جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حصانة متأخرة ضد حريم المرنيسي (1)* ـــ سهيل نجيب مشوّح

رحلة طويلة وشاقة يقطعها القارئ بين "ماتيس" وأدوار سعيد عبر تضاريس من التحليل المعقّد، والرؤى المنتقاة، والتفاصيل غير المجدية في عالم الحريم، في محاولة شائكة للإقناع بصورة ماضٍ مندثر، وحاضر ينمو بطيئاً، وفي الحالتين تكون الصورة ضبابية وغير واضحة نظراً لعبثية التعميم، وضعف الحجة، وأحادية الحكم.‏

فاطمة المرنيسي في كتابها: (هل أنتم محصّنون ضد الحريم) تتسلح بجرأة واعية، وشفافية صريحة، وتستعرض كل ثقافتها ـ ليس من باب الإدعاء والتباهي، وإنما لتقوية دفاعها، وتقنين مرافعتها في محاكمة "ماتيس" وأشباهه ممن يرون في المرأة جسداً وبقايا عزيمة ترضي غرور الرجل، وحسبها هذه المهمة ـ على مرّ العصور ـ وإن اختلفت وسائل "الغواية"، أو أشكال الجذب، بل نوع الخدمات والمواهب التي تتمتع بها المرأة، كما تختلف مقابل ذلك درجة الرضى والقبول التي يمنحها الرجل للمرأة.‏

في كتاب المرنيسي يختلط التاريخ بالجغرافيا، والفلسفة بالاجتماع، والثورة بالعصيان، والطاعة بالضعف والاستسلام والهزيمة. رؤىً متشابكة تقدمها الكاتبة، ولا تقف عندها كثيراً لاقتناعها بمكمن الخطأ، ووضوح الصواب مهما اختلفت درجات الرقي عند المجتمعات المتباعدة، وتكافح المرنيسي بكل نظريات المنطق، وأدوات المعرفة لإنصاف قريناتها، ودحض الرؤية الذكورية المتغطرسة التي تقول: "بأن وراء كل امرأة ناجحة.. رجل".‏

وفي عودة إلى جذور الضعف، تجد الكاتبة حسب لسان العرب لابن منظور "أن الجارية هي التي تلبّي نداء سيدها، وتكون في خدمته، وأن الجارية مرادف لخادم، وثمة مرادف آخر لكلمة جارية هي قينة.. أما كلمة (محظية) التي ذاعت لدى جيراننا الأوربيين، وألهمت فنانيهم، بدءاً من إنغر ودولاكروا وصولاً إلى ماتيس وبيكاسو أصلها تركي.."(2). وعن جانب القوة في ظاهرة الحريم، وأثرها الماثل حتى اليوم، تسوق الكاتبة جملة من الشواهد والآثار الموثّقة..، "وكانت أمهات العديد من الخلفاء العباسيين روميات.. وقد أنجب هذا العنصر الرومي أدباء وعلماء، كان لهم في فنهم وعلمهم طابع خاص لم يكن مألوفاً في العقلية العربية والفارسية... غير أن هذه القدرة التي اتسمت بها النساء السبايا على الفتنة والكيد داخل قصور الأسياد لا يعرفها سوى الحريم الإسلامي، لأن هذه الظاهرة كانت مستحيلة في حريم الإغريق والرومان.."(3).‏

وهنا يبدو رأي الكاتبة غائماً فيما ترمي إليه، فقد يُفهم من سطورها بأن الحاكم في بلاد العرب والمسلمين أقلّ حنكة، وأكثر ضعفاً من حكام الإغريق والرومان أمام سحر الحريم وسطوتهن وكيدهن، وإن برّرت ذلك باقتضاب لاحقاً بقولها: إنما يعود ذلك إلى (تقدم الإسلام في مجال حقوق الإنسان نوعاً ما) وليس من الصواب ما ذهبت إليه الكاتبة في هذا الباب، بالرغم من بحثها الدؤوب عن النموذج الملائم لدراستها من رجالات التاريخ الإسلامي، وإن اختلف المؤرخون حول ما كُتب وشاع عن هارون الرشيد (الخليفة الذي يحجُّ عاماً، ويغزو عاماً آخر)، ففي تاريخ بني العباس، وبني أميّة من قبلهم، وعهد الخلفاء الراشدين الكثير من الأمثلة والنماذج التي تضعف حجّة المرنيسي، ولنا أن نتساءل في هذا السياق. لماذا أحجمت الكاتبة عن عرض الصور المزرية لمعاناة الجواري في بلاطات الغرب المسيحي، والتعرض لفحولهم؟! وهل كانت قصور الفرس والروم وأروقة الإغريق أقلّ ازدحاماً بالحريم من قصور العرب المسلمين؟!... وكيف تغاضت مبادئ الشريعة الإسلامية عن استفحال مثل هذه الظاهرة؟!!.. تجيب الكاتبة على هذه الأسئلة باضطراب واضح، إذ ترى بداية اضطهاد الحريم قد تشكّل مع تعاظم قوة الإمبراطورية المسيحية القديمة وإن العرب بريئون من هذه التهمة السوداء بدليل إنكارهم لنسب أبناء الإماء، وقد استمرّ الإنكار حتى نهاية الدولة الأموية، إلاّ أن غياب عصر الحريم في تلك الحقبة لا يرجع إلى وعي وعوامل أخلاقية برأي الكاتبة ـ وإنما بسبب فقر عرب ما قبل الإٍسلام، وعنصريتهم الشديدة، وتعصبهم لدمهم العربي حتى بداية الدولة العباسية.‏

"وبالتالي، ليس العرب آباء الحريم، فقبل ظهور الإسلام، كان العرب يعيشون في فقر مدقع لا يسمح لهم بالحصول على حريم، فكانوا يطمعون بالامتياز الذي يتمتّع به جيرانهم البيزنطيون الأقوياء (الإمبراطورية الرومانية في الشرق) ويعدّونه ترفاً.. لقد كان العرب قبل الإسلام يضاهون الإغريق عنصرية، ويرفضون إعتاق ابن الجارية... ويشدّد المؤرخون العرب على عنصرية الأمويين الأوائل، ويعتبرونها سمة من سمات الجاهلية... ويبدو أن عنصرية عرب الجاهلية قد تراجعت مع العباسيين، وحلّت محلّها الشمولية التي هي جوهر الإسلام..)(4).‏

وحبّذا لو أوردت الكاتبة بعض ما جاء في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة عن الإخاء والمساواة بين الأعراق والأجناس، والحثّ على التسامح مع الأديان الأخرى، والأجر العظيم لمن يعتق رقبة، وحرمة الرق. والخصي حاضر بشيء من التفصيل في كتاب المرنيسي عند حديثها عن الخصي الأوربي في الفصل العاشر، ورأي الكنيسة في هذا الشأن يرويه القدّيس أغسطينوس: "يجب على الأزواج الامتناع عن المتعة طوال السنة.. لأن الذي يسعى دون اعتدال وراء الأشياء المحلّلة يسيء للذي أحلّها له".(5)‏

وتجد آراء القديس صدىً في الغرب الأوربي آنذاك بين شرائح مختلفة تشمل فنانين ومثقفين وبشر عاديين ترجعها الكاتبة إلى أسباب ومبررات متعددة، ويأتي المثال بما يقدّمه (جان ـ لوي فلاندران) مؤلف كتاب وقت لتبادل القبل، إذ يرى: "المقاومة قدر الإمكان، وعدم الوقوع في فخ النشوة الجنسية. فالروح والجسد متناقضان..".(6)‏

ونتساءل هنا.. هل كانت نبوءة القدّيس أغسطينوس ومؤيديه نبوءة ثاقبة لدرء الانحلال والإباحية؟!.. أم هي إملاءات صارمة من تعاليم الكنيسة المحافظة آنذاك؟‏

وللخصي المسلم في الفصل الحادي عشر حضور وتبرير في الكتاب، إذ تعزو الكاتبة بداياته إلى عصر السلاطين العثمانيين لدى احتكاكهم بالعالم المسيحي ويرجع هذا الاستنتاج إلى ما توصلت إليه الباحثة التركية (أليف كرويتيه): "لقد قام السلاطين بتقليد الحريم ومحاكاته تعبيراً عن العظمة البيزنطية التي كانوا يحلمون بها..".(7)‏

وفي موضع لاحق تُرجع الكاتبة تاريخ الخصي المسلم إلى عهد الخلفاء العباسيين الذي أنفقوا مبالغ طائلة لاقتناء الخصيان وأن الخليفة الأمين ابن هارون الرشيد قد (قدّم الخدم وآثرهم ورفع منازلهم) حسب المسعودي، ووالدته الأميرة زبيدة هي التي أشاعت عادة الغلاميات، ويروي المسعودي بأن زيبدة قد (اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه وعممّت رؤوسهن وجعلت لهن الطرر والأصداغ.. وبعثت بهن إليه).‏

أما حضور الخصيان في الكتاب فهو تمهيد فلسفي للبرهان على أهمية الانضباط الذاتي لتحرير غرائز المرأة، وحريتها في التوجّه السلوكي بعيداً عن الأعين الماكرة المستسلمة للإغواء والشهوات، وإن عجزت بعض المجتمعات عن السيطرة على التفوّق الذكوري، وفشلت في فرض الرقابة الذاتية والضبط الذاتي لغرائز الرجل عن طريق التربية الاجتماعية، والتوجيه السلوكي، والتنشئة الدينية، وحتى بواسطة القوانين والتشريعات الحقوقية، فلا مناص إذاً من اللجوء إلى وسائل أشدّ قسوة تبيحها ضرورات مرحلة معينة، وتقترب الكاتبة ـ في هذا السياق ـ من الرؤية الغربية التي يجسّدها الفيلسوف الألماني (نوربير الياس) في قوله: (يتسم الزواج في مجتمع الملكية المطلقة الذي ساد منذ القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر بالإلغاء التام، بحكم بُنى هذا المجتمع، لسيطرة الرجل على المرأة"(8)،‏

والكاتبة ترى بأن تفسير "السجال القائم حول الحجاب في المجتمع الإسلامي، في اعتقادي، على أنه سجال حول استقلالية المرأة وضرورة تأقلم الرجل معها، وانضباطه أمام عورة المرأة" (9) وتؤكد الكاتبة إعجابها بالنموذج الأوربي في الحرية والمساواة في الفصل الأخير من كتابها حين تقول: "غير أنني أؤكد على أن الرجل الأوربي شجاع لأنه قرّر أن يسلك، منذ قرون عديدة، الطريق الوعر للحرية المسؤولة خلافاً للزعماء الصينيين أو العرب يتشبثون بعلاقات متفاوتة وسلفية بين الرجل والمرأة وهذا الخيار الصعب يجعل شجاعته تثير المزيد من الإعجاب" (10)‏

إذاً، وعلى رأي الكاتبة نفسها يمكننا الجزم بأن إعراض العرب ما قبل الإسلام وما بعده لم يكن مردّه إلى حالة الفقر والبساطة، وإنكارهم لمجتمع الحريم يعود إلى نضوج نفسي وأخلاقي كرّستها التركيبة العائلية والقبلية المتينة وأهمية المرأة وتأثيرها السرّي والعلني على قرار الأسرة والعشيرة فكنّ أمهات صالحات، وجدّات حكيمات، وشاعرات مجيدات، وكنّ ذوي رأي وبأس وجلد، وكما هو الحال في كل عصر، لم تكن شريحة منهن بمنأى عن الشذوذ والجهل والعبودية والحسد والفتن والغرور، وغير ذلك من المس الذي يصيب النسوة في كل زمان ومكان، ومن هنا يأتي التأكيد على أن مجتمع الحريم متشابه في فارس وروما وبلاد العرب والإغريق وتتشابه بدايات النشوء ومراحل التطوّر، كما تتشابه سلطة الحريم، ومكائدهن، وطرق إغرائهن، وحكمتهن، وزعامتهن، وأمومتهن، وإن كانت ثمّة فوارق بين حريم العرب ومجتمعاتهن عن حريم الغرب وصواليهن فذلك مرجعه إلى عوامل عديدة تحكمها العادات والتقاليد والبيئة والدين والحالة الاقتصادية والاجتماعية، ودرجة الوعي والمعرفة، وأمور أخرى لم تعالجها الكاتبة بعمق وحيادية، وإنما غلبت الرؤية الشخصية، والتحليل الأحادي على موضوع الكتاب، ولو قُدّر للكاتبة أن تنتزع نماذج عن مجتمع الحريم من الأدب والأسطورة والدين وعقدت المقارنة بين ما ورّثه الشرقيون والغربيون في هذه الميادين، لكان الكتاب أكثر متعة، وأقوى حجة، ولاكتملت موضوعته، وأفادت القارئ والباحث.‏

الرياض / 9 / 2002 م‏

1) * (هل أنتم محصّنون ضد الحريم) ـ للمؤلفة ـ فاطمة المرنيسي ترجمة ـ نهلة بيضون.. الناشر ـ الفنك / المغرب المركز الثقافي العربي / بيروت ص7. ص 88 ـ 89. ص 97 ـ 99. ص 128. ص 129. ص 142. ص 157. ص 158. ص 189.‏

(2) ص7.‏

(3) ص 88 ـ 89.‏

(4) ص 97 ـ 99.‏

(5) ص 128.‏

(6) ص 129.‏

(7) ص 142.‏

(8) ص 157.‏

(9) ص 158.‏

(10) ص 189.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244