جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

خراف ـــ يوسف جاد الحق

ـ 1 ـ‏

مات أبو عزام.‏

في جنازته مشت القرية بأسرها. كان أبو عزام رجلاً مهماً فيها. رافقتهم إلى المقبرة، مع جمع من رفاقي عقب خروجنا من المدرسة. كان مشهد الدفن مخيفاً. دسُّوا جثمان الرجل المكفَّن بالأبيض في تلك الحفرة التي ستظلم عما قليل، حين يهال عليها التراب، إظلاماً لم يشهد له مثيلاً في حياته السالفة التي توقف اليوم عن متابعتها. أجل لم يشهد أبو عزام مثله حتى في الزنازين التي قيل أنه حشر فيها أكثر من مرة في ماضي أيامه. هذا ما كان يتهامس به الرجال وجلين مشفقين من عذاب يوم عظيم، ومصير مماثل ينتظرهم لا يذكرونه إلا في مثل هذه المناسبة الكئيبة.‏

تقاطر الناس فرادى أمام صف من أقربائه، يغمغم كل منهم لمن يصافحه بكلمات هامسة وصوت خفيض، كأنما يخشى أن يكسر الصمت المهيب.‏

بغتة ساد هرج ومرج، صخب ضجَّ له من في القبور المجاورة، حول مسألة واحدة بدت للحظات وكأنها أهم ما يجري في هذا العالم، هي: من سوف يستضيف القوم على الغداء، بعد الدفن، عن روح الفقيد؟ أيمان مغلظة تعالت من الجميع. معركة حقيقية.. حلف بالطلاق.. طلقة واحدة حيناً بالثلاث حيناً، وبائنة لا رجعة فيها حيناً.. من الزوجة الواحدة أو من الزوجات أيَّأً كان عددهن.! إلى أن انجلت المعركة المحتدمة الأوار عن فوز (أبي محجن) وانتصاره الساحق على الجميع. مضى الرجل مزهوّاً، يدق الأرض بعصاه، فيما تفتل يسراه طرفي شاربيه الكثيفيين.‏

وقفت مع رفاق آخرين من أبناء الجوار في فناء الدار الفسيحة الأرجاء، ذلك بوصفي من الأقارب. إذ كان الفقيد زوجاً لابنة خالة أو عمة أمي أو جدتي ـ الله وحد أعلم ـ. وقفنا نرقب مشهد ذبح الخراف توطئة لإعداد ذلك الغداء، الذي زعم بعضهم أن المرحوم نفسه سوف يكون سعيداً به، بل لقد زعموا أن روحه ربما شاركتهم وليمتهم إذا تصادف أن كان جائعاً ساعة وفاته..!‏

أذكر أنني كنت فرحاً، برغم الحزن الذي يسود أجواء المكان، أو ما بدا أنه كذلك، إذ إن هذه كانت المرة الأولى التي سوف أشهد فيها (مذبحة) لعدد من الخراف الضخمة.. ربما كانت أكباشاً، فقد كانت ذوات قرون طويلة معقوفة مخيفة.‏

طرح (أبو محجن) الكبش أرضاً، فيما كان هذا الأخير يستغيث، مالئاً المكان صراخاً لا ثغاء، مناشداً رفاقه أن يهبوا لنجدته دون جدوى. إذ ما الذي يمكن لتلك الخراف البائسة فعله؟ بل إن كل واحد منها حاول التلطي بالجدار، أو التخفي وراء شجرة إيثاراً للسلامة، وخوفاً من سكين (أبي محجن) لحام القرية المتربص. جثم أبو لطفي على صدره دونما رحمة محاولاً كتم أنفاسه. ثم جاء اثنان آخران تطوعاً لمعاونته بأريحية واضحة. قبضاً على قوائمه المتشنجة التي تضرب في الهواء عنيفاً في كل اتجاه، تعبيراً عن هلع صاحبها حتى الموت. لكن أحداً لم يأبه فما دمت كبشاً يجب أن تذبح.!‏

أعترف أيضاً، هاهنا. أن ذعر ذلك الكبش المروِّع انتقل إليّ. لقد أصبحت بغتة بهلع مازجه عطفي على ذلك الكائن المنكود الطالع، الذي كان ذنبه الأوحد أنه خلق خروفاً. مدية اللحام (أبو محجن) تغوص في عنقه.. تجتزه.. يتفجر الدم كنافورة فتح صنبورها على آخره. قفزت إلى الوراء دونما وعي مني مبتعداً عن الرذاذ الأحمر. تواهنت أخيراً حركة أعضائه، كما تهادأ صراخه الذي تحول إلى حشرجة ثم اختناق. ذلك الصراخ الذي بدا لي أنه كان يطلقه احتجاجاً على صنيع لحام القرية المتجبر.. أو ربما كان خوفاً على أحد من بعده كان يعوله.، أو شوقاً لنعجة كان على موعد معها سوف يخلفه مرغماً، ولسوف يدمي قلبها فراقه. لكن عينيه كانتا جاحظتين توشكان أن تخرجا من محجريهما قبل أن يغلقهما تماماً. كأنه كان يعدها أن يلتقيا في عليين حين يأتي دورها عاجلاً أو آجلاً، فالخراف والكباش والنعاج جميعاً مصيرها الذبح.. ثم الأكل طعاماً شهياً على الموائد في الأفراح والأتراح على حدٍّ سواء، ما دامت لا تفعل شيئاً سوى أن تصدح بالصراخ والاحتجاج. من أجل ذلك خلقت ـ هذا ما أكده الحضور ـ وكأنهم يدلون بحكمه غير مسبوقة.‏

ـ 2 ـ‏

لم أكن راغباً مشاركة القوم طعامهم. غير أني وجدت نفسي محشوراً وسط حلقة من الكبار والصغار ـ هنا تتحقق المساواة والديمقراطية الحقة ـ تتوسطها قصعة كبيرة عليها كومة من الأرز تغطيه طبقة من اللوز والصنوبر. اعتلت ذلك كله كومة من اللحم، يتصاعد بخارها مرسلاً رائحة زكية، هي مزيج من رائحة اللحم والسمن والبصل وشتى أنواع البهارات. وما ذلك إلا من أجل (فتح) شهية الآكلين إن كانت مغلقة الأمر الذي نادراً ما يحدث..!‏

تناولت مرغماً لقيمات من الأرز. أصابني قرف مفاجئ لطريقة تناول بعضهم الطعام. يكوِّر واحدهم حفنة من الأرز في قبضة يده، ثم يعصرها ويعصرها بحيث يصنع منها كرة بيضاوية الشكل (متناسقة الأبعاد)، ليبادر من ثم إلى قذفها إلى جوفه. وقبل أن يزدردها تسارع يده إلى إعداد قذيفة مماثلة كأنما يخشى أن يسبقه أحد أو أن تفرغ القصعة من محتوياتها. سرعة امتداد أيديهم إلى القصعة، تتبعها سرعة ابتلاع ما في قبضاتهم، جعلتهم يبدون كما لو كانوا في سباق ماراتوني للفوز بكأس (ملء البطون الخاوية).! لمح أحدهم ترددي فزجرني قائلاً: لماذا أنت لا تأكل مثلنا. يا ولد؟ هكذا.. ولماذا لا تتناول لحماً.؟ ثم انقض على كتلة من اللحم كبيرة اختطفها ثم قام بتمزيقها إرباً، ببراعة خبير تكنولوجي. تحولت كتلة اللحم إلى شظايا صغيرة ألقى بها في الموقع المواجه لي من القصعة. لم أجرؤ على الرفض فقد كان الرجل يقذفني في هذه الأثناء بنظرات زاجرة مخيفة. تناولت شيئاً مما ألقي أمامي. قضمت قطعة صغيرة.. ازدردتها بصعوبة بالغة، حين تصورت ذلك الكبش أمامي مضرجاً بدمه الذكي، بعد أن كان حياً يرزق عما قليل.‏

ـ 3 ـ‏

في المساء حدَّثت أمي عما مر بي ذلك النهار. أبدت أمي حزنها ـ لا على الكبش ـ بل على الرجل الذي قضى نحبه (أبو عزام). كما رثت أمي لحال زوجته وبناته ـ الرجل لا الكبش أيضاً ـ ودعت الله أن يلهمهم جميعاً الصبر والسلوان. لم يفتها أيضاً أن تترحم على روح ذلك الكبش الذي أسهم بلحمه وشحمه في التخفيف من أحزان ذوي الفقيد والمقربين. لكنها ـ أمي ـ لم يفتها أن تندد بما بدر مني أثناء تناول طعام العزاء. فأدانت موقفي (الرخو). كما أنها لم تقنع بمنطقي المتهافت، إذ كان خليقاً بي مجاراة الرجال والتشبه بهم إذا ما طمحت لأن أضمن لنفسي مستقبلاً (رجولياً) حقيقياً. ثم أتبعت ذلك بقولها "أكل الرجال على قدّ أفعالها.. يا خايب... "فأمي تحفظ الكثير من الأمثال المناسبة لكل موقف ومناسبة.‏

