|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عيون كثيرة... وجدار ـــ نصر محسن الأماكن ممتلئة بالعتمة، ووجوه الرجال بالكاد تبين حين يتلامح قمرٌ هلالي بين غيوم متراكضة شرقاً، أشياء مألوفة وأخرى غير مألوفة، أمام البيوت الريفية تتكاثر المصاطب، يعلوها رجال لا يظهر منهم سوى بصيص سجائرهم وسحناتهم الكالحة تحت ضوء القمر الشاحب، والنساء في مكان آخر يثرثرن بأحاديث تزداد حساسية مع ازدياد السجائر المشتعلة. أيام طويلة مثل دهر تتراكم في خزانة الرأس التي يسمونها الذاكرة، وما إن تُفتح إحدى الكوى حتى تنفلش تلك الخزانة، ويهلّ منها عمر مضى بسنواته الكثيرة، نقياً حيناً وملوّثاً حيناً آخر، وبين النقاء والتلوث تظهر كائنات غريبة ثم تغيب، عصافير وعقبان، نمور وأرانب، تتعملق تلك الكائنات وتتقزّم في مناورة حادّة مشاكسة، وتبدو أبدية. وأجد نفسي هناك، تتناوب عليّ طيور ووحوش متعدّدة الأشكال والمآرب، تتناولني بشراسة أو بوداعة، فأُسعد أو أبتئس دون أن أصل إلى قرار حول هذا الجدار اللعين، أأزيله من أساسه أم أكتفي بفتح باب فيه..؟ في الحالتين سأُدان، وستشير أصابع كثيرة صوبي، أصابع كائنات ظالمة أو رحيمة، سترمقني عيون كثيرة بازدراء أو شماتة أو رغبة في تبادل الأمكنة. خلف الجدار حديقة ورد وحبال غسيل وامرأة أعشقها، تشرئبّ إلى الحبال لتملأها بالأثواب، فينحسر الفتسان إلى أعلى كاشفاً مسبّبات ترددّي وقهري. لو كنت أعرف أنها ستسكن هنا في جواري لما بنيت الجدار أصلاً، التقيتها أكثر من مرّة في غفلة من الأصابع المتّهمة والنظرات المزدرية، عرفت أنها على خلاف مع زوجها الذي هجرها منذ مدّة طويلة، ولم يعد يربطها به سوى بعض الأوراق المضمومة في إضبارة دعوى طلب الطلاق في ديوان المحكمة. تبادلنا كلاماً كثيراً عن الزواج والحبّ والنساء والخيانة والنذالة، وتبادلنا أفعالاً قليلة تركتْ أكثر من غصّة في أكثر من مكان. شرفات وأسطحة وشبابيك تحيط بنا، والستائر تنسدل أو تنزاح عن عوالم محجوبة أو مكشوفة بأضواء متعددّة الألوان، يشتدّ نورها أو ينوس. لا شكّ أن العيون تتلصّص، ولا شّك أن الأصابع المشيرة صوبنا ستزداد وتحاصرنا في الشوارع والحدائق وعلى جانّبي هذا الجدار الناهض، الأحاديث ستتشابك وتتشعب بامتدادات لا نهاية لها. متّهمان نحن في عالم لا يرحم، قلت لها ذلك في جلسة مسائية دافئة، قطّبت جبينها وقالت: -لا يهمني، ألست معي..؟ مددت يدي ومسحت عن جبينها عبوسه وعن عينيها حزنها، ابتسمتْ بغنج وتابعتْ: -هذا يكفيني، وليذهب الناس إلى الجحيم. أنت يا من تجرأت أكثر مني وتحرّرت مني، أيةّ قوّة تحملين..؟ أيّ حجاب يحجب عنك الناس بكلامهم ونظراتهم..؟ وحتّام تحاصرني أصابع متهمة وعيون معاديه تزداد وقاحة حين أمر بأصحابها..؟ صرت أحن إلى عالم ممتلئ بالعتمة، إلى سجائر مطفأة نام أصحابها، إلى سماء ملّبدة وقمر غائب أو متوارٍ، أراه ولا يراني، ومساحة ممتّدة دون جدار ودون أبواب، أطاردك عبر الورد وحبال الغسيل وقطع الثياب الرطبة، أغدو نمراً وتصيرين أيلة نافرة، نتشاكس كثيراً وننتصر معاً. بلى..... أحنّ إلى قرية ساهرة وأحاديث نساء أكثر حساسية مما تحمله ذاكرتي، ووجوه رجال تغادرها السمرة الريفية لتحمّر فتثقب كل الأشياء والحواجز، وتنطلق خلف مؤخرات النساء الخجولات والمتبخترات. -أتزوجك فقط..؟! بل أنصهر فيك حتى أمّحي، أتسرّب رذاذاً بارداً إلى دمك الحار، وهناك أحترق فأعود مشتعلاً، وأضيء الكون حولي. -أأنت شاعر..؟ -لا. -رسام..؟ -لا. وصمتتْ بخجل منتظرة أن أشرح نفسي أكثر. -أنا عاشق. وأنت..؟ -أنا حنان. وضحكنا كثيراً يومذاك، التفت روّاد "الكافتيريا" واصطبغ وجه حنان بالأحمر المتماهي حول العينين الخضراوين بسمرة آسرة، وانفتح فم كرزيّ ليكشف صفّين من الماس صُنعا بقوّة إلهية. وانطفأت أضواء الكافتيريا، فمددت صوب وجهها أصابع مرتجفة لم تجرؤ على الوصول فتراجعت لتعبث بغرّتي. وصعدنا درجات أربع بتلاحم سرعان ما تفكّك تحت أضواء الشارع الكاشفة. قلت لها آخر لقاء: -أبني غرفة لصق الجدار اللّعين، وتبنين غرفة في الجهة المقابلة، ثم نفتح باباً بين الغرفتين. -يا لك من ماكر..؟ -لم أجد حلاً مناسباً أكثر. -أنا لدي حلّ. -هاته. -نلتقي على السطح، مرّة على سطح بيتي ومرّة على سطح بيتك. -والناس..؟ -نقول لهم أننا حبيبان وسنتّزوج. -وإن عرف زوجك..؟ -قلت لك لا يهمني، وقرار المحكمة سيصدر قريباً، لقد وعدني المحامي بذلك. أعرف زوجها، هو ليس سهلاً على الإطلاق، ولا يمكن أن يقبل الخسارة بهذه السهولة، كيف أُفهِمها ذلك..؟ ستظن أنني تراجعت عن قراري بالزواج منها. كما أعرف أن المحكمة تتمهل كثيراً بإصدار قراراتها، وقد يطول الزمن قبل الحكم بالطلاق، وقد لا يحصل الطلاق نهائياً، فتعود إلى زوجها وأعود إلى وحدتي، ستكون خسارتي كبيرة وستكون خسارتها أكبر. هذا المساء ألغينا لقاءنا لأن لديها ضيوفاً، جلست وحيداً أمام الجدار وسرحت في ماضٍ مرّ سريعاً دون أن أنتبه إليه، ومازلت عازباً، تقول أمي أن الشيب قد غزا رأسي، وتعاتبني كثيراً، فأهرب من عتابها إلى المرآة، يفاجئني الشيب فأحزن، أتذكرّ تلك السنوات التي مرّت دون أن تقنعني أيّة امرأة بوجوب زواجي، إلى أن التقيت بحنان. الجدار ناهض أمامي على ارتفاع ثلاثة أمتار، أسمع وقع خطواتها وراءه، وأسمع صوت فيروز يصدح من مذياعها، أسمع صرخات كثيرة من فوق ومن تحت ومن اليمين واليسار. يزداد قهري فأنكس رأسي دون مقدرة على رؤية الشرفات والأسطحة والشبابيك، ويزور السماء الصافية فوقي قمر بدريّ وتقذف الذاكرة أفراخها، فتطوقني السجائر المشتعلة بوميض فاضح، والوجوه المحمرة خلف سمرة ريفية وأحاديث تزداد حساسية، وأنا أمسح الجدار بنظري باحثاً عن مكان مناسب لفتح باب أمام ريح مشبعة بالمطر واللعنات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |