جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

هل أنهض؟ ـــ د. أحمد زياد محبِّك

أمدُّ يدي إلى المذياع، أقفله، هل أستطيع العودة إلى النوم؟ طوال الليل هو إلى جانبي، أعانقه، أتنسم أغانيه وأخباره، إلى أن أدخل في عتمة النوم، فلا أسمع له حسَّاً، ويظل هو يغرد أو يجرش كحجر الطاحون، كم أتمنى لو أصحو على صوت فيروز، ولكن لا أصحو إلى على نشرة أخبار.‏

هل أنهض؟ أحس برغبة قوية في التبوُّل، ولكن أشعر بمتعة في حبس الرغبة، لن أنهض، وإذا نهضت فماذا سوف أفعل؟ لن أذهب اليوم إلى العمل، لن أحلق ذقني، لن أشرب فنجان قهوتي، لا لشيء، هي مجرد رغبة في الكسل.‏

سأبقى في الفراش، أرفع الغطاء فوق رأسي، النوم لذيذ، الكسل ممتع، لا أريد تحريك أعضائي، فليتبلَّد جسمي، خرقة بالية عتيقة أنا، جورب رخو ملقى تحت السرير، لتمتلئ الغرفة برائحة النوم.‏

قعقعة الكؤوس وعبق الشاي ورائحة الجبن المسخن وصخب الأولاد وهم في المطبخ يضجون، إيقاع يغزوني كل صباح، يتخلله صوت زوجتي يتسرب إليَّ وهي تعد لهم الإفطار قبل الذهاب إلى المدرسة، هذه هي عادتها، تغط في النوم فور استلقائها في السرير، لا تبالي بي ولا بالمذياع، وأنا أتقلب من جنب إلى جنب، وشعرها المشبع بروائح المطبخ يغزوني، تصحو قبلي وتمضي إلى المطبخ، حتى المذياع وهو يجرش، لا تقفله ولا تثبته على محطة، تسرع إلى المطبخ، أتلمس موضعها في الفراش، أحس دفئها، أشم رائحة شعرها على الوسادة، ولا أجدها.‏

النوم لذيذ، والكسل ألذ، أرق مرة أحد الملوك، هكذا حكت لي جدتي، فذهب إلى مشفى المجانين ليتسلى، فسأله أحدهم: متى تجد لذة النوم؟ فأجابه الملك: عندما أكون متعباً، وينتابني خدر النعاس، فلا أستطيع مغالبته، فردَّ المجنون: أنت في مرحلة ما قبل النوم، ولم تدخل فيه؟ فكَّر الملك، ثم أجاب: أحس لذة النوم عندما أكون غارقاً في النوم، علَّق المجنون: ولكنك نائم، ولا تحس بشيء، فكَّر الملك ثم أجاب: إذن، عندما أستيقظ بعد نوم عميق، علق المجنون: ولكنك فارقت النوم، فكيف تحس بمتعته؟!‏

ليت ذلك الملك يلتقيني ليسألني، أنا على كل حال لن أنهض، سأبقى إلى صباح اليوم التالي؟ لا، ليس عن حزن ولا قهر ولا سأم ولا غضب، ليس انتقاماً من زوجتي ولا من أولادي ولا من مديري، لا لأجل أي شيء، لا لأجل أحد، لأجل الكسل وحده، لن أنهض.‏

مرة رأيت ولدي أمجد، وهو لا يستطيع أن يصحو من النوم، النوم يغلبه، يكسر جفنيه، وأمه تداعبه، تمسح وجهه، تقبل عينيه، تمد يدها إلى ما بين فخذيه، تقول له: أين الحمامة، طارت الحمامة، تماماً مثلما كانت أمي تفعل، وأنا في عمر أمجد، كم النوم لذيذ، لو نهضت أمي الآن من قبرها، أو جاءت زوجتي وفعلت مثلما كانت أمي تفعل، أو مثلما تفعل هي مع ولدي أمجد، فلن أنهض.‏

-لا تدخلي عليَّ ثانية أرجوك، لست مريضاً، لست في إجازة، لن أنهض، أنا مسرور، أنا مرتاح، فقط أريد أن أبقى في الفراش.‏

هكذا أقول لزوجتي، فتخرج.‏

لست كالخلد، أختبئ في حفرة، لست كالدب، أدخل في بيات شتوي، لست كالسرطان، أختبئ في قوقعة، لست كالسلحفاة في حجرتي، لست كالخفاش أنام معلقاً طوال النهار، لست نحلة ولا فراشة، أنا هو أنا.‏

لا ريش لي ولا جناح، حتى أطير، لا قدم لي ولا رجل، حتى أسير، أنا كتلة لحم، ألتف على نفسي، أتكور، بعضي يدخل في بعضي أثني كلتا رجلي، ألصق فخذي ببطني، أحني ظهري، أثني كلتا يديَّ كأنني أصلي، أضم بعضهما إلى بعض، أضعهما بين فخذي، أود لو ألصق رأسي بصدري، مختبئ أنا في داخلي.‏

لا شأن لي بأحد، لا أحد له شأن بي، منقطع عن العالم أنا، لا قصة لا خبر، لست موظفاً لست أباً، لست زوجاً، أنا لا أشرب، أنا لا آكل، هكذا سأبقى شهراً أسبوعاً، يومين، يكفيني يومان، ولكن لماذا لا أبقى هكذا سنة، لتكن سنة، أو تسعة أشهر، تكفيني تسعة أشهر.‏

كأنني داخل في غيمة مثل ملاك يهبط من السماء، بل يرقى إلا السماء، كالهواء، أدخل في الهواء، هواء أنا، لا لست ملاكاً، ولا هواء، أنا هو أنا، لكنني متكاسل، هذا هو الأجمل، زوج أنا وأب وموظف وكاتب ورجل يأكل ويشرب، لكن لن أفعل اليوم شيئاً، سأبقى في الفراش.‏

الفراش الجميل، وأجمل منه اللحاف، الفراش يحتويني، اللحاف يغطيني، محاط أنا داخل شرنقة من حرير، لا داخل حافلة مكتظة وسط آلاف الأجساد المتعرقة في شارع مختنق بالسيارات والسخام والهباب والزحام، لا، لا، لا سيارة ولا حافلة ولا حرير ولا شرنقة، لست دودة قز، مرة أخرى أنا هو أنا، متكاسل في فراشي.‏

هي حالة إبداع لم أعش مثلها من قبل، لم أنم، ولن أنام، لم أستيقظ، ولن أستيقظ، أنا فيما هو أمتع من النوم، وأجمل من اليقظة، أنا في برزخ بينهما، أنا بين بين، أنا في حالة العدل الوسطى، ناقظ أنا، هل يصح هذا النحت؟ نائم ومستيقظ، النحت منهما ناقظ، هذا هو الإبداع، أنا في حالة إبداع، لكن لا، كلمة ناقظ غير جميلة، تذكرني بكلمة ناعظ، لا، لا، لا أريد أن أفكر، لا أريد أن أنحت، لا أريد أن أعمل، لن أشتق ولن أنحت، فقط دمي هو الذي يجري في العروق، قلبي وحده يدق، ولا شيء آخر، بل ليتني لا أحس بدمي ولا بقلبي.‏

شاشة تلفاز لا إرسال فيه ولا محطة ولا قناة، هكذا أنا، مرآة صافية متألقة لا تعكس شيئاً أبداً هكذا أنا الآن، بل ثمة ماء غزير يتدفق على سطحها، يسح سحاً، ماء يسح على وجه مرآة فلا شيء ينعكس على وجهها، هكذا أنا.‏

أنا في أقصى نقطة من لقاء السماء والبحر، حيث لا شيء سوى الماء والسماء، أنا في مركز القطب، في بؤرة منبع ضوئي، في عين المصباح، في عين الإعصار، في عين الصفر المدور، في مركز الدائرة، في مركز الانفجار النووي، في قلب قبر مفتوح، في قلب فلب مفتوح.‏

لا كل هذا غير صحيح، أنا أمارس فعل الكسل عن وعي وقصد، أنا متكاسل، أنا أحس دفء الفراش، دفء الغطاء، أحس برغبة قوية في التبول، ولكن أحبس هذه الرغبة، فأشعر بألم ممتع، أو بمتعة من نوع آخر.‏

باب الغرفة يفتح، جاءت زوجتي مرة أخرى لتوقظني، أحس حفيف ثوبها ووقع خطواتها، وقد انتعلت حذاءها ذا الكعب العالي، يغزوني عطرها الخاص الذي تضعه دائماً قبل خروجها، تدنو مني، وترفع الغطاء، صوتها يكشط جلدي:‏

-انهض، لا تتكاسل.‏

أصابعها تتغلغل في شعري، تعزف على نقرتي، تدغدغ عنقي، أنفاسها على أذني، هل هذا كله من أجلي أو من أجل عملي، من أجل اللقمة والعيش والراتب، كي لا أتأخر عن عملي، فيحسم من راتبي؟!‏

لن أنهض، أحس الآن بذاتي، أشعر أني موجود، هنا مملكتي، مديري له مكتبه الفخم، وسكرتيرته الجميلة، جاري له سيارته، يقعد وراء المقود، ينطلق تحت المطر، المسجلة إلى جانبه، النغم ينساب من الدفء، والمطر يسح في الخارج، وأنا هنا في مملكتي، لن أنهض.‏

من البيت إلى المكتب أحتاج إلى ساعة ونصف الساعة، لا بد من وسيلتين للمواصلات، وزحمة المرور خانقة، لا بد من أن أصل متأخراً، لا بد من توبيخ المدير أو معاونه أو رئيس الحركة أو البواب، حتى البواب سوف يرميني بنظرة عتاب لتأخري، وماذا بعد، فليحسم راتب يوم، إذا بقيت في الفراش فسوف أوفر أجرة المواصلات وثمن عشرة فناجين قهوة وثمن الجريدة.‏

سأبقى في الفراش لن تتوقف الأفلاك عن دورتها، المراجعون سوف يسألون عني، وسيلحقون بي الشتائم واللعنات، سواء أكنت غائباً أم حاضراً، وصديقي زميل العمر والعلم الأعز والأقرب سيغتابني لدى المدير، سينم له علي، ماذا سيحصل إذا غبت يوماً وماذا سيحصل إذا التحقت بالعمل؟!‏

هناك أيام أعياد كثيرة، للشجرة وللطفل وللأم وللأب وللحب وللربيع وللشتاء وللقمر وللشمس واليوم عيدي، عيدي أنا، لا، ليس عيد الموظف، ولا عيد الأب، ولا عيد الزوج، ولا عيد الرجل، هو عيدي أنا، ولكن، من أنا؟! لا أحلم في أن أكون همزة فوق الألف، ليتني نقطة واحدة تحت الباء.‏

مرة أرسلني أبي إلى صلاح البقال، لشراء نصف كيلو سكراً، قال لي، ليس عندي سكر، عرضت عليه المبلغ نقداً، طردني، مؤكداً أنه لا يبيع السكر، رجعت إلى أبي وأنا أبكي، سألني: هل قلت للبائع السكر لأبي الحاج محمود، قلت: لا، بل قلت له: السكر لي أنا، أنا، ضحك أبي، قهقه عالياً، ثم قال لي:‏

ومن أنت، هيا عد إليه، وقل له، نصف كيلو سكراً لأبي الحاج محمود.‏

خمسون عاماً وأنا أستيقظ كل صباح، لا بد أن أذهب إلى المدرسة،لا بد أن أتناول طعام الفطور، لا بد من المربى، وأنا طفل، والآن لا بد، وأنا كهل، من فنجان القهوة وحبة السكرين.‏

أنا ألعن النملة التي ما تزال تحمل حبة القمح إلى على الصخور الملساء فتسقط منها، ثم تعيد حملها، وما تزال طوال أشهر الصيف تعمل كي تعيش في الشتاء ولا تجوع، أنا أبارك صرصور الحقل الذي يمضي أشهر الحصاد في الرقص والغناء، لا يبالي الجوع والعطش، حسبه أن يرقص ويغني مع نسمات المساء تحت ضوء القمر في الصيف وليأت بعد ذلك ألف شتاء، ليموت أو يحيا لا يهمه، سواء بسواء.‏