ـ 4 ـ‏

سمعت نباح الكلاب عند الهزيع الأخير من الليل. كان صوت أحدها جنائزياً، فسرَّت والدتي ذلك بأن أحداً ما، في حينَّا نحن هذه المرة، سوف يلقى وجه ربه غداً. فالكلاب تنبئ دائماً بنباحها عن موت أصحابها وجيرانها قبل حدوثه، لأنها تملك حاسة سادسة مثلى..!‏

سوف تشهد أذن مرة أخرى، خروفاً أو كبشاً أو تيساً يذبح على يدي (أبي محجن) لحام القرية الذي بدا لي آنئذ كائناً بغيضاً متوحشاً، إن لم أقل سفاكاً للدماء، لا يقل شراسة وإجراماً عن (دراكولا) نفسه.‏

ألفيت أمامي كبشاً ضخماً ممدداً على الأرض، له رأس إنسان. لم يلبث أن نهض الكبش على قوائمه الأربع.. هاهو ذا يتجه نحوي ليفاجئني بقدرته على الكلام، وبصوت ليس بعيداً عن صوت أحد أصدقائي ـ لا أستطيع تسميته حرصاً على صداقتنا فعذراً ـ قائلاً بنبرة غضب يمازجها الحزن في صوته:‏

ـ غريب أمركم يا بني آدم تستمتعون بلحوم غيركم وتستنكرون أن يأكل أحد لحومكم. وأنتم تسمون الكواسر وحوشاً حين تلتهم جسد آدمي منكم فماذا يمكن أن نسميكم نحن..؟‏

قلت:‏

ـ ولكن هذه سنة الله في خلقه. لقد أحل لنا صيد البر والبحر، لحوم الحيوانات (الأليفة).. وأنتم منها..‏

ـ لأنها أليفة أليس كذلك؟‏

ـ لأنها مما حلل الله لنا.‏

ـ ومن أدراكم أنتم أنكم غير محلَّلين للسباع والضباع؟‏

ـ تلك وحوش ونحن بشر.‏

ـ لعلها أرحم بعضها ببعض منكم بعضكم ببعض..‏

ـ على أية حال هذه مسائل قدرية.‏

ـ لكني أطمئنك بأننا أحسن حالاً في كثير من الأحوال.‏

قلت متعجباً وساخراً أيضاً:‏

ـ كيف.؟ قل بربك..‏

ـ نحن نذبح مباشرة لهدف محدد هو أن نكون طعاماً للإنسان.. وأما أنتم فتذبحون لكي تمسوا جيفاً أو طعاماً للكلاب الضالة والضواري. نحن لا نتعرض قبل الذبح إلى تعذيب من قبل زبانية لا تعرف الرحمة.. ما من نعجة أو خروف يتعرض للصعق بالكهرباء.. أو الشبح من قوائمه الأربع.. أو تكسير عظامه وهو حيٌّ يرزق. يشهد ذلك بأم عينه.. في حين أنكم تضنُّون بنعجة تدفن حية.. فيما أنتم تستمتعون بعذاب بعضكم بعضاً قبل الذبح..‏

هل في وسعك أن تنكر ذلك..؟‏

ـ لا أدري إن كنت يا هذا تيساً أو كبشاً أو آدمياً..!‏

ـ أزيدك علماً أيضاً بأننا حين تحتوينا معدة الإنسان، نمنحه الطاقة ليواصل حياته وعطاءه الفكري الذي قد ينال من ورائه جائزة محترمة، في حين أن لحومكم حين تحتويها أمعاء الكلاب لا تصنع لها شيئاً ذي بال سوى أن يواصل الكلب نباحه..!‏

ـ لا تنس يا هذا أننا نحسن مثواكم. فنحن نعلفكم ونحفظكم في زرائب مناسبة طوال حياتكم السابقة ليوم الذبح الآتي.. كما أننا نعمد إلى (تربيتكم) وتسمينكم.. هل تنكر ذلك؟.‏

ضحك التيس هازئاً. ثم قال وهو يهز رأسه الذي يتبدى لي حيناً أنه رأس آدمي:‏

ـ في هذه نحن متساوون ربما، فأنتم أيضاً، أو بعضكم، لأسباب ليس لدينا مثلها تحشرون في ما يشبه زرائبنا إلى أن يحين الوقت.. على أية حال نحمد الله أننا لا نفكر..! وأن أحدنا لا يحاول فرض آرائه بالقوة على غيره من أبناء فصيلته.. ولا يحاسبه على نواياه..!‏

ـ على أية حال من السخف أن أواصل حواراً مع (تيس) مثلك.!‏

ـ لأنك عاجز عن تقبل منطقي.‏

ـ بل لأنكم معشر الأغنام والأبقار تحقدون علينا.‏

ـ نحن لا نعرف الحقد مثلكم، وإلا كان من اليسير علينا أن نسمم أمعاءكم وجهازكم الهضمي حين تلتهموننا طعاماً شهياً، ولأقضضنا مضاجعكم حين تنامون على فرش صنعت من أصوافنا وأوبارنا، ولأدمينا أقدامكم حين تنتعلون أحذية من جلودنا، ألا ترى أن أجمل الأشياء التي تباهون بها تتخذ من أشلائنا وأعضائنا وبقايانا؟ وهذه على عكس ما تؤول إليه أعضاؤكم وبقاياكم التي لا تثير فينا غير الاشمئزاز.. والقرف.. نعم إنها تثير قرفنا نحن البهائم..! مع ذلك فالأعداد التي تذبح منكم في الخصومات والحروب التي تقوم فيما بينكم تفوق ما يذبح منا قطعاً...‏

ـ هذه أمور ليس في وسعكم فهمها أنتم معشر البهائم..‏

ـ لم لا.؟ بم تفضُلوننا؟‏

ـ لدينا ما يسمى مبادئ.. حقوق.. من أجلها نتصارع..‏

ـ هي ذرائع ليس إلا.. هل رأيتم جماعة من الخراف يقذف بعضها بعضاً بالقنابل لمجرد أن جماعة أخرى منها ترفع أصواتها بالخوار كالبقر، أو الثغاء كالأغنام؟ أو حتى النباح كالكلاب..! هل رأيت خروفاً يعتدي على أخيه (الخروف) من أجل الاستئثار بنعجة أخيه الخروف الآخر؟ أو لأجل اكتناز عشب أو شعير لسنين قادمة خشية الجوع والإملاق؟ أو يسعى إلى اغتصاب قطعة أرض يدعي ملكيتها.. هل رأيتم قبيلة (خرفانية) تهاجم أختاً لها لكي تسبي نعاجها وتستعبد حملانها..!؟‏

وقبل أن أحري جواباً لمحت عن بعد جماعة من الأغنام والأبقار والماعز قادمة فيما يشبه المظاهرة، ترفع جلوداً كتبت عليها:‏

ـ لا ذبح بعد اليوم أيها البشر..‏

ـ إذا كنتم تشتهون الولوغ في الدماء.. فأنتم تسيلون منها أنهاراً.. فإليكموها هنياً مريئاً..!‏

ـ إذا كنتم تشتهون اللحوم فإليكم لحوم بعضكم بعضاً.. ولديكم منها الكفاية أنتم أولى بها من الكلاب والذئاب.. وستجدونها في كل مكان في الأنهار والآبار والسهول والجبال والمقابر الجماعية.. اصنعوا منها طعامكم الأثير.. و(حلُّوا عنا) أيها المناكيد..!‏

ثم صرخات تتعالى في كل الأرجاء تكاد تصم أذنيّ:‏

ـ حرام عليكم أن تذبحونا نحن إرضاء لشهواتكم الرخيصة..‏

كانت أمي في تلك اللحظة تهزني من كتفي، وهي تقول لشقيقتي "حرام عليك يا نجلاء.. لماذا تركت أخيك نائماً حتى الآن..؟ أنه يرتجف من البرد دون غطاء.. إنه يهذي يا ابنتي..." مع أني وجدتني أتصبب عرقاً.. ربما إجهاداً.. وربما خجلاً.. في حين كانت عيناي تجوبان المكان بحثاً عن خراف تشبه البشر.. أو بشر تشبه الخراف...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244