جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

يوم من الأيام المختلفة للحرب ـــ أولغا قداح

أيامي المختلفة في الحرب عاشها كل من دافع عن موسكو عام 41، قادة الجيش المشهورون وجنود النصر، في هذه الحرب العظيمة القاسية كان لكل واحد معركته كما كان له نصره، ولكننا نحن حتى الآن نعلم القليل عن ذلك، التاريخ الكامل الوطني الحقيقي للحرب الوطنية ليس مكتوباً حتى الآن.‏

جاء إلى التحرير رسام معروف هو يوري بوخاديف وجلب معه ذكرياته ورسمه عن يوم واحد فقط من الخريف الفظيع لأول عام من الحرب. وهو عن قصة: كيف تصبح المصادفة في التاريخ حدثاً "واقعة"، ذكرى، عن كيف هو مهم مصير كل إنسان.‏

دون هذا التاريخ من حياة اليافع الموسكوفي التي تظهر شخصية لشخص ما، ومثيرة للبعض، ومهمة للبعض الآخر، فإن تاريخ معركة موسكو سيكون غير مكتمل.‏

كتب "الفيلد مارشال" الهتلري المشهور غورديان في مذكراته عن الحرب مع الاتحاد السوفييتي:‏

إن الحرب كانت خاسرة في 7 نوفمبر "تشرين الثاني" عام 41.. يخطئ غورديان بذلك فالحرب كانت خاسرة منذ 16 أكتوبر "تشرين الأول" عام 41، في النصف الثاني من النهار وكان ذلك كما يلي:‏

في هذا اليوم في موسكو لم يكن هناك قوات، ولا مؤونة، ولا أناس.. الناس أخلوها بسرعة كبيرة.. هربوا من هجوم القوات الألمانية، كلهم ذهبوا في اتجاه واحد إلى الشرق، إلى "اتستراد أنتوزياستوف". وهنا كان ذعراً حقيقياً، المدينة متوقفة "ميتة" جزؤها الأساسي من الغرب كان دون أي حياة.. كان باستطاعة الألمان احتلال المدينة دون أي جهد لو عرفوا أن المدينة ليست جاهزة للدفاع، لكن كل شيء حدث بشكل آخر..‏

كان عمر الفتى 12-13 عاماً، يتيماً.. الأب توفى في السجن.. والأم توفيت في الأسر لدى الألمان، شاحباً، نحيفاً، متقطع الثياب.. تسكع في الشارع باحثاً عن طعام.‏

جاره العم "كولا" اقترح عليه: أنا ذاهب إلى الجبهة متطوعاً وسآخذك معي، أنت هنا ستلقى حتفك من البرد والجوع.‏

فرح الفتى فرحاً طفولياً ووافق على ذلك.‏

صديقه "لونكا" كان قد انضم إلى فرقة الفدائيين، ذهب يبدل "الفودكا" بالقمح، لكن الألمان قطعوا الطريق وبقي هو في المؤخرة، وبعد ذلك وجد نفسه في فرقة الفدائيين.. شائعات كثيرة قيلت عنه منها أنه شارك في المعركة وأنقذ القائد. الفتى فكر أن الحظ سيكون إلى جانبه عندما تذكّر هذه الحادثة.‏

بعد أيام عدة اقترب قطار محمّل بالجنود من "فولوكولامسك"، وعندما بدأ القصف الجوي استشهد الجميع والعم كولا أيضاً.. وعندها قرر الفتى العودة إلى موسكو.. البرد والخوف أجبراه على السير ليل نهار، في القرى لم يكن هناك أي واحد أو أي شيء.‏

أخيراً ظهر نهر موسكو.. عبَر الجِسر بهدوء، لا أحد هناك.. فجأة سمع صوتاً مبحوحاً يناديه: أيها الفتى.. اقترب. اقترب الفتى.. كان هناك جندي يجلس، ذو شعر طويل، ملتح، ذو وجه كثير التجاعيد، نزلت القبعة على عينيه فأصلح وضعها وأصغى إلى السكينة -كما يفعل الصيادون- سماء رمادية توقفت، هدوء مميت...‏

سأل الجندي: أين تذهب؟ أجابه الفتى: "فولاكولومسك"!!‏

-وأين تقع؟‏

-هناك! وأشار الفتى إلى جهة الغرب قائلاً: مسافة 100 كيلو متر.‏

-هل رأيت الألمان هناك؟‏

-لا.. لقد قصفونا قرب "فولوكولامسك، واستشهد الجميع.. كنت ذاهباً إلى البيت ولم أرَ الألمان.‏

نظر الجندي إلى الفتى، بدا نحيفاً جداً لدرجة أن الجندي تساءل بينه وبين نفسه: أين تقبع روحه؟! ثم أخرج من جيبه قطعة من الخبز الأسود.. فجأة، صوت محركات قادمة عكرت صفو الهدوء.. الألمان اقتربوا من نهاية الجسر عند ضفة النهر اليسرى.. سيارات مصفحة عدة ترافقها دراجات نارية توقفت جميعها.. نظروا من خلال ناظورهم إلى ضفة النهر المقابلة وإلى بداية موسكو.‏

فزع الفتى.. وفكر فجأة، ربما، سيعتقدون أن لا أحد هنا، وسيعبرون النهر، وسيكون من المستحيل إيقافهم. في تلك اللحظة الأخيرة أشار الجندي إلى صندوق القذائف وقال للفتى: أنت ستناولني القذائف وأنا سألقم المدفع.‏

رفع الفتى القذيفة ولكنه وقع على الأرض ثم نهض وناولها للجندي.. وناوله التالية وهكذا..‏

لو عرف الألمان أن الطريق إلى موسكو يدافع عنها جندي وفتى وبمدفع صغير..؟‏

دوى صوت القذيفة الأولى ثم الثانية فالثالثة.. في البداية كانت قريبة، وبعدها أصابوا سيارة مصفحة، وتصاعد منها دخان أسود.. عندها تراكض الألمان مذعورين وأطلقوا رشقات عدة من النار عائدين أدراجهم.‏

لمعت عينا الفتى فرحاً، وقال: أول مرة في حياتي يحدث هذا.. وأنا قد اشتركت في هذه المعركة.‏

هذا النصر الصغير "اعتمد عليه" كان بفضله اليوم..‏

لفّ الجندي سيجارة.. وقَسَمَ قطعة الخبز الأسود ونظر إلى الفتى وأعطاه القسم الأكبر، قائلاً: هذه لك.. وبدأ كل منهما يمضغ قطعته بصمت.‏

كانت هذه الحادثة بالنسبة للألمان مريعة وليس لها من مخرج، لأن الاستطلاع الألماني ظن أن الجسر مفخخ بالديناميت، وأن الضفة محمية.. "يجب أن نجهز أنفسنا للهجوم". وقد تطلب هذا يومين أو ثلاثة.. وخلال هذه الفترة كان الوصول إلى موسكو مغلقاً من قبل القوات النظامية القادمة من الجبهة الأخرى.‏

يومان فقط.. وكانت الحرب قد تقررت.. تقررت في النصف الثاني من يوم 16 اكتوبر "تشرين أول" عام 41.‏

سنوات عدة مرت بعد انتهاء الحرب، وأنا أكثر من مرة قابلت بطل الحرب الأسطوري المارشال فاسيلي ايفانوفيتش تشيركوف.. في إحدى هذه المرات حدثته عن هذه الحادثة.. استمع إلي المارشال بصمت، غير مقاطع، وفي الوقت نفسه كان يفكر بشيء ما.. وبعد وقفة طويلة قال بهمس: شخصان فقط.. وماذا لو لم يكونا هناك؟ من المريع التفكير أن الألمان كانوا سيحتفلون بالنصر في هذا اليوم. صمت قليلاً ثم أضاف: ما اسم هذا الجندي؟‏

أجبت: اسم هذا الجندي ليس معروفاً، أما ذلك الفتى فكان أنا!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244