|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مع الشاعر والباحث محمد كمال ـــ حوار: فواز حجو الشاعر والناقد محمد كمال أديب مخضرم... عاصر أجيالاً من الأدباء في سورية بدءاً من جيل عمر أبي ريشة وسليمان العيسى ونزار قباني، وانتهاءً بجيلي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ومازال يشهد الجيل الجديد مطلع الألفية الثالثة أمدّ الله في عمره، وقد أسهم بنتاجه الأدبي والفكري في رفد الحركة الأدبية، وهو علم من أعلام الأدب المعدودين في سورية. والشاعر محمد كمال مثقف ثقافة موسوعية، ومن هذا المنطلق يُستفتى في شؤون الأدب والثقافة، وله آراء على غاية من الأهمية، وهذا ما حفزنا إلى أن نجري معه المقابلة التالية: ـ لقد نشأت في بيئة صوفية.. ما تأثير هذه البيئة في شعرك؟ *منذ أن كنت في الخامسة أو السادسة من عمري، كان والدي ـ رحمه الله ـ يصطحبني إلى الزاوية الهلالية في حي الجلّوم، حيث تقام حلقة الذكر على إيقاع الأناشيد الدينية العذبة، وقد كان لهذا تأثيره الكبير في تعاملي المبكر مع الوجود وفي تصعيد الرؤية الشعرية فيما بعد إلى عوالم تحتفظ بنقائها سواء على مستوى طبيعة التجربة أم على مستوى الأداء الشعري. ـ أنت تجمع في ثقافتك بين الثقافة التراثية الأصيلة والثقافة المعاصرة.. وتجمع أيضاً بين الثقافة العربية والإسلامية من جهة والثقافة الغربية من جهة أخرى.. فما تأثير هذا التكوين الثقافي في نتاجك الشعري والنثري؟. *الخبرة الثقافية عامل ضروري في توسيع التجربة الشعرية وتعميقها، ولا غنى عن الإطلال على مختلف ألوان الأدب والفن، ولقد كنت وأنا في العاشرة من عمري أفتتن بالبيان العربي، نثره وشعره، فكلما سمعت من أساتذتي باسم أديب مشهور أقبلت على قراءة كل أعماله، أكان من الأدباء العرب أم الأجانب، وأذكر أني وأنا في الخامسة عشرة من عمري قرأت ترجمات الشاعر خليل مطران لمسرحيات شكسبير، ثم أعدت قراءتها فيما بعد مرات ومرات وبترجمات مختلفة، وهذا ما فتح أمامي أبواب الأدب الغربي وحفزني على التوسع فيه ولاسيما ما يتصل بالمسرح والقصة القصيرة، وإن كنت لا أنفك أقلب دواوين شعرائنا العرب القدامى والمحدثين وأستقي من ينابيعهم ما يعينني على فهم مداخل التعبير ومخارجه والأساليب اللغوية المختلفة في الأداء. وهذا بالإضافة إلى ولعي بالفن التشكيلي الذي لا يفترق عن الشعر في التعامل مع الظلال النفسية وتدرجات الألوان ووحدة التكوين. ـ لاشك في أن قراءاتك كثيرة في الشعر قديمه وحديثه، وقد أحسست بأن أكثر الشعراء تأثيراً في شعرك هو عمر أبو ريشة.. فإلى أي حد يصدق هذا الحكم؟. وإن صدق، فهل يمكن أن نقول إن الشاعر محمد كمال من مدرسة "عمر أبو ريشة"؟. *أنا لم أتأثر أبداً بالشعراء الغربيين وإن كنت قد اطلعت على قصائد الكثيرين منهم مترجمة إلى اللغة العربية، لأنني أعتقد أن الشعر فن خاص بالأمة نفسها والناطقين بلغتها، على خلاف الفنون الإبداعية الأخرى، فالشعر مهما اتسعت آفاقه يظل تعبيراً لغوياً يستمد من اللغة نفسها عناصر أدائه. أما عمر أبو ريشة فاعترف بأنني قد تأثرت به لا من حيث طبيعة التجربة، ولكن من حيث البناء والتصوير والاستفادة من إمكانات اللغة، غير أنني كتبت الشعر الحر متأثراً بأهم أعلامه وهم السياب وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي. وإذا كانت مدرسة الإحياء المتمثلة بالبارودي وأحمد شوقي وغيرهما قد أنعشت الذاكرة الشعرية العربية، فإن "عمر أبو ريشة" قد استطاع بموهبته الفذة أن يخلق ذاكرة شعرية يانعة جديدة من غير أن يلغي الذاكرة القديمة المتوارثة كما أراد أن يفعل أدونيس وجماعته، وأي بقاء لأمة تلغى ذاكرتها؟! ـ حبذا لو حدثتنا عن أول مقال نقدي نشرته يوم كنت تدرس في جامعة دمشق، ثم عن المقال الثاني الذي رددت فيه على د. محمد النويهي في مجلة (الآداب). *أذكر أن أول مقال نشرته كان عن شاعر الهند رابندرانات طاغور في مجلة ثانوية المعري، وذلك في سنة 1957 على ما أظن وأنا في الصف الأول الثانوي، وكنت أتابع بشغف ما ينشر في مجلة (المجلة) المصرية و(الآداب) البيروتية، وكان الدكتور محمد النويهي الناقد المعروف قد نشر دراسة نقدية موسعة على صفحات (الآداب) عن قصيدة (أغنية من فينا) للشاعر صلاح عبد الصبور، ولكن هذه الدراسة لم تتجاوز حدود السطح اللغوي للقصيدة، فنشرت رداً على الدكتور النويهي في العدد التالي وذلك في عام 1965 بينت فيه ما في نص الشاعر صلاح عبد الصبور من رموز وإيحاءات غفل عنها قلم الدكتور النويهي، وقبل هذا المقال بسنتين نشرت مقالاً آخر لا أكاد أذكر موضوعهُ الآن. ثم توالت بعد ذلك مقالاتي النقدية في الصحف والمجلات السورية والعربية. ـ كيف ينظر الأستاذ محمد كمال إلى عملية النقد الأدبي، وكيف يتعامل مع النص الأدبي في مقارباته النقدية؟ *لا أستطيع أن أحدد لي موقفاً نقدياً واضحاً، ولكنني أزعم أن العمل الأدبي الذي أتصدى لنقده والذي أثار اهتمامي هو الذي يفرض المنهج أو الموقف النقدي، ومع ذلك فأنا في النقد أتعامل مع إبداع فني، ولابدّ والأمر كذلك أن أتوجه أولاً وآخراً، إلى العناصر الجمالية التي تتلامح في تجليات هذا العمل الأدبي دون محاولة فصل المضمون عن الشكل. ولاشك في أن الفنون الأدبية المستحدثة أدت إلى استحداث أساليب نقدية متنوعة، فمن النقاد من يرى في العمل الإبداعي تعبيراً عن تجربة الأديب الوجدانية أو الفكرية الخاصة. ومنهم من يرى أن ليس من المهم أن تعبر عن تجربتك الخاصة وإنما أن تثير في نفس القارئ بحذاقتك ومهارتك تجربة مماثلة، وهذا يعتمد حتماً على القوة السحرية التي يمتلكها الأديب وعلى خبرته الطويلة. ولكن النقاد الشباب في معزل عن ذلك كله، إنهم ليسوا أكثر من صحفيين يملؤون أعمدة الصحف والمجلات إما باستعراض ثقافتهم النظرية المرقعة وإنما بملامسة النص بأساليب وهمية ملتوية تخاف الخوض في العمق. ـ لك آراء خاصة في الشعر، وفي بعض المصطلحات الخاصة به.. فهل لك أن تحدثنا عن ذلك؟. *لاشك في أن الشعر في العقود الأخيرة من القرن العشرين وإلى يومنا هذا قد وقع في مأزق الغموض والتعمية حتى أصبح في واد والقارئ المتذوق في واد آخر. ومردّ ذلك في رأيي إلى إغراق الشعراء في التجريد المسرف وابتعادهم عن الصدق الفني وإعراضهم عن استغلال إمكانات الحواس وهدمهم الجسور الجمالية والمعرفية بينهم وبين المتلقي، فالشعر مهما ألبسناه ثوب الإلهام والإبداع محتاج إلى مهارة لغوية ومقدرة بنائية وصنعة تشكيلية. وبذلك تنصاع القصيدة لأوامر الفكر والشعور والعاطفة وتتخلص من الفضفضة والترهل والغموض، وليس مثل الفنان الذي يمهل الصنعة ـ كما يقول النحات رودان ـ إلا كمثل السائس الذي نسي أن يعلف جواده الشعير قبل الانطلاق، فقد تبدأ القصيدة تحت ضغط مصادفة انفعالية ما، ولكن هذه المصادفة لا يجوز أن تستمر، كما أن القبح في الواقع يتحول إلى جمال في الفن، فإن الجمال قد يتحول إلى قبح عندما لا يمتلك الفنان قدراً من المهارة والصنعة وبراعة الأداء. أما مصطلحات الشعر فإنها الركيزة الأولى في ممارسة النقد السليم، ولهذا دعوت إلى تسمية العمودي أو التقليدي بالشعر النظامي، وذلك في مقابلة الشعر الحر، كما دعوت إلى تسمية قصيدة النثر بالنثيرة، والجمع نثائر على وزن قصيدة وقصائد، وذلك لأن المصطلح الإشكالي يؤدي إلى نقد إشكالي. ـ هناك عدد غير قليل من المقالات والأبحاث التي نشرتها في الصحافة المحلية والعربية.. وإلى الآن لم - تجمع في كتاب.. وهذا ما يذكرنا بتأخرك أيضاً في طبع ديوانك الأول... فلماذا كل هذا التأخير في جمع ما لديك من دراسات نقدية؟. *أعترف لك بأنني كثير الإهمال واللامبالاة، وأن رياح العبث واليأس تتناوح في أرجاء ذاتي، فأنا أكتب وأقرأ وألتهم الصفحات المطبوعة والبيضاء ولا أعرف لماذا. شاركت في عدة ندوات ومؤتمرات وكتبت أبحاثاً في التراث والأدب الشعبي والأدب الأجنبي والأدب الحديث، ولا أدري متى يحل في داخلي إنسان رصين جادّ يقوم بجمع هذه الأبحاث في كتاب. وإن كان معظم ما كتبت نشر في المجلات والصحف، وأنا إلى الآن لا أعرف كيف تم لي أن أتخذ قراراً بطبع مجموعتي الشعرية الأولى (حريق الفصول). وهل سيفاجئني قرار آخر بطبع مجموعتي الثانية؟. ـ في خضم التحدي الحضاري الذي تواجهه أُمتنا، والذي يُنِذر في المرحلة الأخيرة بما يُسمى صدام الحضارات، كيف يمكن لحضارتنا أن تصمد أمام هذا التحدي؟. وما مقومات الصمود التي يمكن لأُمتنا أن تأخذ بها في مواجهة هذا التحدي. *الحضارات منذ فجر التاريخ تتصارع وتتصادم، ومن هنا تأتي ضرورة قراءة التاريخ ووعي تفاصيله لتفهم قوانين الحياة. لقد كانت مواقفنا الحضارية في القرن الماضي تترجح بين مواقع الهجوم ومواقع الدفاع، وقد آن لنا رداً على هذه التحديات أن نعكف على ذاتنا لا مهاجمين ولا مدافعين، بل عاملين على تعزيز قناعتنا بأنفسنا بعد أن أزهقتها النكبات المتوالية وذلك بالتمسك بأهم قاعدة من قواعد وجودنا الحضاري وهو اللغة، فالعلم يمكن استيراده، ولكن اللغة هي السنابل التي لا تنبت إلا في تربتنا نحن وبرعايتنا نحن، إنها وسيلة الإبداع للروح وللفكر، والإبداع قوة وتحد وثبات. والدفاع عن المجد العربي القديم لا يكون إلا ببناء مجد حادث يحمي القديم ويمهد للمستقبل، وقد أدرك القدماء هذا المعنى حين قال أبو يعقوب الخريمي: إذا أنت لم تحم القديم بحادث من المجد لم ينفعك ما كان من قبل ـ لقد قمت بتحقيق (موسوعة حلب المقارنة) للأسدي وتابعت طباعتها في جامعة حلب في ظروف صعبة، فأرجو أن تحدثنا كيف تمكنت من طباعتها في الوقت الضائع؟. *تحقيق موسوعة حلب المقارنة للعلامة الأسدي كان الإنجاز الأهم في مسيرتي العلمية فقد أمضيت في تحقيقها زهاء تسعة أعوام بدءاً من عام 1979 وذلك ضمن ظروف صعبة تمكنت بحول الله من تجاوزها، فقد تفرغت مطبعة جامعة حلب التي تتولى طباعتها لطباعة الكتب الجامعية فقط، ومع ذلك فقد كنت أتحين الفرص لأدفع بالملزمة تلو الأخرى سراً وبطرق ملتوية إلى الطباعة، مع أن الجامعة كلفتني آنئذ بالتدقيق اللغوي المكثف والمجهد للكتب الجامعية، بالإضافة إلى أنني أصدرت في تلك الآونة الحرجة فهرساً للمخطوطات المودعة في معهد التراث العلمي العربي والبالغ عددها نحو (500) مخطوط بكل ما يقتضيه هذا العمل من دقة وصبر. وأي أجر أنتظره بعد أن تمت الموسوعة وتناهبتها الأيدي بشغف وإعجاب؟! ـ بعد أن حققت موسوعة الأسدي استدركتَ عليها كثيراً من الأمور. وهذه الاستدراكات منها ما نشر ومنها ما بقي مخطوطاً.. فهل يمكن أن تعطينا فكرة عن هذه الاستدراكات أو التعليقات التي دوّنتها على هامش الموسوعة؟. *حينما كنت أقوم بتحقيق الموسوعة كانت تمر بي تحليلات لغوية لا أوافق الأسدي عليها أو مفردات وتعابير أخلّت بها الموسوعة، أو صيغ فنية لها أصول في التراث العربي لم يتعرض لها الأسدي، فكنت أسجل ذلك كله وأضيف إليه فيما بعد ما توصلت إليه من استدراكات أخرى، وقد كنت نشرت بعضاً من هذه الآراء في مجلة (الضاد) إيماناً مني بأن جهد الأسدي في موسوعته الرائعة لا يضاهيه جهد آخر لما كان عليه من ثقافة لغوية واسعة وحسنّ شعبي متحضر واقتناع بأن عمله هذا قد تفتح الباب واسعاً أمام جدل علمي مثمر تعرضت له الفصحى في العهود السالفة، فكيف بالعامية المحلية. ـ حفلت موسوعة الأسدي بكثير من المراجع والمصادر، وبما أنك حققت هذه الموسوعة، فأرجو أن تحدثنا عن مراجع الأسدي في موسوعته، وما مدى الاطمئنان إليها من الناحية العلمية؟. *مراجع الأسدي في الموسوعة فقد ثبتها مع ما فقد من فوات الموسوعة. وهذا ما يؤسف له. إلا أن مكتبة الأسدي العامرة التي عرفها الناس كانت تحوي من الكتب والوثائق النادرة ما لم تكن تحويه مكتبة أخرى في حلب، ومن بين هذا الكتب معاجم لغوية عربية وسريانية وفارسية وكلدانية وآرامية. بالإضافة إلى معاجم اللغات الأوربية المعروفة، عدا عن كتب التاريخ والجغرافيا والسالنامة المتعلقة بحلب وكتابي الطباخ والغزي اللذين أمدّا الأسدي بمعلومات وفيرة عن تاريخ حلب وأعلامها وأحيائها وأسواقها وأوابدها الأثرية، فكان الأسدي في تحليلاته اللغوية يرجع إلى هذه المعاجم، ويستعين بها في رد مفردات اللهجة الحلبية إلى أصولها المنحدرة منها، بعد إعمال فكره وإبداء رأيه، كما يرجع إلى كتب التاريخ الخاصة بحلب، يستخلص منها ما يشاء من معلومات يوجزها في أسطر قليلة دون إغفال المصدر الذي نقلت عنه، أما الحكايات الشعبية والصيغ الكلامية المختلفة والمعتقدات الشائعة والأمثال والحكم فلا شك في أنه جمعها بنفسه من خلال تنقله في الأحياء واختلاطه بالناس، ومن هنا اكتسبت الموسوعة مصداقية توثيقية تامة لا يمكن الطعن فيها، وإن كانت هذه المصداقية قابلة للجدل كما بينت سابقاً. المهم أن الأسدي أقدم على مغامرة صعبة لا يجرؤ عليها غيره، ولكنه حقق النجاح وأعطى مدينته فوق ما أعطته بكثير. ـ كيف ينظر الأستاذ محمد كمال إلى (أغاني القُبة) للأسدي الذي وصفها بقوله (نفحات صوفية) وعدّها من الشعر المنثور بل عدّها مدرسة جديدة في الشعر. ثم عدّها غيره فتحاً جديداً وريادة غير مسبوقة في قصيدة النثر، وبما أن (أغاني القُبة) تنسب إلى التصوف، فما صحة هذا النسب، وهل كان الأسدي متصوفاً حقاً؟. *السؤال ذو شقين: الأول حول صوفية الأسدي في كتابه (أغاني القُبة) والثاني حول ما يسمى بقصيدة النثر ونسبتها إلى الأسدي. أما الشق الأول فإن الأدب الصوفي الذي توارثناه عن أعلام التصوف سواء في الشرق الإسلامي أم في الأندلس قد انبثق عن تجارب صوفية عميقة لم تكن في تألقها الإبداعي معزولة عن سلوك هؤلاء المتصوفة ومجاهداتهم وعبادتهم التي تزاوج عند المعتدلين منهم بين الشريعة والحقيقة. أما الأسدي فلم يعرف عنه أنه كان يعبأ بالسلوك التصوفي الملتزم، وإن كان يملك الكثير من زهد العلماء وتقشفهم، أما كتابه (أغاني القُبة) فلم يكن إلا انعكاساً أو تعبيراً عن تأثره وإعجابه بالمتصوفين الفرس وولعه بتلك التلوينات والتزيينات الروحية التي أفرغها في قوالب لغوية ساحرة تنحو منحى الحدس والتجريد والتخيل، ونحن نرى أن الشاعر البياتي في دواوينه الأخيرة قد أغري بأجواء التصوف وعوالمه الفاتنة، فظهر ذلك في أدواته التعبيرية الشعرية التي أفادته في تصوير خبرته الوجودية وتحليقه في آفاق جمالية تنأى عن الواقع المقيت وتتبرأ منه، دون أن ينعكس ذلك على سلوكه وتصرفه اليومي. وهكذا كان الأسدي. وأما الشق الثاني فإن الأسدي لم يزعم أنه كتب ما سمي فيما بعد بقصيدة النثر، وإنما زعم أنه كتب شعراً منثوراً، والفرق واضح، فقد كان يعلم أنه يكتب نثراً توشيه الأخيلة والصور والومضات الروحية، ولهذا لم يجرؤ على تسمية كتابه هذا باسم (ديوان) لأنه كان يعرف الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر، ولكنه مع ذلك إنما أراد أن يثبت لأقطاب الشعر في عصره أن هناك نثراً لا يقل عن الشعر بهاء وجمالاً، وهكذا كان كتابه (أغاني القُبة) ثورة إبداعية خارقة بعيدة عن قوانين الشعر أو قوانين النثر. وأقول لك: إن (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري تقوم في هيكلها البنائي على عناصر روائية واضحة. فهل يصح لنا أن نطلق عليها اسم رواية (رسالة الغفران)؟. لاشك في أن ذلك سيكون نوعاً من التزييف والتخليط، كما أن بعض مسرحيات هنريك إبسن مشحونة بالأجواء الشعرية سواء في مشاهدها التي تصور تيقظات الروح وتوهجاتها أم في حوارها البلاغي المتألق، ولكنها مع ذلك تخضع لنواميس المسرح لا لنواميس الشعر. وأولئك الذين يعتقدون أن الموسيقا في الشعر عنصر يمكن إسقاطه هم أناس لا يعرفون كيف يزاحمون الغيوم. ـ كان لك مشاركة في (ندوة ابن عربي) التي أقيمت في جامعة حلب عام 2000، وقدمت فيها بحثاً عن مؤلفات ابن عربي، كيف تنظر إلى هذه الندوة بشكل عام، وإلى ابن عربي بشكل خاص؟ *تعلم أن التيار التصوفي الذي ينتمي إلى الينابيع النقية الصافية يمثل جانباً مهماً من نظرية المعرفة الإسلامية أو التصور الإسلامي العام لله والكون والإنسان، فلا يمكن إغفال هذا التيار حين الحديث عن تاريخ الفكر الإسلامي، والشيخ ابن عربي نظراً إلى غزارة إنتاجه وخطورة الموضوعات التي طرقها يعد من أبرز أقطاب هذا التيار، وحينما أقمنا الندوة حوله في عام 2000 كنا على يقين بضرورة إعادة النظر في ثقافتنا العربية الإسلامية التي اتسمت بدينامية فاعلة متطورة لا تتوقف عند الإبداع والتوهج والديمومة، ولا تحد من حرية الفكر وتجلياته المختلفة. ولا تتردد في استثمار مختلف طاقات الإنسان العقلية منها والروحية، ولعل الاهتمام بابن عربي وغيره من أئمة التصوف أن يكون سبيلاً إلى انتشال إنسان هذا العصر من التردي المادي والضياع الخلقي وتحريضه على الاستفادة من القيم التي تؤكد العلاقة المتواشجة بين السماء والأرض. ـ بما أنك قرأت كتاب (الأغاني) للأصفهاني واستغرقت في قراءته كاملاً بضع سنين.. فما الحصيلة التي خرجت بها من هذا الكتاب؟. *لا يمكن أن توصف المتعة الذهنية والنفسية التي يجتينها قارئ كتاب (الأغاني). فهو سجل حافل بترجمة من خمسمائة شاعر عاشوا قبل القرن الثالث الهجري، بالإضافة إلى ذكر المئات من المغنين والإماء والقيان والأمراء والقُواد والوقوف عند بعض أيام العرب في الجاهلية والإسلام، إلى غير ذلك من مناهج الحياة الاجتماعية في العصر العباسي ووصف مجالس اللهو والمجون من غير تحفظ أو مواربة تخل بالمواقع أو تحجب أسراره وخفاياه. ومن هنا كان اختلاف هذا الكتاب عن كتب التاريخ أو التراجم. وأمتع ما فيه تلك القدرة السردية القصصية التي كان يمتلكها أبو الفرج مما أعانه على سوق الأخبار ورواية الوقائع وتصوير أوجه الحياة بلغة حية نابضة متدفقة قد يتخللها حوار واقعي يكشف حكمة أهل الجد وتهتك أهل الهزل، من غير أن يتحاشى بعض المفردات والتعابير العامية الشائعة. على أن أخباره التي عرضها في كتابه وإن كانت مدعمة بالأسانيد الموثقة كان بعضها موضع طعن وتشكيك من قبل عدد من العلماء القدامى كالخطيب البغدادي، والمحدثين كالدكتور زكي مبارك والدكتور محمد أحمد خلف الله، والمستشرقين أمثال بلاشير الفرنسي الذي أكد أن على من يود الرجوع إلى هذا الكتاب الحذر وعدم اتخاذ معطياته التي يوردها مستندات. وأذكر أنني كنت أقرأ منه كل يوم مقدار ساعة واحدة. وذلك بصوت مسموع لما للتلقي السمعي للأخبار والأشعار في هذا الكتاب من ميزة على الاكتفاء بالتلقي البصري تكمن في الطرب لأسلوب أبي الفرج والتمتع ببيانه الأخاذ، والكتاب بعد هذا غني بالآراء النقدية الشعرية التي يدلي بها أبو الفرج نفسه أو ينقلها عن غيره من أصحاب الذوق والخبرة ما يغذي العقل وينمي الذوق بالإضافة إلى الآفاق الرحبة التي يبسطها الكتاب أمام وثَبَات الخيال الأدبي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |