جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أفكار وملحوظات على هامش كتاب جديد ـــ ميخائيل عيد

هذه الهوامش صارت نصاً مستقلاً عن النص الأصلي وهي منه.. كنت أقرأ صفحة من صفحات الكتاب وأقرأ صفحة من صفحات الواقع فيتداخل ما بين سطور الصفحات وما بين أحداث الواقع، في الكتاب تحليل عميق للواقع وللتاريخ ولفلسفة التاريخ. والتاريخ هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه أو نحن أوصلناه إلى حيث وصل... لكن من نحن؟.. ثم ... هل تستغربون أن تصير الهوامش نصاً؟... لقد حدث مثل ذلك في التاريخ ومازال يحدث... أما حلت تفاسير الكتب المقدسة وهوامشها محل الكتب المقدسة. أما صارت هوامش كثيرة نصوصاً بديلة للنصوص الفلسفية؟‏

ويبقى من حسنات نصي الهامشي أنه يدعوكم إلى الرجوع إلى الكتاب –المتن... إنه كتاب "نهاية التاريخ" لمؤلفه الفيلسوف الباحث وعالم الجمال الفرنسي هنري لو فيفر الذي ترجمته الدكتورة فاطمة الجيوشي وصدر مؤخراً في عداد منشورات وزارة الثقافة في دمشق حاملاً الرقم (75) من سلسلة الدراسات الفكرية التي تصدرها الوزارة.‏

اقترن اسم هنري لوفيفر في ذهني باسم روجيه غارودي منذ النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين إذ ترجم بعض أعمالهما صديقي المرحوم محمد عيتناني... وقد أدهشني صدقه وصراحته وسعة اطلاعه منذ ذلك الوقت... وزدت إعجاباً بصفاته تلك بعد اطلاعي على كتابه الجديد.‏

علمت منذ الصفحات الأولى أنني أمام كتاب هام. فهنا كلام على الخط الأمريكي الذي "يسحق ويسطح الوعي كما يسطح الفكر..." إن "الفلسفة والتاريخ، وقد سقطا إلى مرتبة الأدوات الأيديولوجية، أصابهما الدمار" (ص5) وأنتم تذكرون أن أحد أبواق الأيديولوجية الأمريكية المعاصرين جداً قد أصدر كتاباً عنوانه "نهاية التاريخ".‏

كنت أتوقع أن يكون الكتاب أحد أهم الكتب التي وصلت إلى يدي مما يترجم... ما لم أكن أتوقعه هو أن أكتب بالقلم الرصاص ما قد كتبته على هوامش صفحاته..‏

يشتمل الكتاب على "تنبيه" وثلاثة فصول هي "هيجل، ماركس نيتشه حول التاريخ" و "التاريخ والتاريخية" ثم الخروج من التاريخ" يليها "ملخص ونتائج" ثم المراجع.‏

الفصول كما ترون تغري بالقراءة المتأنية، بل إنني أمنّي نفسي بالعودة إلى قراءتها على الرغم مما كتبته على الهوامش... وسأنقل لكم بعضه أو أكثره مع علمي أنه سيبدو متقطعاً يفتقر إلى الترابط. إنه مسألة كتابه سريعة على الهامش.‏

هي نهاية التاريخ! ليكن... فلينتهِ تاريخهم... فهم يريدونه صراع حضارات... إن ذلك أحد مزاعمهم... وهل هم أ هل حضارة... لقد ترعرعوا على أنقاض حضارة سكان بلادهم الأصليين... وهم يعملون بكل ما في وسعهم على تدمير حضارات الآخرين "ويُقلى من الهجين الأصيل" كما يقول الشاعر... أما نحن أبناء الحضارات فسوف نصارعهم دفاعاً عن الحضارة وفي سبيل تجديد التاريخ والحضارة. إن تاريخهم أعمى وإذا أبصر حقيقتهم انتهى.. وهاهم يجهرون بحقيقتهم ولا غرابة في أن يشعروا باقتراب النهاية.. وأقسم إنني كلما رأيت ما يفعله شارون وحليفه الاستراتيجي بوش صغرت في نظري جرائم شقيقهما الأكبر هتلر وكدت أترحم على جدهما الأكبر نيرون. إن كلامهما على المدنية والحضارة والديمقراطية وغيرها أشبه بالتهريج في مأساة فاجعة.‏

إن الكفاح الدائب الصبور هو الذي ينهي حقبة تاريخية عسيرة ويخلق عهداً وتاريخاً جديداً... لقد قسموا صيرورة البشر إلى أقسام أسموها حقباً تاريخية، وقد أطلقوا على الحقب الأولى اسم حقب "ما قبل التاريخ" ثم أطلقوا على فترات السلب والنهب والقتل والقرصنة اسم التاريخ... إن هذا التاريخ سينتهي حتماً... وستتكلم الأجيال القادمة على مرحلة ما بعد التاريخ. أجل فلينته تاريخ القتلة... إن كل نهاية هي بداية لما بعدها، لمرحلة أرقى... ما من نهاية مطلقة. وهاهم يعلنون أنهم أنجزوا تاريخهم... وغداً سيبدأ تاريخ الإنسان الذي يريدون تدميره تحت شعار تحريره.. إن منطقهم يقوم على التجزئة ولنا منطق التكامل. "إن الإنسان" الذي ينقصه التاريخ يفقد صفته كإنسان. سيتراجع نحو صفة طبيعية مجردة "الحيوانية" (ص46).‏

وهم يحددون التاريخ ومراحله تبعاً لمراحل اغتصابهم حقوق الشعوب ونهب خيراتها... لقد أطلقوا على الرأسمالية في مرحلتها التنافسية اسم التاريخ، وقد انتهت تلك المرحلة من الرأسمالية فبدأوا يتكلمون على نهاية التاريخ. وهم يعلنون بذلك بدء المعركة التاريخية الأكبر. لقد أفسدوا التاريخ حتى لم يعد قابلاً للإصلاح. وهم لا يرون له صلاحاً إلاّ في فساده. إنهم يفسدون الفن ويفتتون الثقافة وصولاً إلى هزيمة روح العالم لصالح الاحتكارات... ويريدوننا أن نؤله تفاهتهم. وأن نصفق لقوتهم الغاشمة التي لا صلة لها بمفهوم الحضارة، إن "آخر البشر وأبشع البشر يكونون معاصرين لهيمنة التاريخ ونهايته" (ص88).‏

إن المرء يطمئن حين لا يكون موعوداً بمستقبل... فهل يريدوننا أن نيأس من المستقبل من أجل أن نطمئن!... أم تراهم قد بلغوا الكمال فألغوا التاريخ؟ أجل... أجل... إن بعض الأسئلة أمرُّ من العلقم!‏

بعد التوتر الأقصى يحدث ارتخاء... لكن التوتر القديم أعقبه توتر آخر، فالضواري تستعد لافتراس الكوكب... لقد تخيلوا التاريخ حدثاً أو مجابهة ما... وهو صيرورة متصلة من الأحداث والمجابهات... وسيبقى ما بقيت الحياة... إنهم يشوهونه.. قد يشارك بعض المؤرخين في بعض المعارك أو المواجهات لكن أكثرهم يصل بعد انتهائها... ثم يقولون بالكلام ما يريدون قوله أو ما يراد لهم أن يقولوه وفق منهجية هم يبتكرونها..‏

ويسلطون على أحداث بعينها أضواء ساطعة إلى حد الإبهار، ويعتمون على أخرى فلا يراها إلا الذين تكويهم نارها. ويتوغلون في العلوم فتزداد الأزمات العلمية: أزمة المعرفة العلمية، أزمة التعليم.. "وتتجزأ الموسوعية، لقد صارت المعرفة فُتاتاً...." (ص133) ويتجسد الإنسان إخفاقاً مريعاً من إخفاقات الطبيعة.. ويصير الوعي شقاء الشقاءات.. تصير الحياة جيفة يحاول الثوري قلبها... فيفوح منها النتن ولا تنقلب.‏

ويقولون إن التاريخ انتهى بأكاذيبه الكبرى ونزاعاته الكبرى... ونسأل: كيف والإرهاب العالمي الأكبر الذي ربى مئات الألوف من الإرهابيين ودربهم وسلحهم يزعم أنه قائد حملة محاربة الإرهاب في العالم؟ هل عرف التاريخ فرية أعظم من هذا الزعم؟ النظام الذي قصف هيروشيما وناغازكي بالقنابل الذرية، النظام الذي أثار الحرب الكورية وسمم أرض فييتنام بالأسلحة الكيميائية يطلب اليوم رأس العالم كله... وثمة مؤرخون الآن وثمة إعلاميون يؤازرونه... إن تاريخ أكاذيبهم يجدد نشاطه ويوسعه تحت شعار "نهاية التاريخ" ونهاية الأيديولوجيات!‏

إنهم يريدون إغراق العالم في سبخة راكدة من الخنوع والشعوب تفضل أن تتحطم فوق ذروة صلبة وهي تكافح في سبيل مستقبل أجيالها... لقد أعلنوا موت الآلهة "لكن الآلهة لا تموت في أسرّتها، والأديان لا تنتهي بهدوء" (ص160) "إن نهاية الوعي التاريخي تهدد الإجماع على الحياة الاجتماعية" (ص161) وسوف تفاجئنا "الهوة التي تنفغر" (ص162).‏

لقد صنعوا الكبار رجال التاريخ تماثيل من شمع وضعوها في متحف. لم يصنعوها من فولاذ أو ذهب أو فضة... فالفولاذ يصدأ والذهب والفضة يبهت لوناهما... فهل الهش والأقل ثمناً هو الأبقى... أم أنهم يريدون أن يقولوا لنا: صيروا أناساً من شمع في متحف تسلموا... إن سيد العالم الراهن يريد لكم ذلك...‏

لا... لن نصير تماثيل من شمع ولن نخرج من التاريخ... تلك هي إرادة شعوب العالم... الكفاح الحازم هو الذي يلد الانعطافات التاريخية الكبرى... لقد شئتموه صراع حضارات... حسناً... سنعد أنفسنا للمواجهة.. وسيكون التاريخ الجديد هو سجل هذه المواجهة.‏

إن صروح الرأسمالية العالمية تتصدع، يشتد عليها الضغط من داخلها ومن خارجها. يجدد البيروقراطيون دهانها كي لا تظهر الصدوع.. والسؤال هو: هل ستنفجر بعنف أم ستنهار على مهل؟ ولا أحد يعرف حتى الآن كيف.‏

يُنهُون التاريخ ولا يضعون شيئاً مكانه... وهم يعملون علانية على تدمير "نُوى المقاومة" في الفكر والممارسة... والذي يخفونه أقبح وأفظع... إن دروب الإبداع تمر عبر الثقافة المضادة.. لهذا يريدون انتهاك الثقافة والتعالي عليها، يريدون الخلاص من التاريخ لأنه يهددهم، يخترعون البنيوية الراكدة ويضعون الوعي الزائف مكان الوعي. إن الحياة تُبنى وتفكك لتبني ولا تتوقف... وسيبقى الإنسان مفكك الأوصال مريض المفاصل يتخبط في وحول تاريخه الذي جعله الطغاة كتاب أكاذيبهم المقدس وسيرة العاهرات المبجلات إلى أن يعود إلى جوهره.. إلى أن يحطم عجل المال الذي يعبده.‏

يقولون: في البدء كان الكلمة... أجل.. لكنهم اضطهدوه فذهب ولم يرجع... هدموا كنيسته وأقاموا مكانها معابد يصلّون فيها لقيصر ويرسخون سلطانه. صارت المعابد مؤسسات أحلّت مملكة الأرض الفاسدة محل مملكة ابن الإنسان المقدسة... سطا قيصر على مالله، ولم يبق على الأرض شيء ليس له. وصار الكلام المقدس غلافاً لتاريخ القياصرة الذين يعبدون الذهب وحده.‏

ويقولون نمضي نحو الروح وهم الذين طردوا الروح من العالم... ويذكرون اسم الحق في صلواتهم وذكره على شفاههم تجديف.‏

ويستأجرون أقلاماً تمسخ ملاحم المناضلين الأبطال إلى مهازل.. يسمّون الطليعي خرفاً يهرف بما لا يعرف.. ثم يطمرونه بالنسيان... وتبدأ دورة جديدة... ويتوهج التاريخ ويخبو.‏

تتوهج أدمغة المبدعين... يوقدون أعمارهم شموساً وكواكبَ، يحولها المتاجرون إلى "سلع" ثقافية، يتسلى الكسالى المعقدون بثمرات الأدمغة المبدعة... ولا يخجلون من إصدار أحكام قيمة عليها... أجل، أجل، يا للعار!‏

يفعلون ذلك كله ويريدونه أن يبقى بلا "صفة تاريخية" ويعلو "مخمل الدخان الكلامي مع ارتشاف الويسكي" ينفق سادة الكون ثروات ضخمة لامتلاك حفنة من الحصى شاردة "في الفضاء" ويلوثون الأرض...‏

سينتهي التاريخ!‏

حسناً...‏

يجب أن ينتهي هذا كله!‏

كان النبلاء وحدهم يملكون الحق في حمل السلاح والقتال "من أجل الملك أو من أجل أنفسهم".. وستحمل الشعوب السلاح دفاعاً عن حقوقها وتاريخها وكرامتها. ولن تنجر إلى فخ "الاستهلاك التفاخري".‏

يقول لوفيفر: "خلال هذا الزمن تبلغ المأساة أوجها. ويترك موت الإله المجال حراً للقسوة والجنون. لا يكفي الكلام بحكمة وبتعقل لكي ننزع عن المواقف المأساوية خطرها..." (ص214).‏

إنهم يحشرون المسيح والكنيسة في ترسانات أسلحتهم... وأبتسمُ.. المسيح.. لقد عذبوه ونفوه من عالمهم..‏

يوم صعدوا إلى المسرح أعلنوا موت الإله... وهاهم يعلنون موت التاريخ، فهل من المستبعد أن يعلنوا موت الإنسان وهلاك الأحياء على الأرض؟ هل سيحققون المساواة ونهلك جميعاً؟‏

لم أتكلم إلا في السياسة... والكتاب ليس كتاباً في السياسة وحدها...‏

لقد نسيت أن أنقل لكم السطور الأولى من التنبيه الأول الذي استهل به المؤلف الكتاب. يقول لوفيفر: "ليس هذا الكتاب عمل فيلسوف، مع أنه يتضمن بعض النظرات الفلسفية (بالاضافة لنقد ما بعد فلسفي) كما أنه ليس عمل عالم اجتماع، على أنه ينطوي على سوسيولوجيا، وليس عمل مؤرخ، على أن المؤلف أجرى بعض البحوث التاريخية قبل أن يبيح لنفسه وضع التاريخ موضع السؤال. هل يمتنع على التصنيف؟ مقولة يثقل حملها! ولكن لِمَ لا نعترف منذ البداية أن هذا الكتاب يخرج عن أطر تقسيم العمل الذهني كما تأسس في الفكر الخاضع للمؤسسات الثقافية؟" (ص3).‏

الكتاب في (224) صفحة من القطع الكبير... أنيق غلافه وسعر النسخة منه (125) ليرة قبل الحسم...‏

المؤسف أن الأغلاط غير قليلة في هذا الكتاب الجميل... فمن نناشد كي نتخلص من الأخطاء؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244