ولكن واحسرتاه، ما رقصت في صيف ولا غنيت، ولا ادخرت شيئاً للشتاء، لا، لا ندم، حسبي أني هنا، هنا في كهفي في العتمة، هنا العتمة تحت اللحاف، فوق الفراش، هي الرحمة، هي أرحم من الصيف والشتاء، ومن دفء السيارة ومن نعومة كرسي المدير وليونة السكرتيرة، هنا أنا ملك الزمان.‏

-أرجوك أبعدي يدك عن عنقي، لن أنهض.‏

رغبتي في التبول تزداد ولكني أحبسها أمنعها، أجد متعة لا أعرف ما نوعها ولا طبيعتها.‏

-ولا أريد سماع شيء، أرجوك، أقفلي المذياع.‏

-أنت تحب فيروز، سأبحث لك عن محطة فيها فيروز.‏

-لا أحب فيروز ولا أم كلثوم ولا صباح فخري، أرجوك.‏

منذ خمسين عاماً وأنا أسمع فيروز تغني:‏

يا رفيقي نحن من نور إلى نور مضينا‏

ومع الفجر ذهبنا ومع النجم أتينا‏

أين ما يدعى ظلاماً يا رفيقي أين؟‏

إن نور الله في القلب وهذا ما أراه‏

سوف أحيا سوف أحيا‏

فيروز تحيا، وأنا أحيا، وكلنا نحيا، ولكن في ظلام، هذا هو الواقع، لو كنا نحيا في النور لما غنت لنا فيروز، لكانت اشتاقت إلى الظلام، أنا أعرف، ولكنها تريد أن تشجعنا، تريد أن تداوي جراحنا.‏

يدها الدافئة الناعمة مثل يد أمي وأنا طفل تزحف بهدوء ساحر إلى مواضع بعيدة، رغبتي في التبول تنفجر.‏

أرفع اللحاف عن وجهي، أهتف:‏

-أرجوك اتركيني.‏

قم، انهض، لترى ماذا فعل ولدك أمجد؟‏

أرفع اللحاف فوق رأسي وأنا أغمغم:‏

-أعرف، لا جديد، بال في فراشه، اتركيه نائماً، ليغب اليوم عن المدرسة.‏

-لا، انهض لترى ماذا فعل؟‏

أسأل وأنا تحت اللحاف:‏

-وماذا فعل؟‏

-ملأ حقيبته بالحجارة، قال إنه يريد الذهاب إلى القدس.‏

ليذهب إلى القدس، ليذهب إلى قانا، إلى جنين، ليذهب إلى أي مكان، كان الله معه، مع السلامة، اذهبي أنت وهو، أنا هنا باق، لن أذهب.‏

وقع حذائها ذي الكعب العالي يصك كياني كله، وهي تمضي، تغلق الباب وراءها.‏

الآن سأنام، ليتني ألتقي الملك أو المجنون لأحدثهما عن لذة النوم.‏

أنا سلحفاة وأرنب وعنكبوت وسرطان، هنا قوقعتي، هنا مملكتي، العتمة أجمل، الظلام أجمل، الحياة كلها ظلام، من عتمة الرحم إلى عتمة القبر نرحل، لكن لماذا أكذب على نفسي، أنا أعرف، النور موجود، النور هو الأجمل، هو الأبقى، لكن لا أعرف، أكاد أجن، ماذا أقول؟ الكل يعرف كل شيء ولا أحد يفعل، أين النور؟ ما معنى أنا أو أمجد؟! الأطفال وحدهم يدفعون الثمن، أكلنا الطعم صغاراً وها قد وقعنا في الفخ، لا تكذب لا تسرق، لا تكسل، من جد وجد، ومن سار على الدرب وصل، وكثيرون وصلوا من غير أن يسيروا، العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها، وكثير من البيوت رفعت من غير علم، والعلم لم يرفع أي بيت.‏

أمد يدي إلى المذياع، أفتحه، المذياع وحده يفعل، يغير كل شيء.‏

المذياع يعلن نشرة الأخبار الأولى لفترة الصباح، حسبت أنني بلغت العصر، أو تجاوزت الظهيرة، للثامنة أمامي بعض الوقت، يمكنني أن ألتحق بالمكتب، ولو تأخرت قليلاً، يمكن أن آخذ سيارة أجرة.‏

هل أنهض؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244