جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قضايا ومواقف: حاجتنا إلى التضامن ـــ د. عبد الله أبو هيف

أضحت المغامرة نهجاً في التفكير والممارسة، وأصبح التاريخ في حالة «عماء»، وتبدلت المفاهيم ومسمياتها بشيوع أنماط التغطية على العرب والمسلمين في دهاليز الاتصالات الجبارة والمعلوماتية الرقمية وسواها كما هو الحال في ممارسة إرهاب الدولة وتفتيت العدالة في سياسة الكيل بمكيالين والعبث بحق التدخل المباشر والسافر واستخدام ذرائع العنف والهيمنة والطغيان في مسوح التماهي الجائر والظالم مع الشرعية الدولية متمثلة بالأمم المتحدة وغيرها مما تقوم به الولايات المتحدة التي باتت ذراع القوة المغامرة والمجنونة دون وازع أخلاقي أو سند تاريخي أو دواعٍ راهنة، وكأن مصائر الأمم والشعوب لعبة تطوح بها الأهواء والمصالح لفئة متحكمة بالعالم، وقد برزت خلال العقد الأخير التحديات الكثيرة الكبرى التي ما تزال ماثلة وضاغطة على العرب، وجلها عائد إلى تأزمهم الذاتي الذي يصير إلى فرقة وضعف لا مثيل لهما، ولعل مقارنة بسيطة بين مثالين تكشف عن جوهر معضلة حال العرب المعاصرين الذاهبين في فرقتهم وضعفهم والتخلي عن أسباب قوتهم والمضي بعيداً في هدر إمكانيتهم العظيمة، والمثال الأول هو لبوس الإرهاب للعرب الفلسطينيين وغير الفلسطينيين والدفاع الباطل عن الكيانية الإرهابية الإسرائيلية وتسليحها بالقوة في وجه العرب المستضعفين، والمثال الثاني هو التهديد المستمر بضرب العراق وما يتلوه من تحكمية إرهاب الدولة العظمى المستقطبة المتماهية مع الشرعية الدولية بدعوى باطلة هي امتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما تملكها الكيانية الإسرائيلية، ولا تفعل الولايات المتحدة إزاءها شيئاً سوى دعمها المتواصل لها، أما المقارنة الأخرى في المثال الثاني فتبدى في موقف الولايات المتحدة المختلف كلياً الذي يمضي في سبيله للرضوخ لمطالب كوريا الشمالية إزاء الحال إياها من دعوى امتلاك الأسلحة إياها (كانون الأول 2002).‏

ولا يخفى أن حال العرب المعاصرين من صنع أيديهم في غياب مطلق للوظيفية السياسية التي تصون مصالحهم، وتحفظ وجودهم، وتضمن فعاليتهم في هذا العالم المتصارع ضدهم علانية وجهاراً من أجل دوام نهب ثرواتهم واستثماراتهم وتبديد عناصر قوتهم التي لا يختلف اثنان في حقيقتها وتأثيرها المتصاعد على الرغم من الشجن العربي في أكثر من اتجاه، وقد بات جلياً أن سند أي نظام هو مكونه الثقافي في محتواه القيمي من جهة وفي ذرائعيته الراهنة والمستقبلية من جهة أخرى، مما يجعل من التحديات الضاغطة رهينة القطيعة الثقافية مع الذات القومية في جذورها التاريخية والفكرية العميقة في اللغة والإسلام والتراث والوعي بالتاريخ، والأخطر هو إغفال الوظيفية السياسية بتجاهل الحاجة إلى الثقافة العربية التي آلت إلى بؤس حال العرب عل مشارف القرن الحادي والعشرين.‏

ويدعو هذا الوضع العالمي البئيس إلى التضامن العربي، ولو من باب صيانة مصالحهم القومية. وهذا جوهر النداء العميق والحي لندوة «التضامن والتكافل في الحضارة العربية والإسلامية وتجلياتهما في الأدب والثقافة» التي اختتمت أعمالها خلال الأسبوع الفائت بتونس (9-12/ 1/ 2003) وقد نظم الندوة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب واتحاد الكتاب التونسيين بالاشتراك مع المنظومة العربية للتربية والثقافة والعلوم.‏

وانطلقت الندوة من اعتبارات واضحة هي تميز تاريخ الحضارة العربية والإسلامية على ختلاف مراحله وتعاقب أطواره بنظام شامل من القيم التي ساهمت في صياغة المفاهيم والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية والثقافية للإنسانية جمعاء.‏

وجعلت هذه المنظومة القيمة، بمختلف روافدها الدينية والروحية والفلسفية والثقافية، من الإنسان محورها الأساسي ومن توازن المجتمع ونموه هدفها السامي في إطار الثوابت الحضارية والمنهج العقلاني وأخلاق التسامح وحرية المعتقد والاجتهاد.‏

وتعد قيم التضامن والتكافل والتآزر من القيم الكبرى التي تأسس عليها الفكر العربي الإسلامي وتكرست على مر التاريخ في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية من الفرد إلى المجتمع إذ مثلت هذه القيم روابط قوية تنبع من الإيمان بالانتماء لأمة واحدة ومصير مشترك. وكانت تجليات هذه القيم بينة في مختلف أصناف الفكر الثقافي والاجتماعي والفلسفي والسياسي، كما طبقت مضامينها الإنسانية مختلف ضروب الإبداع الأدبي والوجداني الجماعي حتى أصبحت سمة بارزة من سمات الثقافة العربية الإسلامية تتوجه إلى الإنسانية جمعاء خاصة في سياق التحولات الكونية وانعكاسات العولمة وتحدياتها الراهنة على ثقافة السلم والحوار ومبادئ العدل والتضامن بين الشعوب.‏

وفي هذا الظرف بالذات الذي يشهد نمو أخطار جديدة على شعوبنا العربية والإسلامية ومتغيرات دولية اقتصادية وسياسية وثقافية يتجاذبها خطاب التضامن الأممي والتنوع الثقافي من ناحية، وواقع العنف والهيمنة والتفاوت المشط بين الشعوب في حظوظ التنمية والسلام من ناحية أخرى، إنه لحري بنا أن نساهم في هذه الندوة في مساءلة هذه التحديات وقراءة هذه المستجدات انطلاقاً من رصيدنا الثقافي وتطلعنا إلى نظام عربي ونظام عالمي جديد يستند إلى قيم التضامن والتكافل برؤية إنسانية منفتحة على التعدد الخلاق والحوار المتكافئ.‏

وحسبنا أن نعود إلى ثوابتنا الدينية والحضارية وتراثنا الفلسفي والفكري كمدونات ابن المقفع وإخوان الصفاء والفرابي قديماً وإسهامات المصلح خير الدين التونسي وعلي عبد الرزاق وعبد الرحمن الكواكبي والشيخ الثعالبي وطه حسين وسلامة موسى حديثاً، على سبيل الذكر لا الحصر، لندرك مدى أهمية منظومة التضامن والتكافل في بنية الثقافة العربية والإسلامية.‏

ويدعونا الرصيد اليوم إلى تعميق منظورنا إلى هذه القيم ورصد تجلياتها في ثقافتنا وأدبنا قصد بلورة رؤية عربية إسلامية تستجيب لواقع الحداثة وتحديات المصير المشترك. وشروط هذه القوة الضرورية لمجابهة الرهانات الداخلية والخارجية تقدم إجابة حضارية على مقولات التنميط والصراع الحضاري ونهاية التاريخ.‏

واقترحت ضمن هذا السياق جملة من المحاور تمثل منطلقاً منهجياً للخوض في هذه المسائل الكبرى.‏

I- قيم التضامن والتكافل في التراث الثقافي العربي الإسلامي وأبعادها الإنسانية:‏

أ- في الثقافة العربية والإسلامية.‏

ب- في الفكر الحضاري الإنساني.‏

جـ- في الأدب والإبداع والتراث.‏

II- قيم التضامن والتكافل في الثقافة العربية الحديثة:‏

أ- في حركة الاجتهاد والإصلاح وفكر النهضة العربية.‏

ب- في المنظومة الحقوقية ومبادئ المجتمع المدني ومشاريع الديمقراطية.‏

جـ- في الثقافة السياسية والفلسفية في مجابهة فكر العولمة.‏

III- التضامن والتكافل في المشروع المستقبلي للثقافة العربية:‏

أ- تجربة تونس في تجسيد قيم التضامن ميدانياً.‏

ب- مشروع الرئيس زين العابدين بن علي: الصندوق العالمي للتضامن ومسؤولية المجتمع الدولي والأمم المتحدة في إنجاح هذا المشروع.‏

جـ- دور منظمات العمل العربي المشترك في تعزيز هذا المشروع بين الدول العربية.‏

د- نحو مشروع عربي للتضامن والتكافل في سياق العولمة والثقافية والاقتصادية.‏

وافتتحت الندوة برعاية الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية، وألقيت في الافتتاح كلمات الأستاذ الميداني بن صالح رئيس اتحاد الكتاب التونسيين والدكتور علي عقلة عرسان الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، والدكتور عبد الباقي الهرماسي وزير الثقافة والشباب والترفيه. وقدمت في الندوة أبحادث للأساتذة والدكاترة صابر عبد الدايم (مصر) وعبد الله أبو هيف وحسن حميد ومحمد قجة (سورية) وياسين فاعور (تونس) وخالد علي مصطفى (العراق) وأحمد زيادي (المغرب) وأحمد زاهي المغربي (ليبيا) وسعد الدين علي شاهين (الأردن) وعبد الله خليفة (البحرين) وعز الدين جلاوجي (الجزائر) وبشير المجذوب وكمال عمران وعثمان بن طالب ومحمد الصالح بن عمر ومنصف الجزار وعبد الحميد الأرقش ومنذر عاني (تونس).‏

وتركزت الأبحاث العربية حول المحورين الأول والثاني، بينما تركزت أبحاث المشاركين من تونس على تجربة «الصندوق الوطني للتضامن» التي أطلقها الرئيس زين العابدين بن علي عام 1992، ثم تبناها المجتمع الدولي في مطلع هذا العام بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة سبيلاً للقضاء على الفقر والبطالة وإنعاش البيئات المحرومة من أبسط مظاهر العيش الكريم، بالنظر إلى تحقيق العديد من الإنجازات داخل تونس، ولعل بحث كمال عمران (تونس) من أكثر البحوث تعريفاً بهذه التجربة الرائدة في التضامن الوطني، وذكر في خلاصة بحثه أن التجربة التونسية في التضامن أنموذجية، وليست مثالية، والفرق بين الصفتين أن المثالية توهم بالكمال، وأن الأنموذجية توحي بالاكتمال الأولى منجزة تدعي الصبغة النهائية، والثانية تبقى في دائرة الصيرورة، وهي تسعى إلى التجديد من الداخل وإلى التطوّر من الخارج.‏

وإنّ لصفة الأنموذجية مجالاً يثبت أنّ التجريب (بالمعنى العلمي) والاختبار (بالمعنى المنهجي) يضمنان للظاهرة سمة يمكن أن تتخذ الاصطلاح الرياضي للإحالة عليها، وهو السهم الموجه (Le Vecteur Orientè) فهي مشروع في التنمية اقتصادي واجتماعي وثقافي يعطي صورة فعلية عن حقوق الإنسان في عصرنا، هذا على مستوى المقاربة وعلى مستوى المضامين. وإنّ النسج على منوال صندوق التضامن الوطني لإحداث صندوق التضامن العالمي استلهاماً من نداء الرئيس بن علي يدخل هو الآخر في نطاق الأنموذج.‏

ويضيء كتاب أحمد السالمي الصادر أثناء انعقاد الندوة (تونس) وعنوانه «بن علي.. صانع المستقبل: شهادة مواطن على بلد يتغير» هذه التجربة في إطار تطوير عمليات إنتاج المجتمع في تونس؛ فقد حوى الكتاب تحليلاً معمقاً للأحداث الأخيرة وعلاماتها المتعددة في إرادة البناء والتغيير مثل المدرسة للجميع والشباب القادر على مجابهة المستقبل والآفاق المتجددة أمام المرأة والاقتصاد الأكثر تنوعاً والتنمية المستدامة والآفاق الأوسع للجمهوريات المحلية والحضور في الفضاء الاتصالي المعولم والإشعاع الثقافي وانتشار ثقافة الحرية والتسامح والتضامن. وتضمن الكتاب، بالإضافة إلى هذه التحليلات المقمعة لواقع التجربة التونسية وآفاقها المستقبلية عشرات الوثائق الدالة على هذه التحليلات.‏

واختتمت الندوة بكلمات رئيس اتحاد الكتاب التونسيين والأمين العام للأدباء والكتاب العرب والدكتور المنجي بوسنينه المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وقرأت التوصيات التالية:‏

1- العمل على تنسيق الجهود قصد الحفاظ على الذاكرة الثقافية ومقومات الهوية العربية والإسلامية وتقوية الروابط الثقافية لمواجهة سلبيات العولمة ومزالقها.‏

2- العناية بمضامين ثقافة التضامن والتكافل وتفعيلها بتطوير المناهج التربوية على أساس تمثل التجربة الحضارية العربية والإسلامية وقابليتها للتطور والتفاعل مع التجارب الإنسانية.‏

3- تجاوز النظرة السكونية للتراث والعمل على تفعيل القيم الإيجابية ودعم الجوانب النيرة فيه.‏

4- تحرر المثقف والمبدع العربي من القيود والمعوقات، وتوسيع قنوات التواصل والتفاعل بين المقثقفين والجماهير العربية.‏

5- دعم ثقافة المشاركة والمواطنة والحريات والحقوق العامة والممارسات الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي.‏

6- و ضع سياسة مشتركة للحد من ظاهرة هجرة العقول والكفاءات والأموال العربية ومد جسور التواصل والتفاعل والحوار مع الثقافات والحضارات الإنسانية المختلفة.‏

7- العمل على إعفاء الكتب والدوريات الثقافية العربية من أجور الشحن والبريد.‏

8- يوصي المكتب الدائم الاتحادات والروابط الأعضاء ووزارات الثقافة في الوطن العربي بالاهتمام والعناية الفائقة بثقافة الطفل العربي.‏

وعزر بيان المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي ألقي في ختام الندوة هذه الروحية الصلبة في حاجتنا إلى التضامن، ويوجز هذا المقتطف من البيان هذا التوجه المطلوب:‏

إن الأدباء والكتاب العرب الذين يستشعرون الخطورة الشديدة في الأحداث القادمة يهيبون بالأنظمة والحكام في الوطن العربي أن يتحركوا بسرعة، وأن يلتقوا على أعلى مستوى وأوسع نطاق ليمنعوا بتضامنهم استخدام الأمريكيين للقواعد والأراضي العربية كمنطلقات لشن العدوان، وليكونوا قوة تجعل أي قطر عربي قادراً بأشقائه على أن يرفض الانصياع للإرادة الأمريكية، ويستشعر الضعف حيالها. ويدعون الأحزاب والاتحادات والنقابات المهنية والمنظمات الشعبية في الوطن العربي إلى وضع برامج عمل قابلة للتنفيذ لمساعدة أشقائنا في فلسطين والعراق لمواجهة التصفيات القائمة والعدوان المحتمل، كما يدعون إلى تحرك واسع مع الجماهير العربية وبها، يوصل للعالم رسالة رفضهم للعدوان ووقوفهم موقفاً موحداً منه واستعدادهم للتصدي له.‏

ويتوجهون إلى الكتاب والأدباء والمفكرين والمبدعين وكل الشرفاء في العالم الذين يعنيهم السلام والعدل للعمل من أجل وضع حد للنزوع العدواني الاستعماري العنصري الذي يجسده الكيان الصهيوني وتعززه الولايات المتحدة الأمريكية، والتصدي لسياسة وعولمة متوحشتين تعتمدان الحروب بأنواعها للسيطرة على بلدان وشعوب وثقافات خدمة لمصالحها ولفرض هيمنة على الآخرين عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. ويهيبون بهم بأن يتحركوا لمواجهة ما يهدد العالم.‏

إن من حق الشعب الفلسطيني أن يعيش في وطنه بأمان واستقلال وحرية واحترام، ومن حق العراق أن يمارس سيادته التامة، وأن يرفع عنه الحصار، ومن حق العالم أن يرفض العنصرية الصهيونية وإرهابها وغطرسة القوة الأمريكية وذرائعها العدوانية المقيتة. وهذا واجب إنساني وأخلاقي عام على كل قادر شريف أن يقوم به قبل أن يتحول العالم إلى غابة يكتسحها التوحش ويفتك بها الطغيان وهمجية القوة التي تزعم أن التاريخ يناديها وأنها مكلفة برسالة إلهية، وأنها من سلالة مختارة تخولها استعمار العالم واستباحة الحقوق والحريات والبلدان والثقافات.‏

لقد أكدت الندوة حاجتنا للتضامن في مواجهة المخاطر المحدقة بأمتنا، وقد آن الأوان لوعي التاريخ في سيرورته ومتغيراته التي لابدّ من إرادة التضامن بوصفها فعل مقاومة أولاً وأخيراً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244