جريدة الاسبوع الادبي العدد 826 تاريخ 28/9/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

صلة القبيلة بالقبائل الأخرى ـــ د.إحسان النص


لم تكن التجمعات القبلية في جزيرة العرب قبل الإسلام تعيش في حالة انعزال تام بعضها عن بعض، فقد كانت القبيلة مضطرة إلى الاتصال بالقبائل الأخرى، وهذه الصلات بين القبائل كانت على ضربين: صلات عداوة وقتال، وصلات موادعة ومسالمة.

والضرب الأول كان الأكثر شيوعاً، لأن القبيلة كانت مضطرة لتأمين معاشها إذا نضبت موارد العيش فيها، لم يكن لها مناص من غزو القبائل الأخرى المجاورة لها للحصول على الغنائم وتوفير  أسباب البقاء لها في بيئة ضنينة بموارد العيش والماء والكلأ، فكان الغزو ضرورة حيوية فرضتها قسوة الحياة في المجتمع البدوي، ولم تكن القبيلة تغزو القبائل الأخرى بدافع العدوان الذي لا مسوِّغ له، وإنما كانت تقوم بهذا الأمر بدافع الحاجة  والضرورة الحيوية، فكان الغزو لوناً من ألوان  تنازع البقاء في ذلك المجتمع.

ولم تكن القبائل العربية ترى في الغزو ظاهرة منكرة، بل على النقيض من ذلك كانت القبيلة تفخر بقدرتها على الغزو، والقبيلة العاجزة عن الغزو كانت موضع ازدراء واستخفاف في ذلك المجتمع، فحين عجزت بلعنبر قبيلة الشاعر قريط بن أنيف عن استرداد إبله من القبيلة التي استولت عليها في إحدى الغارات قال قصيدة يعيّر فيها قومه لموقفهم المتخاذل ومنها قوله:

 

 

لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عددٍ

ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا

 

ومع إقرار المجتمع الجاهلي للغزو كان ثمة أعراف ينبغي مراعاتها لدى الأقوام على الغزو، فالقبائل المتحالفة لا يجوز أن يغزو بعضها بعضاً، وهناك أعراف تتصل بأسلوب القتال وتوزيع الغنائم ومعاملة الأسرى وغير ذلك...

فإذا وقعت الهزيمة بإحدى القبيلتين استافت القبيلة المنتصرة ما وجدته من نعم وخيل وماشية وسبت النساء وأسرت من وقع بيدها من رجال العدو، وينبغي أن تقوم القبيلة المهزومة بافتداء أسراها لدى القبيلة المنتصرة، فإن عجزت عن ذلك، أصبح الأسير عبداً لآسره. وقد يتعرض الأسرى للقتل إذا كان للقبيلة الظافرة ثأر لدى القبيلة الأخرى. وقد تطلق القبيلة أسيرها إذا كان شريفاً طمعاً في المثوبة والجزاء،  وفي العادة تُجز ناصية الأسير قبل إطلاقه، وعرض نواصي الأسرى في المحافل من مفاخر القبيلة، وفي العادة كان يتمّ افتداء الأسرى في المواسم والأشهر الحُرم.

وإلى جانب هذه الصلات العدائية كانت تقوم صلات سلمية بين القبائل، ومن أبرزها صلات المصاهرة، وهذه المصاهرات كثيراً ما كانت توالف بين القبيلتين المتصاهرتين، وقد أدّت هذه المصاهرات إلى اشتباك الأرحام وتوثيق صلات القربى بين القبائل المتصاهرة، وقد كان لهذه المصاهرات شأن كبير في العصر الأموي في انحياز القبيلة سياسياً إلى أصهارها وانحياز الحلفاء إلى القبائل التي تصلها بها واشجة المصاهرة.

ومن الصلات السلمية التي تنبئ عن سمو خلق الإنسان العربي الإجارة فإذا اضطر أحد أفراد القبيلة إلى النزوح عن قومه ومفارقتهم لسبب من الأسباب حسبه أن يلجأ إلى قبيلة أخرى، ويستجير بأحد أشرافها ليجد الأمن والسلامة والاطمئنان على حياته وماله في كنف الرجل الشريف الذي استجار به.

وكانت للإجارة أعراف تلتزمها القبائل كافة، فكان طالب الإجارة يكفيه أن يصل رشاءه برشاء المستجار به أو يتحرّم بطعامه، بل يكفيه أن يستظل بظلّ خبائه ليظفر بحق الإجارة، وحماية الجار من أعظم المفاخر التي كانت القبائل تباهي بها، ومن تسوّل له نفسه الغدر بجاره يغدو موضع الاحتقار في ذلك المجتمع، يقول الفرزدق:

 

وجارٍ منعناه ولولا حبالنا

لأصبح غِبَّ الحرب شِلواً مُقسّما

 

 وما يصدق على الرجل الفرد يصدق على القبيلة، فقد تتعرض إحدى القبائل لخطر غزو تتوقعه من قبيلة أخرى أقوى منها، أو تتعرض لسخط ملك الحيرة، أوغسان، فلا تجد مناصاً من طلب جوار قبيلة أخرى لتستظل بحمايتها والقبيلة المستجار بها تقوم بحماية جارتها ولو نالها وراء ذلك أخطار جسيمة وأوضح مثال لهذه الإجارة استجارة النعمان بن المنذر بقبيلة شيبان حين تهدّده كسرى، ومع أن النعمان استسلم لكسرى وانتهى أمره بالقتل، فإن بني شيبان أبوا أن يدفعوا إلى كسرى سلاح النعمان وماله ونساءه، ونتج عن ذلك وقعة ذي قار المشهورة التي انتصر فيها بنو شيبان انتصاراً ساحقاً على جيوش كسرى.

***                   

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244