بُعيد أوسلو.‏

ويختم بشار إبراهيم كتابه بالحديث عن الرواية الفلسطينية عبر جملة من المعطيات والاستنتاجات، يركز فيها على الدور الذي لعبته الرواية في التأريخ للحدث الفلسطيني.‏

ويفرد فصلاً كاملاً للحديث عن تجربة الكاتب الشهيد غسان كنفاني الذي استطاع أن يحوّل أبطال وشخصيات رواياته، إلى نماذج ورموز ذات أبعاد شعبية، فيكون بالتالي قد اختزل المسافة بين الرواية والناس العاديين.‏

ويخلص إبراهيم إلى أن الرواية الفلسطينية حكمتها دائماً ثنائيات متعددة مثل الوطن والمنفى، الواقع والذاكرة، الأنا والآخر، وفي النهاية الرسالة الفنية والرسالة السياسية الوطنية، حتى إن هناك من النقاد من اعتبر أن القضية الفلسطينية هي انتماء نضالي، وليس انتماءً جغرافياً فقط.‏

كتاب (نظرة على الرواية الفلسطينية في القرن العشرين) دراسة هامة وبحث موضوعي دقيق عاين أهم الأجناس الإبداعية المؤثرة، في منهج نقدي تاريخي ختمه بشار إبراهيم "ببلوغرافيا" كاملة عن كل ما كتب في القرن العشرين من روايات فلسطينية.‏

هامش:‏

اسم الكتاب: نظرة على الرواية الفلسطينية في القرن العشرين‏

اسم المؤلف: بشار إبراهيم‏

إصدار: الطارق للدراسات والنشر والتوزيع- دمشق 2000م‏

عدد الصفحات: 115 ص.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244