جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

اللوحة ـــ ملك صقر

كان يرسم لوحة.‏

أعطى للبحر ظهره. وراحت أنامله تحرك ريشة ألوانه الممزوجة بالسواد أو البياض.‏

تنبه إلى كرةٍ ما تتقافز من حوله. توقف، واستدار وإذ بها طفلة صغيرة بجديلتين وابتسامة خائفة.‏

نظر إليها.. وابتسم. كانت مترددة في النطق. فهي تريد كرتها التي استقرت بمحاذاته.‏

أعجبه المشهد.. فتوقف للحظاتٍ يتأملها. ويتأمل الكرة التي بدلت فيما بعد مسار حياته..‏

وصله الصوت من الخلف..‏

-عذراً يا أستاذ.. تعالي يا ياسمين..‏

استدار فوجدها لوحة أو لوناً. أو قمراً غطى بنوره سواد اللون الذي يظلل بعد ريشته. وهي تمزج البني. بالأخضر كي تشكل لوناً للشجرة. خطا الأستاذ عدة خطوات لا إرادية.‏

قال:‏

-لا تهتمي. المسألة عادية.‏

مسكت ياسمين من يدها. واتجهت صوب (الشاليه) البعيدة إلى حدٍ ما.‏

تركت في ذهنه. شحنة ما. لم يستطع تفسير معانيها. في زحمة تلك النظرات الساهية التي تشبه موجة ناعمة أرخت آخر أنفاسها العذبة على الشط المترامي وكان لابد من أن تكون ياسمين الصغيرة صديقة اللحظة. التي أودت إلى تلك الحالة ينبغي أن تكون الهمس الواصل بين إحساسه. وتلك الصاعقة التي هبطت عليه من السماء. ولم يدر أيشكر الكرة أم يلعنها.‏

تكررت اللقاءات مع ياسمين. لعب معها بالكرة.. أهمل اللوحة.. كان همه الوصول إلى ما هو أجمل منها.‏

حاول مراراً أن يستدرج ياسمين، ويعرف منها من تكون تلك التي جعلته لا يتوقف عن الارتعاش، والنزف العاطفي بنشوته المحببة. وقسوته.‏

بدأ يشعر أن حياته تعلقت بالكرة، وياسمين، وموقع (الشاليه) ولم تتح له أية فرصة للقاء الثاني معها.. رغم محاولاته. والاقتراب. أو الضحكات المرتفعة أثناء اللعب مع ياسمين.‏

أخيراً قرر أن يواجهها. فها هي الأيام تمضي وهو يحترق شوقاً. وياسمين لم تحقق ما سعى إليه.‏

اقترب من (الشاليه).. تردد.. ثم تراجع عدة خطوات.. أطرق قليلاً في الأرض ثم اقترب من جديد.. شعر بدوار خفيف. ودقات سريعة في قلبه.‏

صرخ:‏

-ياسمين..‏

كرر:‏

-يا ياسمين‏

أطلت.. بثوبها الأزرق.. وبريقها الوهّاج.. كأنها هبطت من علو. كملاك يغيب لمجرد رؤية البشر..‏

تردد في النطق. توقف كالأبله. مدهوشاً..‏

قالت بصوتٍ عذب:‏

-أهلاً.. ياسمين مع والدها في المدينة.. ذهبا لشراء حاجيات لنا.‏

والدها.. مدينة.. أيمكن أن تكون تلك الصغيرة. المدهشة.. الفاتنة. أم ياسمين كأن صدمةً كهربائية قد ضربته على حين غرة.‏

قال: يتلعثم‏

-وأنت أختاه؟!..‏

ردت وهي تبتسم بهدوء مستغربةً حركاته ولهجته وتردده:‏

-أنا أمها..‏

كاد يصرخ:‏

-ماذا تقولين؟‏

لكنها أكدت مجدداً:‏

-أنا أم ياسمين وهي وحيدتي وبكري. تفضل..‏

أحس بأنه قد فقد البصر. وأنه سيقع على الأرض.‏

لم يستطع أن ينطق بكلمةٍ واحدة.‏

سار عدة خطوات إلى الوراء..‏

وهو يردد ويحدق بها:‏

-شكراً سيدتي.. شكراً.. قدمي تحيتي لياسمين، قولي لها.. أو لا.. لا تقولي شيئاً. سأراها لاحقاً إن شاء الله.‏

كانت المرأة تتابعه. وهي تدرك جيداً ماذا أحل به.‏

عاد إلى لوحته السابقة. حاول أن يرسم.. فشل، حاول، مزج الألوان فلم يتمكن..‏

كانت صورة أم ياسمين، قد سيطرت.. وما عليه الآن سوى التفكير بطريقةٍ ما للخروج من هذه الحالة...‏

هل يلعن الكرة...؟!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244