|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
لُكْرِيْتِس... الشاعر والفيلسوف ـــ محمد سليمان حسن ولد (لكريتيس Lucretius) في روما سنة (98 ق. م)، وتوفي فيها أيضاً سنة (55 ق. م). ينحدر هذا الشاعر الفيلسوف من أسرة رومانية عريقة، إذ كان أجداده من علية القوم. تسنمو قناصل لروما في أماكن عدة، لمدة زمنية طويلة. وعلى الرغم من حياة البذخ والترف والعمل السياسي لأسرته، والمجال المفتوح أمامه لتسنم أكبر المناصب، إلا أن شاعرنا هذا، عفت نفسه عن كل هذه (الرزايا) -في نظره-، منصرفاً عنها إلى حياة الأدب والشعر والفلسفة. وإلى جانب السياسة التي عافتها نفسه، فقد ترك آلهة الرومان ومعتقداتهم الدينية، معتبراً أن هذه الآلهة المتعددة والمتكثرة، وسدنتها القائمين على شعائرها وطقوسها لا تعدو أن تكون سبة للعقل وحرية الإنسان.(1). لقد ساهم الوضع السياسي للدولة الرومانية في ازدهار الحركة الفكرية في روما. فقد كانت روما أيام (لكريتس) تعيش فترة ازدهار الإمبراطورية الرومانية على الصعيدين الداخلي والخارجي، مما أتاح لشاعرنا فترة من الهدوء والتأمل، قادته لتكون مسار حياته المعرفية. لقد قادته تأملاته ودراساته في الفلسفة إلى اعتناق مذهب (أبيقورس) صاحب الفلسفة (اللذة) لدى اليونان، غدا شاعرنا من غلاة الداعين إليه عند الرومان. فالمدرسة الأبيقورية تقوم على التجريب والحسية وضبط النفس والإعلاء من قيم الإنسان. فوجد (لكريتس) في هذه الأخلاق القائمة على التغلب على الذات وضبط الأهواء، والحد من الرغبات ومقاومة المخاوف الخرافية، ما يلائم استعداده الروحي. وهي الفلسفة التي توائم بين روح الفرد والطبيعة المادية للكون.(2) ولم يقف (لكريتس) في تأثره عند حد المدرسة الأبيقورية، بل تعداها إلى الفلسفة اليونانية الأولى (المدرسة الطبيعانية). فقد تأثر بنظريات (ديموقريطس) الطبيعانية. فعرض كل ذلك في ديوان شعري، بلغة شعرية جذابة. فقد ترك لنا شاعرنا ديواناً شعرياً سماه "في طبيعة الأشياء "de rerun natura"، عرض فيه مجمل معتقداته الفلسفية والمدارس التي تأثر بها. وهو وإن لم يزد شيئاً عما أبدعه أساتذته، إلا أنه قد حفظ لنا نتاجهم المعرفي، وقدمه لنا بلغة شعرية، تنم عن قدرة على التعبير، تمور بروح الشاعرية اليونانية الأخاذة.3 قسم (لكريتس) ديوانه "في طبيعة الأشياء) إلى ستة كتب هي(4): 1-يبحث فيه عن الذات التي يتألف منها كل كائن، فلا شيء عنده يولد، ولا شيء يفنى. 2-حلل فيه خواص هذه الذرات التي تولدت عن حركتها هذه الأشكال. 3-يصف فيه طبيعة النفس المتكونة من الذرات، كيف تفنى مع الجسد. 4-تضمن سؤالاً عن وماهية الفكر، يميل فيه إلى إثبات الفلسفة الحسية، وعمل الأهواء والميول. 5-وهو أجل وأخلد ما جادت به قريحة (لكريتس) شعراً وتفكيراً وتعبيراً. وقد ضمنه نظراته إلى فلسفة من تأثر بهم من الفلاسفة. 