جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

نحن ناس رياضيون والسلام ـــ قصة عزيز نسين ـ ترجمة: عبد القادر عبد اللي

لو كان الموقف الأول للخط لوُجد مكان للجلوس في (الترامواي). ركبتُ من (مجدية كوي)، وقبل وصول الترامواي إلى (شيشلي) امتلأ إلى حد تدليّ الركاب من الباب والنوافذ..‏

وَضْعُ الترامواي معروف. رجل يقرأ جريدة، والجالس بجانبه يستفيد منها، والشاب الجالس خلفه يمدُّ رأسه وكأن رقبته رقبة زرافة ليقرأ التعليقات الرياضية. غضب فجأة، وأطلقَ صرخة: "آخ من أمه"، ثم قال:‏

ـ خسر نادي الفنار على الفاضي.‏

التفت صاحب الجريدة الأحدب إلى الخلف، ونظر إلى الشاب الممعوص الأصفر الوجه، وقال:‏

ـ ماذا كنت تظن؟ هل سيفوز؟‏

تدخّل رجل لا يستطيع التنفس لسمنته، يشبه سمكة (الفوك):‏

ـ لو لعّبوا شعبان قلب خط وسط لكان من الصعب أن يفوز الآخرون.‏

نطّ من الخلف شاب نحيل التصق ظهره ببطنه، وقال للذي يخور مثل الثور:‏

ـ عشت يا أخ.. عاش بشكطاش.. لاعبو بشكطاش سباع.‏

صرخت راكبة شابة وأنيقة لم تحتمل:‏

ـ بشكطاش مشهور بأكل الأهداف.‏

إثر هذا ألا يقول ولد صغير للمرأة بصوت رفيع:‏

ـ أنت مشهورة بأكل الأهداف.‏

وفي لحظة تحوّل الوضع إلى ما يشبه الجو السياسي الذي تخلقه السلطة والمعارضة. لكمة تنزل على رقبة أحدهم من الخلف مثل الصاعقة، وصفعة تنزل مثل البرق، وفي هذا الجو المكهرب والمتوتر تدخل قاطع التذاكر قائلاً:‏

ـ لَقَّبوا حبيب في الظهير. لولا هذا السجل الفنار أهدافاً كثيرة..‏

سأل رجل أنيق مُقَوْلَبٌ بصوت تداخله الهمهمة:‏

ـ ماذا قلت؟.. هذا مجرد قرعة.. لو كان هنالك عشرة منه فلا يظهرون.. نحن نأكلهم.. نأكلُ عشرة مثل حبيب.‏

قال صاحب الجريدة:‏

ـ أية محاورات يعمل حبيب هذا، أية محاورات؟.. لا أنسى أبداً قبل سنتين في مباريات الدوري أخذ الكرة من الوسط وحاور متمايلاً، وحاور، وتمايل، وفي النهاية طااااق وضعها الشِباك.‏

وضع راكب يده على فمه وأخرج صوتَ: "هرررررت"‏

ـ تمايلْ ليراك أبوك.‏

رجل جالس في الأمام له يد واحدة انتصب واقفاً مثل خطيب في صفوف المعارضة لم يُعط حق إبداء الرأي:‏

ـ ادعوا للريح، لولا أن الريح كانت ضدنا..‏

ـ أية ريح؟ ولاه هذه ريح الجناح الأيمن جعفر.‏

ـ لحبيب ثلاثة أولاد. على الرغم أنه أب لثلاثة صبيان مازال يركض في الملعب مثل كلب الصيد، ويصنع الأهداف، ويسجلها ممزقاً الشباك.‏

ـ أولاً عند حبيب ولدان فقط، وليس ثلاثة.‏

غضب قاطع التذاكر فجأة:‏

ـ وهل تعرف حبيب أكثر مني؟ عنده ثلاثة أولاد.. صبيان وبنت.‏

ـ رح إلى شغلك ياه.. نحن يومياً مع حبيب في بار (تشنشن).‏

ـ يووووه.. انظر إلى هذا!.. ولا أنا الذي أعرف حبيبنا.. لعبنا سوية في فريق شباب (طهطه قلعة) ثلاث سنوات.‏

تدخل آخر:‏

ـ كلاكما غلطان. الأولاد ليسوا من حبيب.‏

ـ ماذا تعني ولاه؟‏

ـ ولاه، هذه تقولها لأبيك.‏

ـ لماذا غضبت يا هوه؟.. قلتها بمحبة.. ماذا جرى؟ عند الضرورة تقول لي أنت شيئاً آخر. يعني إذا قلنا لإنسان ولاه، فهل يصبح فعلاً: ولاه؟..‏

قال عجوز تساقط أسنانه:‏

ـ لم يعد هنالك روح رياضية.. على زماننا كنا نقول: ولاه، ونقول: كذا ابن كذا.. ولا أحد يتحسس. كلمة عابرة.. لم يعد الوضع هكذا.. إذا مرّرت في حديثك عبارة: "كذا ابن كذا" ينط لك الجميع قائلين: "يا سيدي، يا سيدي..".‏

ـ هنالك فرق بين قول وقول يا عم.. هنالك فرق بين قول ولاه، وقولها بشكل آخر. لو شتمني أحد بقلب نظيف لما فتحت فمي، ولكن من أجل أولاد حبيب...‏

ـ لم تسمع كلامي حتى النهاية.. الأولاد من زوج امرأته السابق.‏

في أثناء جدال قاطع التذاكر، وخمسة أو ستة ركاب حول عدد أولاد حبيب، كان الآخرون يتعاركون.‏

ـ لولا إصابة (زلفو) في الشوط الثاني لرأيتم العجب.‏

ـ أوف ف ف!.. مرتضى، أتعرفون مرتضى؟.. إنه يضع خمسين واحداً مثل زلفو في جيبه المخروق..‏

ـ ولكن له ماضيه..‏

ـ طوووووت...‏

ـ لا تحكي زيادة!... ألكمك على ذقنك فأصرعك.‏

ـ أهدأ يا أخي...‏

ـ ثقّل نفسك يا أخي..‏

في ساحة التقسيم تجاوز وضع الناس في الترامواي وضع المخلل في القطرميز. ولأن قاطع التذاكر مصّر على أن لحبيب ثلاثة أولاد نسي قطع التذاكر، ونسي حتى إنه قاطع تذاكر. ولأن نصف أسنانه متساقطة كان اللعاب يتطاير من فمه وهو يصرخ:‏

ـ أنا لا أعرف عدد أولاد حبيب، وأنت الذي تعرف ها؟‏

ـ هاه.. هاه.. لأضحك إذن..‏

هجم الآخر ولكنه لم يستطع التحرك بسبب الزحام..‏

ـ لو نطحتك ستحسب أن الثور نطحك.‏

ـ ادع ربك لوجود هذا الزحام، لأنني لا أستطيع سحب يدي وإخراجها..‏

ـ انزل تحت ولاه..‏

انقسم الركاب إلى عدة فرق، واشتد النقاش، غضب رجلٌ عجوز جداً رقبته كرقبة السلحفاة، ويداه ترتجفان..‏

ـ أما عندكم خجل وحياء؟‏

قلت في نفسي: "أوه.. هذا العجوز سيعطي كلاً منهم ما يستحقه" لكنه تابع:‏

ـ الهدف الثاني كان ضربة حرة مباشرة مثل العسل، ولكن الحكم ليس حكماً.‏

ـ ليس على الحكم كلام يا أبانا..‏

رد العجوز تلميذ يبدو أنه في الثالثة عشرة، أو الرابعة عشرة من عمره، وهو جالس لأنه ركب من مجيدية كوي:‏

ـ ظلمت الحكم قليلاً يا عجوز النحس.. بهاء حكم دولي..‏

ـ نحن نعرف كيف صار دولياً، لا تخلنا نفتح الصندوق، ونطلّع المخبئ. لو دخل أبي الحزب الديمقراطي لأصبح عالمياً..‏

ـ إنك لا تقف عند كلامك.‏

لعلع صوت خشن:‏

ـ لا.. لا مكان للسياسة قطعياً في الجامعة أولاً، وفي الترامواي ثانياً.. يا حضرة السائق اسمع، إنهم يمارسون السياسة في الترامواي، أوقف الترامواي سأنزل.. لن أوقع رأسي بمصيبة.‏

ـ من حكى بالسياسة ياه؟..‏

ـ ألم تقل أنت: الحزب الديمقراطي؟‏

ـ قلت.. ماذا حصل؟‏

ـ هاه.. سمعتم؟‏

ـ لا تُدخلْ السياسة في الرياضة.‏

غضب العجوز من الولد:‏

ـ قبل أن تدخل إلى بطن أمك، كنتُ ألعب في فريق الرجال لنادي شباب (أيوان سراي) الرياضي جناحاً أيسر.. فهمت يا غشيم..‏

ـ واضح..‏

وصل الترامواي إلى غلاطة سراي، وقاطع التذاكر مازال يتكلم عن أولاد حبيب. في النهاية لم يحتمل السائق، فمد رأسه من باب غرفته، واعتقدت أنه سيقول لقاطع التذاكر:‏

"كفى، انتبه لشغلك" لكنه سأل قائلاً:‏

ـ من يشجع الفنار ولاه؟‏

ردَّ أحد الركاب:‏

ـ ماذا يعني؟ أما أعجبك؟ أنا.. ماذا حصل؟‏

صار السائق يغلي من الغضب:‏

ـ أنا لا أركّبُ في الترامواي راكباً فنارياً.. انزل...‏

قال الراكب:‏

ـ الجحشنة مني، لأنني أركب ترامواي سائقه بشكطاشياً...‏

ثم نزل من الترامواي..‏

صعد إلى الترامواي مراقب الخط في تبة باشي، فقلت في نفسي: "أوخ.. تمام، لير قاطع التذاكر الآن.. لم يقطع تذاكر من مجيدية كوي إلى هنا".‏

قال أحد الركاب المتشاجرين:‏

ـ فاز بشكطاش على الفنار بالدبية، عمل مثل الدببة.‏

صرخ السائق مخرجاً نفسه من غرفته:‏

ـ خسى.. من قال؟.. من قال هذا؟‏

خنس الرجل خلف راكب ضخم خوفاً أن ينزله السائق..‏

ـ فاز كما يجب. ألم تر كيف سجل (مُستان) الهدف من خط الجزاء؟‏

ـ رح إلى شغلك ياه.‏

ـ أقول لك لحبيب ثلاثة أولاد. بشر في عنده ثلاثة أولاد.‏

ـ ترى هل رأيت وجه الحبيب مرة واحدة في حياتك؟‏

ـ واااخ.. يعني أنا كذاب؟ سمعتم يا مواطنين؟ اشهدوا.. إنه يحقرني علناً.. سأرفع عليه دعوى.‏

قال المراقب:‏

ـ ماذا يعني؟ إذا كان الفنار خسر حتى الآن أمام بشكطاش عشرات مرات، فإن الفنار فاز عليه أكثر من خمسين مرة.‏

أما المراقب من أنصار الفنار؟ وقف السائق وقاطع التذاكر في طرف، والمراقب في طرف. كان السائق يصرخ بقوة:‏

ـ هل ستخيفني بكتابتك مخالفة؟ اكتب إذا أردت أن تكتب، في سبيل بشكطاش..‏

عاش بشكطاش..‏

ضرب قاطع التذاكر أحد الركاب على رأسه بعلبة التذاكر، وضرب العجوز الولد بمحفظته، وشد المراقب عقادة أحد الركاب البشكطاشيين، جاءت الشرطة على الصراخ، وسأل أحد الشرطيين القادمين المراقب:‏

ـ ماذا يجري؟‏

ـ يدعون أن هدف الفنار الثاني تسلل..!‏

ـ سأل الشرطي:‏

ـ أي غبي يقول هذا؟‏

ـ لم يكن تسللاً، ولكنه كان ملعوباً باليد..‏

قال رجل آخر:‏

ـ هيييش.. ألم تر لعبة كرة يد في حياتك؟‏

الشوط الثاني في مشجعي غلاطة سراي، قال:‏

ـ هيا امشوا إلى المخفر..‏

كل يشكو من الآخر. سجلوني شاهداً. تكومنا في المخفر. ألا يسألني مفوض الشرطة أنا في البداية:‏

ـ من أين أنت؟‏

ـ من (أرظروم)‏

ـ ما سألنا عن بلدك.. أي فريق تشجع؟‏

ـ لا أشجع أي فريق...‏

ـ الله.. الله.. من أي ناد أنت؟‏

لابد أن تكون من ناد، ولو أنني أعرف نادي مفوض الشرطة لذكرته.. استعنت بالله، وقلت:‏

ـ أنا فناري.‏

ـ أحسنت! تعال إلى هذه الجهة..‏

بعد أن صنفنا حسب النادي الذي نشجعه، سأل أحد المتشاجرين:‏

ـ احك ماذا جرى؟‏

قال الرجل الذي أصبحت عينه بنفسجية من لكمة عليها:‏

ـ ركبت الترامواي من مجيدية كوي لأذهب إلى عملي يا سيدي، وكنت سأنزل في ساحة التقسيم.‏

ـ لماذا لم تنزل؟‏

ـ كيف سأنزل وقد فتح حديث المباراة، اندمجنا، قال هذا: يدّعون أن (مظلوماً) الفناري شارك في المباراة دون وثيقة، وسيعترضون لدى الاتحاد العام الرياضي.‏

ـ نهض مفوض الشرطة غاضباً:‏

ـ من يحكِ حرفاً على مظلوم سأ...‏

انسليت من هناك بهدوء، وتابعت طريقي.‏

نحن ناس رياضيون والسلام...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244