جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

خليل حاوي شاعر المقاومة والفروسية ـــ رشاد أبو شاور

منذ هبّت علينا رياح خليل حاوي الشعرية، حملت ديوانيه الأولين: نهر الرماد، والناي والريح، وحفظتهما، ودرت بهما في شوارع دمشق -حيث كنت أعيش آنذاك- مع أصحابي النزقين، الغاضبين، الذين يمموا بأحلامهم آفاقاً لا تحد، ووجدوا في خليل حاوي حاديهم، وفارسهم، ومنشد قصيدة سفرهم الممض الطويل العسير في صحراء وهاجرتهم.‏

كنت واحداً من المؤمنين بتحرير فلسطين بالقوة، وبأن وحدة العرب هي طريقهم للمجد والعزّة، وبأن أخلاق الفروسية، والتضحية، والتمتع بالهمة العالية هي بعض صفات من اختاروا لنفسهم هذا الدرب الصعب...‏

مع بداية رحلة رافقنا صوت خليل حاوي، بنشيده الجسر، يشد من أزرنا، ويقوي من عزيمتنا، ويزرع في أرواحنا، وعقولنا الشعور بالعزّة، واليقين بأن عبور الجسر من مستنقع الشرق إلى الشرق الجديد، من دخان الفحم في صحراء العرب إلى فجر النور، من زمن الخصيان إلى زمن الفارس الممتشق سيفه يضرب به أذرع التنين، ويصرع الشر.. هو قدرنا، وهمّنا الجليل... لذا، ونحن نبدأ رص صفوفنا في المنافي، ونبدأ في تكوين الخلايا الأولى للمقاومة، كان خليل حاوي معنا بنشيده الجسر، وكنّا نحن، من انتدبوا أنفسهم لـ (تجربة) العبور، قد أخذنا في إعداد أنفسنا، بغسل أرواحنا بالزيت والكبريت، لنكون أقوياء، قادرين على تحمل معاناة العبور من شرق شرّش في الوحل، وامتلأ بدنه بالوحل، وغرق عقله في أسن الوحل...‏

في دمشق التقيناه، في أمسية لا أنساها، في مقر اتحاد طلبة فلسطين، في منطقة الجسر الأبيض، قدّمه فيها الكاتب المفكّر مطاع صفدي تقديماً باهراً يليق بشاعر يبشّر بالانبعاث، والنهوض، والخروج من زمن الانحطاط والعجز.‏

أكانت مصادفة أن أمسية خليل حاوي الأولى تقام في مقر اتحاد طلبة فلسطين في مطلع الستينات، بعد عودته من (كامبرج)، وبدء إطلاقه لنشيده الشعري المميز، والذي لا يشبهه شعر آخر، ولا يشبه شعراً قيل من قبل؟!‏

عندما التقيته في (دار العودة) قلت له: نحن كنّا ننشد (الجسر)، حين كنّا نتدرب سرّاً، ونتهيأ لبدء إعلان مقاومة الفلسطيني للزمن الصهيوني...‏

بدا السرور على وجهه ودعاني لزيارته في الجامعة الأمريكية حيث يدّرس. قال لي:‏

-عادة أكون مع طلاّبي وطالباتي في ساحة الجامعة، أو في (البوفية)..‏

زرته، فرحت بي كثيراً، وتمشيت معه ومع طلاّبه وطالباته، ومن بعد شربنا القهوة في (البوفية).‏

خليل حاوي هو شاعر مقاومة حضارية، إنه ليس محرّضاً آنياً، فهو صاحب رؤيا، ورسالة، ولذا كان أكبر من أن يحتويه حزب، أو تيّار سياسي، وهذا ما جعل كثيرين من تيارات سياسية، وفكرية، يردّدون قصائده، ما داموا قد انتدبوا أنفسهم للمشاركة في قيامة الأمة.‏

هذا الشاعر ما كان يحتمل الغلط. حدّثني أحمد سعيد محمدية، صاحب دار العودة للنشر، أنه -خليل حاوي جاءه مفزوعاً ذات صباح، وأخبره أنه رأى في منامه خطأين مطبعيين في ديوانه الذي كان مصفوفاً في المطبعة، وألحّ عليه أن يحضر (البروفة) للتيقّن، ويهدأ خاطره.‏

عندما أحضرت البروفة وجد خليل حاوي خطأين، فعلاً، فصححّهما، وراق خاطره!‏

منذ صدرت الطبعة الأولى من ديواني (نهر الرماد) و (بيادر الجوع) حفظت الجسر، وغيرها، وما زلت أردّد:‏

أنت يا موطوءة النهدين‏

يا نعش السكارى‏

وما زلت أردّد:‏

نحن في بيروت مأساة ولدنا‏

بوجوه وعقول مستعارة‏

تولد الفكرة في السوق بغيّاً‏

ثمّ تقضي العمر في لفق البكارة‏

مرّات كثيرة أسأل نفسي: هل يمكن حذف كلمة، مقطع، من قصيدة لخليل حاوي؟ وأجيب: لا يمكن.. لأن قصيدة حاوي تتميز ببناء محكم، لا تزيّد فيه، ولا ترهّل، وهذا برأيي يعود إلى أن قصيدته ليست قصيدة مناسبة، ولا هي لحظة نفسية عابرة، أو انفعال مؤقت سريع الزوال.‏

خليل حاوي عظمته أنه شاعر أمة في حالة احتضار، ولابدّ لها من القيام من احتضارها الطويل، بفكر خلاّق، وأخلاق تصلّب روحها، وتعيد صياغة إنسانها، لتبوّئه مكانة رفيعة ولائقة تحت الشمس.‏

لذا فقصيدة خليل حاوي ستعيش طويلاً مع الإنسان العربي، بما فيها من عناصرها حياة، وبما تحويه من حالة تشوّف للنهوض، وفيما بعد، لما تحمله من عناصر هي شروط لديمومة الأمة حيّة، تتميّز بالكرامة، والعطاء، وغنى الروح الإنسانية...‏

خليل حاوي شاعر الصورة التي تحمّل أشد الأفكار تعقيداً، وبيكيمياء لغته المتفرّدة، تمنح هذه الأفكار غنائية، وهذا ما ينشئ علاقة عميقة بين الشاعر المنشد، وحاملي همّ قيم العبور التي يبشّر بها، ويحض عليها...‏

فلسطين حاضرة في كل شعر خليل حاوي، لأنها لن تنفض الزمن الصهيوني بدون تطهّر الإنسان العربي، وتخلّصه من أسباب ضعفه وهوانه. وهي حاضرة بلوعة، وحزن غاضب عات:‏

صدئت في خيم المنفى المفاتيح‏

بأيدي العائدين.‏

ليس في الأفق‏

سوى صمت السؤال‏

عن حماة القدس،‏

والعار المغنّي خلف آثار النعال‏

من قصيدة (ألم الحزينة)‏

خليل حاوي شاعر مقاومة، سلاحه رؤياه -قل فكره- ونشيده، ومنظومة الأخلاق التي اشترطها علينا نحن المؤمنين بانبعاث الأمة من صحراء الرماد، ومن تحت سواد دخان الفحم في صحراء العرب...‏

لا أقرّظه، فقامته أعلى من كل مديح، هو الشاعر المدرسة، الذي لا يرهق نفسه في البحث عن تلاميذ ومريدين، لأن رسالته (خلق) إنسان حر، بلا حدود، إنسان بأبعاد وليس ببعد واحد، إنسان نسر التحليق، مفعم الروح بالجمال، والقوة، وشهوة الحريّة...‏

وتباركت رحم التي ولدت‏

على ظهر الخيول‏

-ولدت وما زالت بتول-‏

بطلاً يروّي سيفه‏

لهب الشهاب‏

من منبع الشهب التي التمعت‏

حروفاً في الكتاب‏

ومضت بروقاً أحرقت‏

عن جوهر الكون الحجاب‏

أقول لنفسي: هذا هو شعر الحداثة، وهذه هي القصيدة، وهكذا تحترم اللغة، ويبدع الشاعر صوره الباهرة التي تفاجئ المتلقي، وتدهشه، وتنهض بمخيّلته إلى ذرى لا تحد، لا نشوة حسيّة كسيحة، ولكن نشوة هي مزيج العقل والروح والحس...‏

خليل حاوي رحل منتحراً حين رأى دبابات وطائرات الصهاينة تجتاح لبنان العريق، لبنان الفينيقي العربي، لبنان الحضارة. قد يقال بأن الانتحار عجز، وأنه (حرام)، ولكنه في حالة خليل حاوي -برأيي- إدانة للعجز، والهوان، والخراب العربي...‏

ومع ذلك ففقد أنشد المقاومون اللبنانيون، وهم يطلقون نيران مسدساتهم، وبنادقهم في شوارع بيروت على رؤوس الغزاة الصهاينة، وهم يلاحقون جحافل جيش الصهاينة على أرض الجنوب، ويكنسون الاحتلال وآلته العسكرية بروح كفاحية أنجزتها المقاومة اللبنانية، وصمود الشعب اللبناني، وبخاصة على أرض الجنوب... نشيد: الجسر.. وعبروا... ويبقى أن الأمة لترتقي إلى رؤيا خليل حاوي، وبشارته، ونشيده العظيم، نشيد الصعود، لابدّ لها من هزيمة كل ما يعيقها، وأن تنهي زمن الأفكار التي تولد بغايا في السوق، والتي تضمر لنا الهوان، والتخلف، والهزيمة...‏

خليل حاوي، شاعرنا، ومنشدنا الكبير.. حي، حي بنشيده العظيم، وبقوة الروح التي تلهمنا حب الحرية.. حتى الاستشهاد!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244