6-بدأه (لكريتس) بمدح لأستاذه أبيقور ولمدينته أثينا. يبتدئ (لكريتس) ملحمته الشعرية هذه، بالإبتهال إلى (فينوس= الزهرة)، إلهة الحب والجمال. جاعلاً إياها الأصل الذي انحدرت منه الأمة الرومانية، وهي، الرمز الكوني للخلق. ثم يطنب في مديح إستاذه (ابيقورس) صاحب المدرسة الأبيقورية في الأخلاق. وهو في مديحه لأستاذه يعمى عن كل من أخذ منهم من الفلاسفة. إذ يعتبر أن أستاذه (أبيقور) هو الأول والآخر في الفكر الفلسفي. وينسى أن (المذهب الذري) في الفلسفة، ليس من معلمه (أبيقور) وإنما من فلاسفة عاشوا قبله بسنوات، تتلمذ أستاذه على أيديهم، وأخذ منهم وطّور، أمثال (لوقيبوس) و(ديموقريطس). لكن حبه لأستاذه أعماه أو حيّده عن الموضوعية(5) إن فلسفة (ديموقريطس) تنحوه منحى فلسفة أستاذه (لوقبيوس) التي تقول: "إن ليس من العدم إلا العدم" وإن "كل شيء تفسره الذرات وحركتها في الفضاء". هذا هو مذهب (لوقيبوس) وقد أقره (ديموقريطس) وكمله. فقد فرض "أن الفضاء بلا نهاية، تسبح فيه الذرات، وعدد من العوالم "وأن" العوالم كالبشر والحيوان خاضعة هي أيضاً لغير الدهر وسنة الازدهار والانهيار". وقد أضاف (ديموقريطس) أيضاً إلى هذه النظريات الطبيعية، بعض الآراء النفسانية والماورائية والأخلاقية "فما الآلهة إلا تراكيب ذرية أقوى من تراكيب النفوس البشرية". ولذا "يطول أمد حياتها". "لكنها "هي أيضاً مائتة أو فانية". وبالتالي "لا خرافات ولا أوهام ولا مخاوف. إذ الآلهة والبشر في البلاء سواء". أما (أبيقورس) أستاذ شاعرنا (لكريتس) الذي عزا إليه كل ما قدمناه، فقد أضاف إلى فلسفة (ديموقريطس) الطبيعية: "انحراف الذرات التلقائي أو الذاتي، الذي منه تصدر ميول النفس وإرادتها الحرة".(6) وإذا كان من ميزة لفلسفة (أبيقورس) أستاذ (لكريتس) سوى ما تكلم به عن "انحراف الذرات..." فهو أن هذه الفلسفة البيقورية كانت بعيدة عن السفسطة الأغريقية القديمة. لأنها لم تنشد المنفعة، وتتجنبها، متجنبة حتى الفوائد المادية.(7) أخيراً نقول: هذه هي التعاليم التي اتبعها (لكريتس) فقدمها في قالب شعري بديع، بقريحة شعرية. مغتنماً الفرصة في كل حين لمديح أستاذه (ابيقورس) إلى حد التأليه. فقد راقت لشاعرنا الدهري هذه الفلسفة المادية، وماورائيتها. إذ إن شاعرنا، ينكر على النفس خلودها وعلى الآلهة سرمديتها، لأن العالم والكون، أداة طيعة في يد الحتمية الصماء. (1)-فؤاد جرجي بربارة، الأسطورة اليونانية، دمشق، وزارة الثقافة، 1966، ص 48 -(2) نفس المرجع، ص 49 (3)-برتراندراسل، حكمة الغرب، ج1، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983، ص 210 (4)- د.عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلاسفة، ج2، دار الطليعة، لبنان، ط3، 1990، ص 416. (5)- فؤاد جرجي بربارة، مرجع سابق، ص 50. (6)- مرجع سابق، ص 25. (7)- د.هاني يحيى نصري، إشكالية الشر، دمشق، دار علاء الدين، 2001، ص 48. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |