|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المنزل الخاوي(1) ـــ إبراهيم كبة ديباجه: تأوبني دائي القديم فغلّسا أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا امرؤ القيس الضّباب يلفّ معالم الأشياء. وتكسو المخيّلة غلالة الأحلام، حفيف الأشجار يتناهى إليه رقيقاً هامساً، يصدح غناء عذب من مكان ما. عبثاً تلوب ناشداً باعث السلوى. تكابد سهر الليل، تقارع الموت والأشباح تبدو خيالاً ناشزاً في المأدبة و المأتم. تلازمك لغة البراءة الصامتة الخرساء، الطبع الهادئ يلائمك أشد الملائمة رغم صخب العالم. أيّ سبيل أسلك؟!.. لا جدوى من التريّث وإضاعة الوقت. ـ أبعدي الأزهار. ثم أضاف برماً. ـ فيم اغتباطك؟!... اعتراه شعور حادّ بالمرارة يفعمه الأسى. تسلّل ضوء باهت خلل النافذة، أوشك أن يصاب بالغثيان. الأحاديث بدأت تثير قلقه ودوار جائح، واضطرابٌ يتملّك الإحساس واللباب، انتزع نسيج عنكبوت ومزّقه تهدّل شعره الشائب على جبينه. حطم سحر الأشياء. إنَّ ألماً فظيعاً يفتك بك. ـ أين خنجرك الحاد؟... ظلال أشجار البستان تزيد الليل إبهاماً على إبهام. عبّ من الهواء بنهم. يفارقه الرشد والرّويّة بلا وعي. وتتملّك زمام إرادته غريزة عمياء هائجة. كأنَّ أيّام البحث عن الحقيقة ونشدان المعرفة صارت جزافاً لا طائل تحته. المكان صامت، وأنت بمفردك خلال الليل، غريبٌ تائه كتاب الذكرى ينتشلك من صميم الأفكار والأشجان، حميم آن. مرّة أينع شبابٌ خادعٌ أمام ناظريّ. تقف ساكناً دونما حراك رغم الثلج أو الغبار، ثمّ أنجم سماء خابية، وفي وضح النهار تقف تارة ساكناً على الشرفة، ثم لا تلبث أن تفوه بصوت خافت وبكلمات أشبه بالهذيان: النهر.... النهر. تمضي جيئة وذهاباً، يلوح المنزل إطلالة قديمة غابرة. إنك غريب حقاً، والمنزل الخاوي يبدو أشد غرابة منك، إنه خراب ماذا يجعلك مرتاعاً ووجلاً، أنا أتوق لأن أعلم، أهشم القفص، اقتحم الإبهام والإيهام ينبض القلب في اشتياق ووله، لا تأبه للجنس الشامخ كإله. ثمّة انفعال وغيظ لا يخمد أواره. وشيء من مسرة ومتعة، حاول استرجاع مزاجه المرح دونما طائل.... الحثالة.... نأت الشقة بيننا. شجرة الرمان تشرئب في المنزل الوادع. أي صوت يرن في الأعماق الثكلى، لا زال لديك شكوى، ولا يوجد أي عون. دام الظلام كأنه دهر، تهفو إلى حياة هادئة وجنة غناء. غريب تهافت الأضواء التي كاد يبتلعها الظلام والضباب. ثمة شيء غامض، وأغرب شيء ذلك الصمت الذي لا يبدده سوى غناء أسيان. لعلك أفرطت في الشراب. أين الأحاديث التي لا تنتهي؟!... ثمة سر داء ينخر الأعماق، كأنه تيار نهر تعترضه صخرة صماء، غادر منزله وأوسع خطاه. سار سيراً حثيثاً واثقاً، حادث عجيب عسى أن لا يتسرب لأهل الشأن. تقتحم المنزل في هدأة الليل تودع حياة صاخبة إلى حياة هادئة تأوه... لم يعد ثمة شيء يثير اهتمامه في العالم الصاخب. تمزقت الأسباب ورثت بين الأشياء. أحتاج إلى عزلة مثل عزلة ديكارت)) أرصف المعمار شيئاً إثر شيء بانتظار انجلاء الحقيقة. لا ينبغي أن يناقض نفسه. تذكر ابتسامات الأقارب اللاذعة، السعادة الموهومة جزء من الشر الذي تلعنه، وتأباه أيام لا حصر لها، تمر تترى وأنت ترصد ذاك المنزل الخاوي، لا امرئ البتة يختلف إليه. لا ضجيج، لا أثر لحياة سوى حفيف أوراق شجرة الرمان الخضراء. بت أتوجس خيفة من المنزل الخاوي والفناء الذي يلغه الصمت. التزم الطريق منذ البداية وحتى النهاية، استطاع سماع أنفاسه تتردد وسط غرفة غارقة في الصمت. تسمر يصغي بانتباه. تمارس الأرق كما يحلو لك، وتجاهد القلق كما يطيب لك. بزغ النهار. تهب فزعاً، لست في المنزل الخاوي. لا تزال بين أطفالك وعائلتك، وسط حجرتك كان ذلك حلماً. هواء الصباح يهب بارداً، انجاب الضباب، تبدو أشجار الكينا)) العملاقة تشرئب شطر عنان السماء. تترنح الأفنان والتيجان وتتقصف أحياناً، عندما تشتد الريح. ـ هل ترغب في شيء؟!... ـ فنجان شاي من فضلك. لا تجرؤ، تخشى أن ينالك سوء، تهاب المفاجأة. ـ كيف تشعر؟! حدجه بنظرة عتاب، عرق غزير يتصبب من وجه آدم. ـ أنا بخير، شكراً لك... الشاي ساخن. ترّيث قليلاً قبل احتسائه، تحت السّقف سحائب زرقاء باهتة من دخان اللفائف. النيران تعتلج وتتوهج في داخلك تكتم رغائبك. تبحث عن الحقيقة التي لا وجود لها، ربّما فات الأوان وترامى الطريق لا تحدّه نهاية. كان بوسع عثمان)) أن يسمع وجيب قلبه، تغيّرت الحياة تغيراً عميقاً ومفاجئاً. الرّبيع ينبض في دمه، لا أحد له حقّ إعاقة ما تصبو إليه. لا تكُ خائفاً وحائراً، ولا تجهر شفتاك بالغناء. إنّك ترتعش. تسطع الذكرى بالبهاء القديم، وسط سحب الحاضر الدّكناء. أنت في صراع مع نفسك ومع العالم برمّته. نداؤك ضاع سدى، لا أروم أن أتذمر أو أتأفّف، لاتك ثعباناً ذا أسنان سامّة لم تهدّج صوتك؟! تمتلئ ملامحك الميتة والعجفاء حياةً عندما تذكر ذلك المنزل الخاوي، وتنفرج شفتاك عن ابتسامة. ليس نزوة أن تهفو إلى الخلوة إثر معاناة انحلال عرى قواك تدريجياً وتباعاً ويهدر عنفوان الشباب. وداؤك سرطان يحبو ويزحف رويداً رويداً في الخلايا والأعصاب. أشدّ شراسةً وفتكاً من سمٍّ زعاف، إنَّ نشدان الحريّة أصبح شاغلك الأوحد لدى إدراك المرء نفسه في الباطن يراها ذاتاً لا تنفصم، ولأنك خائر القوى فإنَّ العقبات تثبط عزيمتك وتذهل عمّا سوى الانطباعات التي تروعّك وترهبك والانفعالات الشاقّة. إنّه إغراء أسلوب الصراع والمنازعة، ذكاء وأرق أو غباء جائح. نهم إلى أسلوب الصراع والمنازعة، المنفعة والمتعة. أشرعت ذاتك للريّاح وشدّ ما أدهشك ذلك الطبيب الذي دهس الطفل بلا مبالاة... البتة... البتة... لم يطرف له جفن لقد ضللت الطريق، تورّد وجهه، وراح يئن ويصرّ بأسنانه. يجب أن تشفى حان لك أن تبرأ، لابدَّ من ذلك، إنّه العلاج ولا يسعك أن تحرز أيّ تقدّم. بله أن تبلّ من دائك القديم... آه... يا إلهي والأمّ التي اغتالت فلّذة كبدها وهي تبتسم وقد انشرح صدرها. وأن تجفَّ عين الإلهام وتنضب، ابحث عن كافّة أشكال الحبّ والعذاب والجنون وسط شباب الإدهاش والمفاجأة العذراء لا تكاد تلوي على إحساس أو عاطفة لأنّ الشعر شاب. وقد أعيا العالم المخيّلة، وتألف التسكّع والانفعالات وتبلّد الإحساس، وعجف النفس وتودّ أن لا يقع ناظرك على التنين الذي أحرق النيران في جوفك. واختياله وغطرسته تلجم السلوك الطائش ونخشى أن يفلت الزّمام ويتعذّر الانسجام والوئام وتحيد عن شيطان الدّمامة والدّناءة. عاطفتك تحدو بك إلى الوحدة بغية أن تهتدي لذاتك، وصراط الأشياء القويم. لا تتضرّع لأحد من الناس، لأن الإنسان يحرّض نمو اليأس نمواً سرطانياً. وتعتريك حالات تمرّد دائم، لا تخلو من إثارة مرارة الألم يخدش سطح النفس تارة، ويولّد جرحاً عميقاً تارةً أخرى. وتلتهب حماسة كلّما عنَّ لك المنزل الخاوي، إنَّه على وشك أن يهتز ويتزعزع، ربّما انتابك الضجر والسّأم وتتساءل قانطاً: ـ أين نضارة الإلهام الأولى؟!... كان يطأطئ هامته بعض الشيء عندما يسير. ويتكلّم بجرس خافت، لعلّ ما تروم أخلاق البطل أو الفتى، إنّك تخرج أحياناً بل تارات عن حدود اللباقة واللطف، وتلجأ إلى تعسف جامح وهائج، وسفاهة خرقاء. هنالك تخلد إلى استرخاء تام، وتتقصّى أثر الدّاء الذي قد يشفّ عن مكنونه وأسراره أيّ هوىً والتواء يجمح بك إلى تدمير ذاتك. إجهاد النفس ينبوع المعاناة، يعوزك النظام الصارم والحازم، مثلما تعوزك التأملاّت وأن ترهف أذنيك إلى أيّ نأمة تدوّم مياه النهر، وينساب دؤوباً رقيقاً، أيّام تقديس العلم كانت شؤماً لأنّ الأشياء اعتراها تغيّر بيّن وسيلان دائم أذهلك عن تبصّر تمخضات الأبحاث. ثم نهشتك اللامبالاة وجاء الحبّ الجامح الذي خاب أخيراً يهدم البناء من الأساس. كان شرخاً في الرّوح عبوسه ينمّ عن برم جليٍّ تهبّ ريحٌ شرقيّة عاتية تجتاح المدينة التي تجثم عند أعتاب البادية. تمرّ به لحظات اشمئزاز من الحياة وقنوط يأس، ولا يجد إلا الفراغ والصمت. كان في غاية الضعف والإنهاك أيّة أهواء تتلاطم في النفس، تمدّ نظرك إلى أمام، يرتدّ صفراً تقبع في عجزك هادئاً تردّد: ـ لابدَّ من ساعة تأمَّلات، لابدَّ من إعادة النظر، لابدَّ من تقويم الأخطاء والأغلوطات. ثم تتفاءل بأفكار وعلى المحيّا تعبير أشدّ صرامةً وحزماً: ـ والتراث؟! إنّه علاج الأعمى. وتضيف بإيمان وقد احتدم نقاش في ذاتك: ـ لابدَّ من توازن استلم زمام المبادهة. أنت خائف. كان العقاب صارماً والانكباب على الوساوس إنّه شلل الإنسان بيد إنّه يزلزلك، وإذا أفضى به الحال إلى أشياء لم تخطر له ببال ولو شرعت تمارس ألعاباً لا عهد لك بها. ماذا لو دنا من أسلاك الشرّك إنّه الإنسان الذي أضاع الصولجان. الأفكار تعيا عن إدرار اللغة والألفاظ، إيّاك وممالأة الأشائم إنها ابتسامة على الشفاه وخنجر في الظهر وتدور الشائعات وسماجة الحكايات. وتحفّ بالنفس أغاني أشواق، وشوارع الملاهي والحانات. لقد أحكم الخناق على الإنسان. ـ أيّ شيء فعلت بنا يا أفلاطون؟!.. حسبك نحيباً شدّ ما حاول أولاء بثّ أكاذيب مرعبة بيننا، كان النّاس بين صائب وخائب إزاء تلك الشائعات. لا مكان. لا أرى من القطب إلى القطب إلا سادة وأتباعاً وجهٌ هزيل بادي العظام، بدّد اليأس آماله تبديداً عاتياً. أنشأ شعراً غنائياً تارة وهجائياً تارة أخرى، وخليل قد أفارقه، ثمّ لا أبكي على أثره. تبهره حمأة الحماقات التي تطيف به، لا تك غراباً شاء محاكاة الحمامة. كان حفيف النسيم يحمل أثراً من أنفاس الرّبيع. انتعل خفَّاً رياضياً ودسّ مدية في جيب بنطاله ما أدراه ربّما صادف ما يكره. هبط الليل يمّم نحو المنزل الخاوي، صعد الحائط الخرب، وثب إلى جوف المنزل الذي يغرق في الظلام والسكون. وتعبث به العاديات، تسلّل بحذر مثل هرّ يتربّص. أصابه خدشٌ طفيف، ندّت عنه أنّه لبث ذاهلاً برهة، شاحب الوجه، استعاد رباطة جأشه شيئاً إثر شيء. ـ احترس!!... ينبغي أن تلتزم جانب الحيطة واليقظة، أضاء الثقاب، اهتدى إلى طريقة غبّ لأي دلف إلى أوّل غرفة ثمة أثاث، بحث عن زر مصباح الكهرباء، ضغط عليه حذراً، إنّه وقتٌ عصيبٌ عمَّ ضياء الغرفة القديمة. الأثاث أيضاً قديم بيد أنّه نفيس وثمة بورتريه)) على الحائط لشيخ هرم يعتمر قلنسوة، خال أنّه يعرفه حقّ المعرفة. وأنّه وجهٌ أليفٌ لديه وأريكة تركيّة. تساقط نثار من تراب من سقف الغرفة، دبّ فيه شعور غريب من اللا مبالاة الفائقة. حدت به غريزة البقاء إلى الحذر والانتباه لأيّ طارئ، جال في أنحاء المنزل لا نأمة سوى حفيف أفنان شجرة الرّمان. ودّ لو أنّه جلب بعض البن، استبدّ به النعاس استلقى على الأريكة، قديماً سأله سائل: ـ أتهوى جميع هاته الفتيات؟! ـ أجل... ـ جميعاً؟!... ـ أجاب بصوت وئيد ولطيف: ـ أجل. وأخلد إلى صمت جريح. بينما تفصّد عرقٌ غزيرٌ من وجهه. ـ أمرٌ غريب. وقهقه ضاحكاً بدا الأمر كأنّه نكتة لطيفة ونادرة ظريفة. كان جادّاً إنه لا يحسن تمييز أجمل فتاة، أضحى الأمر مثل لغط في أوساط الأصحاب، وأحاديثه عن التقدّم والاشتراكيّة بعد إذ كانت أوهاماً أيضاً. ثم دارون)) وقصة الخلق في القرآن والمضاهاة التي أسلمته إلى الحيرة والاضطراب والتردّد. وشيء كأنَّه البلاهة ذاتها وشغفهُ بالأدب والكتابة، لقد قرأ باكراً وبلا عون أشياء هامّة وجادّة بل شاقّة على ذهن طالبٍ غضٍّ، وحفظ نصوص وأشعار المنهاج، إضافة إلى نصوص أخرى، المتنبي، وأبو نواس، وابن الفارض، وأبو العلاء المعري، لم يحز ثمن كتاب إلاَّ نادراً بيد إنّه يقرأ دائماً يلتمس وسيلة لاقتناء الكتب أو اقتناء كتاب، استعارة، مقايضة، وأحياناً شراء. وكولن ولسن الذي أهاج زلزالاً في كيان الناشئ ما تلاه آنذاك أنشأ في نفسه الظامئة للمعرفة انطباعات شتّى لا تمحى. صعلوك... أجل كان مجرّد صعلوك. خيّم صمتٌ كئيبٌ، بدا أنّه قد تيّبس وتفد الآونات التي لا يذكرها إلاَّ لاغباً أو ساخطاً ويفد الداء أيضاً دونما إنذار كأنَّه الموت، أو رصاصة صائبة، ويتهاوى ناشداً أيَّ عون. يهزأ منه الأهل والأقارب ويحتويه الأصحاب اندهاشه للمفارقة لا يفوقه شيء، إنّه لا يفقه أيّ شيء لكنّه لاذ بالصمت الحزين. إنّها حياةٌ شاقةٌ وصعب أفهمه الأهل أنّه خائبٌ وضعيفٌ كان ثملاً بلا خمر وكان الأهل سكارى، ولاحت علائم البؤس على محيّاه بؤس مميت. ـ ليس الأمر بيدي إنّها قوى تفوق طاقة الإنسان. ـ أنت تتذرّع بطلاناً وبهتاناً لا شيء يفوق طاقة الإنسان. إنّه ضائع كأنّه الشنفرى، أو أيّ ثائر آخر من صعاليك الأمم. حزّ الألم نفس الأب، الأم لا تعبأ لقد سئمت، وأيقنت أن خلاصه خلاصها أيضاً. الموت أجمل بك. ـ أمّاه!!... ليته أحسّ يوماً حنان الأم، لم يك يتيماً، بل كان خليعاً تأنف منه الأم ويزوّر عنه الأقارب، إلاَّ إذا تمكّن من الضحك، الضحك إذن سرّ آصرة الاجتماع، شاع التذمّر، والتأفف، عندها أضرم النار انتابه غضب شديد إنّه في مأزق حرج. الإنسان حيوان ضاحك يجمل بك أن تكفّ عن إثارة المشكلات لأنّ العصيان لا يجدي خذله أدنى النّاس، لمسة حنان، لمسة لطافة ورقّة، كلمة وادعة، أي شيء يطمئنه في ذعره الخارق ذاك، تنتابه جميع تلك الأفكار والذكريات في المنزل الخاوي. أحسّ أن النوم يداعب أجفانه ارتاع فجأة، عاوده الإحساس الرّهيب، بأنَّه وحيد تماماً بلا أنين تحفّ به قوىً لا مرئية. تروم شرّاً وكيداً. نعب غراب كان ثمة عدد جمّ منها يحوّم في الفضاء على مدى السّماء اللازورديّة. ـ أنا... أنا... لا شيء تغيّر!... انتابه شعور بالاغتراب، تتفحّص الأعين الأشياء صارمة يقظة. حتّى المنزل الخاوي لم يعد يكترث له، عبر تتالي الأيّام لم تبقى إلاّ ذكرى قاتمة عتماء تثير رجفة في الأوصال والأعضاء، يمرّ به بلا مبالاة لكنّ صورة الشيخ والسيّف لا تبارح ذاكرته تتلاشى المجرّة في السمّاء. يجري في الأزقة حانياً ظهره، يدير وجهه الذي احمرّ من لسع الرّيح. ضاع زمام الحياة وعصف به قلق عظيم، إنّه يبذل جهداً يائساً كيما يتحاشى السقوط في هاوية. صارت الحياة واجباً تؤده أثقاله، أيّ بلسم يصلح لعلاج دائه العضال ذاك؟!.. أيّ ترّياق؟!... وأيّ عقار؟! كان ضرراً عظيماً أشاع تذمّراً في حناياه. الصمت يئز حوله، لقد لاذ هارباً، حار الأطبّاء وحار حيرة أشدّ لأنّه ذاته لا يدرك أسباب دائه الذي بات شيئاً عادياً تماماً ومأنوساً مثل الماء والهواء والطعام والنّوم والحركة والسمّاء والأرض والشمس والقمر. أترى حقاً لم يعد يصلح للحياة؟!... (1) ـ ألقيت في ندوة جمعية القصة والرواية في اتحاد الكتاب العرب بتاريخ 2 ـ آب ـ عام 2000.وألقيت بمناسبة مهرجان تشرين الأدبي برعاية اتحاد الكتاب العرب فرع الرقة ـ بتاريخ 9/10/2002. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |