|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المرأة عبر التاريخ: كتاب يساهم في حوار الحضارات ـــ د.سعيد يعقوب يضيف الباحث الدكتور عبد اللطيف ياسين إلى المكتبية العربية المعاصرة، كتاباً جديداً ضمن سلسلة كتب بدأها منذ كتاب تنظيم الأسرة ذي الأجزاء الثلاثة من واقع كونه طبيباً وباحثاً في آن، وقد دارت معظم كتبه حول مساءل طبية ما خلت من تناول العلاقة بين الجنسين وأمور قومية واجتماعية هامة. وبعد وضعه لستة عشر كتاباً، جاءت مساهمته في كتاب المرأة عبر التاريخ ليحصي حركة تطور العلاقة بين الجنسين متناولاً قيم وأخلاقيات وعادات الأمم والشعوب في تعاطيها مع المرأة عبر المسيرة الإنسانية الطويلة، وفي معرض هذا التناول يأتي الباحث على إجراء عدد من المقارنات بين قيم مختلفة وعادات وأخلاقيات متباينة، سعت جميعها من أجل إقامة منظومات معرفية تسعى من أجل الحفاظ على النوع الإنساني، ومن زاوية الرؤية التي يتعاطها المؤلف، يمكن أن نجد ملامسته لمشروعية طرح متوازيات قيمية بين هذه القوانين، بحثاً عن النظام الأكثر إنسانية في التعاطي مع الإنسان بما هو كائن يسعى إلى تحقيق قسط مناسب من الاستقرار ويحسن الباحث في تناوله لموضوعة القيم الاجتماعية عبر العصور، التي دأبت على رصد مفاهيمها فيما يخص المرأة وإذا كانت القيم الاجتماعية لدى أمة أو شعب تعبر عن تراكم خبرة هذه الأمة أو الشعب فإن ذلك سوف يندرج تحت مفهوم الثقافة، والثقافة بحسب (ول ديورانت) ((هي علم الأمة السابق على الوعي الفردي، الذي تتوارثه أجيالها وتسير به شؤون حياتها... وهي باختصار، ممارستها للحياة بشتى الطرق وأشكالها، وما يختفي وراء هذه الممارسة من علم متوارث يقود هذا إلى اعتبار أن أي ثقافة بهذا المعنى لا تأتي إلا عبر تراكم خبرات المجتمع بعينه، أي أن المجتمع الذي قد تشكلت له ثقافة خاصة، قد درج في مدارج الحضارة، وهنا نحتاج إلى اقتراب من مفهوم الحضارة، ولعل الذي جاء في معجم العلوم الاجتماعية ط القاهرة 1975، يثري ما نحن بصدده: ((إن الحضارة هي الثقافة حين تتعقد وتتميز بخصائص معينة، وهي الثقافة إذا ما وصلت إلى درجة من الرقي واضحة وأمكن قياسها بمقاييس خاصة. ومن هنا كانت قراءة الباحث للقيم التي حكمت المفاهيم الاجتماعية حول المرأة عبر العصور، قراءة تساهم في فتح أبواب الحديث عن طرائق تعاطي الثقافات الإنسانية مع المرأة، باعتبارها الكيان الموازي للرجل باضطراد، ولعل المفاصل التي تناولها في سيره على صراط التحقق من كل تجربة أمكنته على حدة، جعلت من الكتاب سفراً جديراً بالدرس. وإذا ما أردنا الاستفادة من هذا الكتاب في المرحلة الراهنة، بخصوص الصراع الناشب بين القيم المجتمعية /شرق/ غرب /ما يسمى بصراع الحضارات وعدل إلى حوارها، فإن الكتاب باعتباره يدرس طرائق التعاطي مع المرأة من زاوية ثقافية اجتماعية، أي من زاوية تجسد القيم المتراكمة والتي صارت إلى التكثيف لتعبر عن حضارة قوم أو شعب أو أمة فإن من المفيد إجراء المقارنة بين المرأة بحسب القيم الشرقية (العربية الإسلامية) والغربية بالطريقة التي تناولها الكاتب، إذ أرجع هذه المقارنات إلى بدايات الحضارات وما استمر منها وعلق في أذهان الأمم، وما باد منها وزال، متجولاً بين الحضارات القديمة، رومان /يونان/ هنود/ إغريق/ قدماء العرب/ سومريين/ بابليين/ مصريين/ آشوريين/ فينيقيين/ ... الخ... حتى ظهور الديانات السماوية وقد عقد مقارنات أيضاً بين القيم التي حكمت المرأة عبر هذه الديانات، وما طرأ عليها من تغيير وتحريف، أو وما تطور مستنبطاً منها منافع أخرى، وقد بذل جهوداً حول ضبط ظاهرة الزواج والأطوار التي مرت عليه فيما يخص المرأة منطلقاً من عقد مقارنة بين الحضارات القديمة ماراً على العصر الحالي (فإذا كانت الحضارة تتابع خبرات معرفية شديدة ما يجعل منها معبراً عن كم كبير من الوقائع مجسداً لها، كوجود خارجي صار نظاماً مثلما يرى هيغل في فلسفة التاريخ ضمن الأعمال الكاملة، فإن أساليب التعاطي مع الإنسان ومع المرأة بشكل خاص، هي التي تبرز أهمية وصلاحية هذه الحضارة، لتصدير مفاهيمها في خدمة البشرية، وهنا يذهب الباحث إلى دور الحضارة الإسلامية، وفي إظهار دور المرأة كأكثر الحضارات تقدماً في هذا الجانب حيث يركز بحثه منذ ص/106-118/ على ظاهرة التكامل والتماثل بين الرجل والمرأة في الإسلام ويقول إني أشبه الزوج والزوجة معاً بخلية مؤسسات وإدارات، عاصمتها الرجل والمرأة عاصمتها النواة، يعمل الاثنان معاً ويكمل أحدهما الآخر، ولا يتماثلان، كما لا يمكن فصلهما وإلا انتهت الخلية وتحطمت الأسرة كما لا يمكن فصل القلب عن الجسد)) منطلقاً من مفاهيم حضارية إسلامية، تحكم العلاقة بين الرجل والمرأة مستشهداً بأساليب مارسها المسلمون انطلاقاً من ثقافة أطلقها الإسلام حضارياً كما يتناول تحليلاً للحكمة من تعدد زوجات النبي الأكرم محمد ( كشاهد تطبيقي على نضج وتقدم الحضارة الإسلامية باضطراد، واستعدادها لتقديم الأمثل للبشرية. وفي موضع آخر، يحاور الكاتب حضارياً، مسألة جائزة نوبل، التي تعتبر نتاجاً لحضارة الغرب في القرن الماضي، استمراراً إلى الآن وما آلت إليه من وضعية غير إنسانية، حيث يربطها بالصهيونية، ويدحض من خلال تناوله لهذه الظاهرة، مزاعم الديمقراطية، الغربية قياساً للوعي الحضاري الإسلامي وهو هنا لا يرجئ اتهاماته، بل يصرح بأن جملة المقدمات التي بنيت عليها هذه الحضارة، أدت إلى نتائج سلبية ضد الإنسانية، بمعنى أن النزعة العدوانية تفاقمت لدى صانعي القرار في العالم، حتى غدت حتى جوائز الإبداع، مرتبطة بأخلاقيات غير إنسانية، وتتراكم الثقافة الغربية تبعاً لهذه المقدمات إلى أن تصير ضد الإنسان الغربي ذاته، رجلاً كان أم امرأة. وإذا كانت المرأة موضع بحث الدكتور عبد اللطيف، فإن تفرعات كتابه جاءت بناءً على أنها فعلاً نصف العالم (أي المرأة) بالتالي صار تناول المسائل على المستوى الثقافي العالمي منخرطاً في كتابه وبرزت مسألة الانحياز الثقافي –الحضاري- الغربي لإسرائيل داخل هذا الكتاب، من واقع كون القيم الاجتماعية الأخلاقية التي تعبر عنها حضارة من الحضارات، ينبغي أن لا تنفصم عمّا تؤول إليه النتائج، فإذا كان نتاج الحضارة المعاصرة للغرب –ثقافياً- هو إعلاء مقولة العولمة- أي احتواء العالم ضمن نظام أحادي الثقافة، يرتكز في ذروته على إنتاج مجتمع استهلاكي، وتكون الثقافة الممثلة للثقافة، الأمريكية هي طليعته مثلما يراد في الكتاب نقلاً عن ((برزنسكي)) أصبحت الولايات المتحدة القطب الثقافي للكرة الأرضية والمختبر الخاص بعلم الاجتماع والدولة العالمية الأولى في التاريخ وقد صارت إلى الدفاع عن إسرائيل العدوة لكل ثقافات الأرض، وما ينتج عن عدوانيتها من ويلات على حضارة العرب وبنائها الإنساني، يكون الدكتور قد دمج الحوار الحضاري بين الأمم السابقة، وبين طريقة قراءة تاريخ المرأة أكثر الأمور تعقيداً وساهم في إظهار المشهد الحضاري الإسلامي في التعاطي مع المرأة في كل الحضارات السابقة والحضارة المعاصرة، ولم يغفل الكتاب إيجابيات الحضارات الأخرى كذلك برزت القضية الفلسطينية باعتبارها المعاناة الدائمة للمرأة والرجل العربيين على السواء وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن المساهمة التي يضيفها الباحث لا تكمن فقط في إثارة هذه المسائل التي عرجنا عليها، وإنما قد تناول قضايا حيوية أخرى ذات صلة بواقع المرأة من النواحي الأخلاقية والجسدية والنفسية أيضاً، وواقع الرجل أيضاً في أكثر المفاصل حيوية في كتابه، ولم يكن الربط بين القيم الاجتماعية للأمم في تعاطيها مع المرأة، إلا مقدمة لطرح مشكلة الصراع الذي يطرح على أنه حضاري بين الإسلام والأمريكيين، والذي يعتبره الباحث تضليلاً ويستشهد بالدعم الحضاري ((الأمريكي)) لإسرائيل في هجومها البربري بالدبابات على رام الله (ص183). ويدخل أكثر المناطق إثارة في الحضارة الأمريكية، بالنسبة للمرأة، حيث يقول الكاتب ((يقدر عدد النساء اللواتي يتعرضن للضرب في بيوتهن في الولايات المتحدة بستة ملايين، وأن ما يقرب من ثلث النساء اللواتي يفدن إلى قسم الإسعاف إنما يفعلن ذلك لأنهن تعرضن للضرب وهناك ما لا يقل عن 30% من ضحايا جرائم قتل النساء تتم عن طريق أزواجهن أو أصحابهن، وهناك واحدة من كل خمس نساء من اللواتي يقدمن على الانتحار إنما تقوم بذلك مدفوعة بنتائج الضرب المبرح وفي ولاية ماساشوسيتس، هناك امرأة تتعرض للقتل كل 18 يوماً من قبل شريك عمرها /المرأة عبر التاريخ/ ص194. وباعتبار الباحث يتناول المظاهر السلبية للقيم الأمريكية في التعامل مع المرأة، مقارنة بالقيم والأخلاق الإسلامية، فإن المرتكز الحواري الحضاري ما بينهما بحسب نظريته، يجب أن ينطلق من هذه الزاوية لأنها تشكل تراكماً لجملة القيم الأخرى، فإذا كانت الثقافة الأمريكية هي التي سوف تسود العالم، وفق مقتضيات العولمة، فأي مصير سوف يواجه الإنسان إذاً وأي مصير سوف يواجه المرأة على وجه الخصوص؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |