جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الوفاء الأزلي ـــ حسن حميد

-1-‏

دائماً،‏

يظلُّ الكبار كباراً في السلوك، والعطاء، والدروب؛ لا لأن خطاهم مضبوطة وفق إيقاعات معارفهم وعلومهم وتربيتهم وحسب، وإنما لأن أرواحهم معلقة بالإخلاص، ورد الفضل إلى أهله. أقول هذا، وأحسُّ به، وأنا أقرأ كتاب الدكتور مازن مبارك عن العلاَّمة سعيد الأفغاني الذي عنونه بـ: "سعيد الأفغاني – حامل لواء العربية وأستاذ أساتيذها" الذي جلا فيه حياة سعيد الأفغاني طفولة، وتربية، وعلاقات، وعلماً، فوق عند أخلاقه، وسلوكه، وميله الجارف إلى العلم، والدراسة على أهله وحملته منذ نعومة أظفاره. ثم مضى معه متتبعاً تحصيله العلمي في الثانوية، والجامعة، ثم سفره إلى القاهرة؛ إلى جامعة فؤاد، ليتحصل على شهادة الدكتوراه؛ لكنه لم يتمها، وقد كان موضوعها "الأدب والسياسة في القرن الثاني للهجرة"، ثم يقف عند أساتذته الذين علّموه، وأصحاب الفضل عليه، والأساتذة الذين زاملوه في التدريس، ومقارعته للأفكار، ومتابعته لجولانها.‏

وُلِدَ الأستاذ الأفغاني سنة 1909 في مدينة دمشق، وكان والده قد جاء إلى دمشق من كشمير وعمره عشرون سنة، وتزوج من أسرة شامية، وعاش في البيئة الاجتماعية الشامية، وتغذى بروحها، ودرس في كتاتيبها في أحياء "البزورية" و"النوفرة" و"القيمرية" و"العمارة"، كما تابع الدروس المسجدية في حلقات عدة عند أبرز شيوخ دمشق آنذاك من أمثال الشيخ علي الطنطاوي، والشيخ أحمد النويلاتي.‏

بعد ذلك يماشي الدكتور مبارك السيرة العلمية للأستاذ الأفغاني فيحدثنا عن علمه، وأخلاقه، وصلاته بالأساتذة والطلاب معاً في جامعة دمشق، ثم تسلمه لمناصب إدارية عديدة، فلم تتغير صورته في المرآة التي عرفها القريبون منه والبعيدون عنه. ظلَّ الأفغاني رجل العلم، والمواقف.. فلم تغيّره المراتب، ولا التسميات، بل زادته تواضعاً، وعملاً، غير مبال بمن غضب أو سخط.‏

ويقف الدكتور المبارك عند إيفاد الأستاذ الأفغاني إلى مصر لتحضير رسالة الدكتوراه سنة 1946م، من وزارة المعارف، وقد امتحن في اللغتين التركية والفارسية، والإنكليزية، وأن يكتب أبحاثاً ومقالات ففعل، وقد نجح في الامتحان، على الرغم من وعورته وصعوبته، وقد عُدل عنوان الرسالة إلى "أدب الشام السياسي في عصر الأمويين"، غير أنه لم يتابع العمل في هذه الرسالة، وعاد إلى دمشق لمزاولة عمله مدرساً في جامعة دمشق – كلية الآداب. وقد تعاقدت معه جامعات عربية عديدة منها: الجامعة الليبية، واللبنانية، والسعودية، وقد ظلَّ يدرّس في الجامعة حتى بلغ الخامسة والسبعين من عمره، وكان أن توفي رحمه الله في عام 1997م.‏

أما عمله في ميدان اللغة العربية، فهو صاحب كتب عديدة في النحو، وقد عمل مراسلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم انتخب عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وقد استقبله الدكتور شوقي ضيف بكلمة طيبة. كما عرّف الدكتور المبارك بمؤلفاته حول أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، وابن حزم الأندلسي، والإسلام والمرأة، والسيدة عائشة والسياسة، بالإضافة إلى العديد من المقالات والمحاضرات المنشورة في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق والقاهرة، ومجلتي الرسالة، والثقافة، ومجلتي البيان والعربي، ومجلة كلية الآداب في ليبيا، ومجلة رابطة العالم الإسلامي، ومجلة دعوة الحق.‏

بعد ذلك يجول الدكتور المبارك في أفكار الأستاذ الأفغاني وراؤه، فينظر إلى الانتباهات العميقة التي أشار إليها وهو يتحدث عن ابن حزم، وابن تيمية، والسيدة عائشة، والإسلام والمرأة. ثم يقف الدكتور مبارك على صداقات الأستاذ الأفغاني وعلاقته الطويلة بعلماء، وأساتذة عرفهم وعرفوه فأدامت الأخلاق السامية، والقيم النبيلة حضورها، ومتّنت عراها.. ويشرح الدكتور المبارك الأفكار الرئيسة والجوهرية في كتب الأستاذ الأفغاني.. فلا ينتهي إلا بقولـه، قضى الرجل الأستاذ الأفغاني، عمره في التدريس في مدارس الشام وجامعتها، وفي جامعات عربية أخرى غيرها، وفي خدمة اللغة العربية، وتخرجت به أجيال لا تزال تذكر فضله وعلمه، وتشكر أياديه عليها، ثم مضى إلى ربه لم يأخذ من دنياه شيئاً.‏

-2-‏

وبعد، إن ما قدمه الدكتور مازن مبارك عن الأستاذ سعيد الأفغاني.. أشبه بالروح التي تُحبّر محبتها بالكلمات، والصدق، ورد الفضل إلى أهله، فهذا الكتاب درس ذهبي للأجيال تتعلم منه قيماً كثيرة، في طالعها الوفاء الأزلي، والتواضع، والمحبة الضافية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244