|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حركة المجتمع داخل الخرافة الشعبية في القصة الأردنية العتبة نموذجاً ـــ حسن ناجي خليل قنديل قاص متميز في رصد حركة المجتمع الذي يعيشه وقادر على التقاط الصورة التي يريدها توظيفاً لحكايته وهو متمكن في تكثيف الحدث وإغراقه بصورة فنية لا تخرج عن وظيفة رفد الحدث بما يدور حوله وهو هنا في -العتبة -يرصد لنا صورة حركة المجتمع الأردني من خلال حدث بسيط محاطٍ بهالة من الخوف والجرأة معاً، ففي العتبة يبين لنا صورة الأب المحافظ على عرضه من خلال غطاء رأس ويناصره في ذلك الابن الأكبر طبعاً بينما تقف الأم مدافعة عن ابنتها من خلال خرافة شعبية يؤمن بها الجميع ومفادها أن الشياطين تسكن عتبات البيوت. القصة منذ بدايتها متحركة وهذه الحركة تسير في خط أفقي متمازج قليلاً الهدف منها تهدئة القارئ للدخول إلى الحدث المتوتر المضطرب داخل القصة. "البنت المبتهجة مثل باقة نعنع" وهذا الأسلوب يلجأ إليه الجدات عادة قبل رواية حكايتهن على الأطفال قبل نومهم فتصلي على النبي وتبدأ مع الأطفال حواراً مشوقاً يشدهم إليها ويخفف عنهم توتر الأحداث والأبطال في القصة وأرى هنا العذر لخليل قنديل للدخول إلى أجواء قصته بهذا الأسلوب طالما سوف يحدثنا عن الجن والشياطين وغضب الأب وخوف البنت التي تشبه باقة النعناع فهو هنا يأخذ دور الجدة في التربيت على الظهر للتهدئة مما سوف يحدث من سلوك قد يثير حفيظة القارئ، وخليل قنديل الذي يدرك لنفسه فرصة الاسترسال في عملية التهدئة والتربيت على الظهر فقد اختصر العملية بالجملة القصيرة التي أوردناها سابقاً وذلك بوصف البنت بباقة النعناع والتحدث عنها بما يظهر عليها من الابتهاج والسرور حتى يذكر لنا في لحظة ابتهاجها فعل متحرك. "فاجأها أبوها القادم من فم الزقاق" جملتان مترابطتان لا يفصل بينهما فاصل لغوي، لكنهما متناقضتان كل التناقض تفصل بينهما صورتيهما الأولى فيها البهجة والسرور والأمان والثانية فيها المفاجأة والخوف والغضب ومن الطبيعي أن ما يحرك الصورتين شدة التناقض بينهما وهذا برأي يدركه جيداً خليل قنديل الذي يدخل إلى عالم قصته من نقطة ضيقة تتسع بسرعة لتصبح فضاء فمن صورة البنت المبتهجة التي تدلق دلو الماء أمام البوابة إلى صورة الأب الذي يحضر فجأة ويرى ابنته حاسرة الرأس فيثور وتلمع الشياطين في عينيه ويندفع نحوها ليبدأ بعدها فضاء القصة. هروب البنت إلى داخل البيت بسرعة واحتماؤها بأخوتها الصغار إضافة للأم حركة موازية للفعل الذي يسبقه وتناثر الأبناء أمام اندفاع الأب حركة تعبر تماماً عن غضب الأب وخوف الأبناء ووصول الأب إلى البنت الخائفة ودفعها إلى الأرض بعنف واستمرار لصورة غضب الأب الذي يبدأ بدق رأس البنت على عتبة المطبخ تلك العتبة التي يسكنها الشياطين كما في الموروث الشعبي وهذه الخرافة الشعبية تصحو فجأة في راس الأم كمحاولة للدفاع عن ابنتها، أن الأم تدرك جيداً أنها لا تستطيع أن تقف أمام هيجان زوجها ولا يمكنها حماية ابنتها إلا من خلال ما يعشش في رأس كل منهما /الأب والأم معاً/ من خرافات حول الشياطين التي تسكن عتبات البيوت لحمايتها، تستثمر الأم بسرعة هذه الخرافة بمواجهة الزوج الهائج وتصرخ فيها "حرام عليك يا أبو محمود.. بعدين البنت بتلتمس" عند هذه الجملة فقط يتجمد الأب، بل يدب في أوصاله خوف ورعب، وما كان لشيء أن يوقفه غير هذه الخرافة التي تسيطر عليه كما تسيطر على الأم، لكن الأم تستثمرها للدفاع عن ابنتها وهو يقع فريستها للابتعاد عن الابنة خوفاً عليها من الجنون وخوفاً على نفسه من غضب الشياطين. إن الخرافة الشعبية هنا قد أخذت دورين معاً دور المدافع عن البنت ودور المهاجم على الأب، وما كان للأب أن يرتدع لولا إيمانه القوي بصدق هذه الخرافة فنجده يقف مبهوتاً أمام كلمة لفظتها الزوجة عن الشياطين والعتبة؛ غير قادر على الحركة "انسحب الغضب وبقيت لحظة ذعر غامضة جعلت سبابة الرجل ترتجف في الهواء" تبين هذه اللقطة السريعة في القصة والتي لا تتعدى السطرين مدى إيمان المجتمع بما يروى من خرافات شعبية وتؤكد على مدى تأثيرها في المجتمع وفي سلوكه اليومي وهي عنده من المسلمات التي لا جدال فيها، وخليل قنديل الذي يختصر مدى تغلغل الخرافة في أذهان الناس في لقطة إنسانية رائعة ليؤكد على أن ما نؤمن به قادر على أن يكون سلاحاً معنا أو سلاحاً ضدنا وهو بذلك لا يحاول تلميع صورة الخرافة ولا تشويهها بقدر ما يريد من الخرافة وظيفة لحركة أحداث قصته. هذه الصورة المتوترة والتي تتشكل من تناقض صورتين تتوازى مع صورة البداية التي تشكلت من فرح البنت وغضب الأب وهي هنا تتألف من صورة واحدة لمعنيين مختلفين فالعتبة واحدة والخرافة واحدة ولكن التناقض جاء من اختلاف لمعنى العتبة عند الأب ومعناها عند الأم ثم من طريقة فهم الخرافة عند الأم وطريقة التفكير بها عند الأب فالعتبة عند الأب أرض صلبة يمكن كسر رأس البنت الحاسرة الرأس بها لكنها عند الأم مسكن الشياطين والشياطين في الصورتين شياطين، لكن الأم استخدمت الصورة للحماية والدفاع عن ابنتها بينما الأب أحسّ أنهم قد يفعلون فعلهم به فانسحب من المعركة التي كان على يقين من ربحها وهو غير نادم على ذلك بدليل أنه انقاد للام فوراً دون مقاومة وخرج من المطبخ إلى غرفته الكبيرة. "سحبت الأب نحو الغرفة الكبيرة" يبقى خليل قنديل مع نقطة الحدث فهو لا يتبع الأب بعد دخوله الغرفة الكبيرة لكنه باق أمام العتبة فهو النقطة الساخنة في القصة وهي المحور المهم الذي غير مجرى الأحداث التي سبقت الوصول إليها، ووقوفه قرب العتبة ليرصد الأحداث التي سوف تجري حولها فمهمة القاص عدم الخروج من دائرة الحدث، لذلك يبين لنا ما جرى للبنت المتمسكة بالعتبة كمتراس أخير يحميها من غضب الأب وغضب الأخ الكبير /محمود/ حين يعود، فقد بقيت البنت قرب العتبة لتراقب ما يجري داخل غرفة والديها بينما يقف خليل قنديل قرب العتبة ليراقب ما يجري للبنت وينقله لنا بصوره الشعبية المتولدة من معاناة هذه الطبقة التي تمثلها البنت النعناعة، إنها حين تراقب والدها وهو يرتدي جلبابه البني المائل للسواد تذكر لنا مدى خوفها من الجلباب حتى وهي تعصره في -لجن -الغسيل، هذا الخوف المتولد من ملابس الأب دفعها إلى الاحتماء مرة أخرى بالعتبة. "تسمرت فوق العتبة، أحست بانبثاق رجال من سطحها الأملس، بوجوه دخانية وأذرع ذكورية" عند تخيل البنت للشياطين وخروجهم من سطح العتبة الأملس وإمكانية قدوم محمود الأخ الأكبر ينتبه القاص إلى أنه يجب عليه أن يتوقف لحظة عن زرع الخوف في نفس القارئ لينتقل فجأة إلى صورة ابتهاج البنت النعناعة وهو بذلك يستمر في أخذ دور الجدة التي ما إن ترى خوف الأطفال من الجن والشياطين حتى تعود إلى الصلاة على النبي وذكر صور فيها ما يريح أعصاب الأطفال. إن مثل هذا الأسلوب القصصي ضروري جداً عند الحديث عن خرافة شعبية يخرج فيها الشياطين من سطح عتبة ملساء، وأجد القاص هنا قد وفق تماماً للانتقال بنا إلى صورة البهجة. "البنت دائماً تحاول أن تحافظ على ابتهاجها" وفي سياق حديث عن بهجتها وإدراكها لحسنها وسماعها لما يقوله الآخرون عنها يذكر لنا القاص جملة "اللهم صلي على النبي" والعفوية هنا أوصلته إلى هذه الجملة التي قلنا إن الجدات أنفسهن يستخدمنها في حالة الانتقال من جو مشحون بالخوف إلى جو مريح، وإذا كانت هنا الجملة =صلي على النبي= جاءت استحساناً للبنت النعناعة لكنها لها نفس فعل جملة الجدة. وبعد استراحة قصيرة جداً مع -الصلاة على النبي -يأتي الحديث الجديد فجأة كما كان دخول الأب فجأة فمحمود الأخ الكبير لم يأت بعد وهذا هو موعده والبنت تجلس مذعورة في انتظار قدومه، وهي هنا في صورة تختلف عن صورتها الأولى في المشاعر، فقبل دخول الأب لم تكن تدرك أو تشعر بوجوده أو بقدومه فقد باغتها الأب فجأة لكنها هنا "البنت هنا تجلس في المطبخ مذعورة تتلمس جسدها وتخاف أن يدلف محمود من بوابة الدار" محمود هنا يدخل فجأة كما دخل الأب وإن كانت البنت في انتظار قدومه. فدخوله بحد ذاته إرباك لها مع قناعتها بحضوره في مثل هذه الساعة ليكمل مشوار أبيه في لحظة شر بائنة دلف من بوابة الدار محمود لا يختلف عن أبيه بل هو صورة مصغرة عنه في مثل هذه المجتمعات فمن حقه أن يضرب ومن حقه أن يقدم له جميع الخدمات والبنت تدرك كل ذلك من هنا نراها لا تنتظر صراخ أمها ودفاعها عنها بل تلجأ فوراً للعتبة محتمية بشياطينها. "البنت تذكرت العتبة.. قفزت كأرنب مذعور مدت جسدها ووضعت رأسها على العتبة" أي إيمان هذا بخرافة مسكن الشياطين.. الكل مؤمن بالخرافة لكن هناك من يلجأ إليها محتمياً وهناك من يهرب منها خائفاً، فما أن وضعت رأسها على العتبة قبل أن يفعلها محمود صرخت الأم صرختها الأولى كما صرخت في وجه أبيه "العتبة يا محمود.. ليلة الجمعة.. أختك" كانت هذه الكلمات الحاسمة كافية لردع محمود كما كانت كافية لردع أبيه، فطالما أن محموداً لا يختلف عن أبيه في سطوته وجبروته أمام العائلة فإنه لا يختلف عنه أيضاً في خوفه من الشياطين خاصة يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وخاصة الشياطين التي تسكن العتبة فنراه ما إن سمع كلام الأم حتى.. "دخل الهلع قلب محمود وتراجع قليلاً" نفس السيناريو الذي عانى به الأب عانى به الابن ليؤكد القاص على أن الخرافة لم تنته بعد فهي في رأس الابن كما هي في رأس الأب وكذلك البنت التي لم تجد وسيلة تحميها على الأقل حتى الصباح سوى العتبة فأحضرت فرشتها ووضعت وسادتها على العتبة وارتاحت.. ثم أخذت تلامس وجه العتبة وكأنها تنادي ساكنيها لتقول لهم شكراً. العتبة قصة تقول لنا أشياء كثيرة غير الخرافة وأظن أن الخرافة جاءت لتقف أمام الأب والابن في مجتمعات ذكورية لا يحمي إناثها غير الخرافة. ملاحظة: 1-ما بين الأقواس مأخوذ من القصة "العتبة" 2-العتبة، القصة الثالثة من مجموعة خليل قنديل القصصية الموسوعة بإسم "حالات النهار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |