جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الثلاثاء الأسود في طبعة ثانية منقحة ـــ زهير جبور

... إن الولايات المتحدة لن تكون بلداً آمناً خلال السنوات المقبلة. فهذا البلد سوف يعرف سنوات قادمة شديدة الصخب تذكر بصخب العشرينيات من القرن الماضي....‏

هذه هي خلاصة دراسة مستقبلية للباحث المستقبلي اللبناني محمد أحمد النابلسي منشورة في 1/10/2000، أي قبل حسم نتائج الانتخابات الأمريكية، ولقد ضمها النابلسي إلى دراسات مستقبلية أخرى له، وأودعها في كتابه الصادر عن دار الفكر المعاصر بعنوان "الثلاثاء الأسود ـ قصة الهجوم"، وفيه يرى المؤلف أن علائم الفوضى الأمريكية الداخلية بدأت مبكرة جدّاً. ولم تتحول إلى الكمون، إلا بفضل الرفاهية والرخاء اللذان جاءا نتيجة الحرب العالمية الثانية. ليحولا هذه الدولة المنعزلة وراء البحار إلى دولة عالمية مركزية. ومع هذا التحول توليها زعامة العالم الحر الذي خرت امبراطورياته صريعة الحرب العالمية الثانية. فانتقل العداء وتوجه المصالح الأمريكيين من مخالفة أوروبا إلى معاداة الشيوعية. فهذا البلد لا يستطيع العيش بدون عدو كونه يوجه مصالحه عكس وجه مصالح العدو الذي يختاره. وبالرغم من هذه الحاجة الهوسية للعدو فإن التهديدات الحقيقية لأمريكا لم تكن يوماً خارجية. بل هي كانت داخلية على الدوام. ففي العام 1920، حدث أول عمل إرهابي داخلي حين انفجرت عبوة ناسفة في وول ستريت (البورصة)، وأعلن يومها أن الفاعل هي مجموعة متطرفة (آرية معادية لليهود). وتوالت الأحداث الداخلية لتصيب الولايات المتحدة بخسائر موجعة، وأكثر إيلاماً من كل الحوادث الخارجية. ومن أهم المفاصل الداخلية المهددة نذكر: حوادث ليتل روك العنصرية (1957)، والثورة الطلابية الداعمة لمارتن لوثر كنغ (1964)، وإضراب عمال جنرال الكتريك (1969)، والمعارضة الحادة لحرب فيتنام لغاية نهايتها ثم حوادث لوس أنجلوس العنصرية (1991)، وانفجار اتلانتا(1994)، وانفجار أوكلاهوما (1995)، وعقبها حوادث توقعها المؤلف في دراسة منشورة له في 1/3/2001، أي قبل شهر واحد من وقوعها، وهي حوادث سينسيناتي العنصرية في 1 نيسان 2001، وهذه مجرد أمثلة على مدى إيلام الحوادث الأمريكية الداخلية.‏

من هنا كان من الطبيعي إتفاق المستقبليين على توقع تنامي خطر هذه الأحداث مع فقدان العدو الذي يشكل حاجة هوسية لهذا البلد. والتي عبرت عنها صيحة هنتنغتون في مقالته تآكل المصالح الأمريكية. وضمنها سؤال عما إذا كان انفجار أوكلاهوما ممكن الحدوث لو كان لأمريكا عدو خارجي؟...‏

الرئيس كلينتون بدا مستوعباً لهذا السؤال ومحركاته لذلك رأيناه يختلق الأعداء في محاولة لتصدير الفوضى الداخلية إلى الخارج وللحؤول دون تفجرها في الداخل. ونجح في ذلك أي نجاح. بل إنه تمكن من تحقيق أول فائض في ميزان المدفوعات الأمريكية منذ العام 1956، وكان ذلك عام 1999 باستنزاف الأموال الأوروبية، لكن هذا السلوك الكلينتوني دفع بالكثيرين، ومنهم المؤلف، إلى التساؤل عما إذا كان من الممكن الاستمرار في تصدير هذه الفوضى إلى ما لا نهاية؟‍‍... وطرح السؤال يبطن الإجابة بالنفي.‏

من هنا تكرار النابلسي في العديد من مقالاته لمقولة مفادها أن كلينتون سيكون آخر الرؤساء الأمريكيين المحترمين. ولم يخيب بوش ظنون المؤلف، إذ بدأ مواجهة النكبات منذ استلامه الحكم، وحتى اليوم. فقد كان مقدراً للفوضى الداخلية الأمريكية أن تندلع وأن تتفجر، بغض النظر عن كبسولة التفجير. إذ تجلت الفوضى الأمريكية واضحة من خلال فوضى الانتخابات الأخيرة، التي اقتضت العودة إلى تاريخ الانتخابات الأمريكية وإلى طرح ضرورات المراجعة الدستورية، مع ترشيح يهودي لمنصب حساس، وزيادة الفقر، والبطالة، وانخفاض الإنفاق، وعودة الرغبة في التسلح، ونقيضها خفض الضرائب.‏

على هذا الأساس أكد المؤلف في مقالته المنشورة بتاريخ 1/3/2001، على أن ثلاثة مجموعات من الأخطار تهدد استمرارية الأمن الأمريكي. وحددها كالتالي: 1ـ اضطرابات داخلية (بدأت بسينسيناتي ومرت بالثلاثاء مرشحة للاستمرار بأشكال عديدة أخرى). و2ـ الانهيار الاقتصادي. حيث لازم الركود توقع فوز بوش الابن وتكرس بعدها.و3ـ احتمال فقدان بوش لشخصيات هامة في فريقه الرئاسي (خصوصاً "والده ونائبه ديك تشيني").‏

وتتضخم هذه الأخطار من خلال ثغرات النظام الأمريكي الرأسمالي ومن خلال مراكمته للأعداء. فمن أعداء الحكومة الفيديرالية في الداخل يمكن تعداد كل من الميليشات البيضاء (العنصرية المعادية لليهود وللملونين)، ومهاجري أميركا اللاتينية البائسين والسود المعانين من عنصرية مزمنة. لكن الفئة الأهم هي مجموعة الأميركيين ذوي الأصول العرقية المتعرضة لاضطهاد السياسة الخارجية الأميركية، وضغوطاتها البالغة حدود التهديد بالمجاعة (الصين، وروسيا خاصة)، إضافة إلى قائمة طويلة من الأعداء الذين لا يختصر خطرهم باعتماد الحكومة الفيديرالية مصطلحاً موحداً للرمز إليهم هو مصطلح "الإرهاب". ففي نظر الحكومة الأميركية أن هؤلاء كلهم إرهابيون داخليون. وهي كانت تخصص للسيطرة على إرهابهم مبلغ ستة مليارات دولار سنوياً. وهو مبلغ أثبت "الثلاثاء الأسود" لا جدواه وانعدام فعالية القائمين عليه: (بدأت الأخبار تتسرب عن عجز المخابرات الأمريكية عن تحليل معلومات محددة تحذر من ذلك الثلاثاء)، لدرجة تطرح أسئلة معقدة عن جمود الإدارة وربما عجزها عن محاسبة المسؤولين ومساءلتهم. وهذا يبرر لجوء الرئيس السابق كلينتون لتصدير الفوضى إلى خارج الولايات المتحدة. أما بوش، ومعه الجمهوريون، فهو أراد سياسة مخالفة أدت إلى انفجار الفوضى الداخلية الأميركية. فقد ضرب الإرهاب ضربته ليصيب الجبار الأميركي في مقتل. مما أجبر بوش على العودة إلى سياسة تصدير الفوضى ولكن بعد فوات الأوان. فهل ينفع الاختصار هنا باعتبار كل الفئات سابقة الذكر إرهاباً؟‍... وهل يقتنع الجمهور الأميركي بأن ابن لادن هو العدو المنشود‍!؟...‏

إن الولايات المتحدة نادمة على مظاهر الإهمال المخابراتي وهي أكثر أسفاً لعدم ربطها بين حالات التجسس الأخيرة من روسية ويهودية وصينية وغيرها. ومهما يكن فإن هذا الطرح النظري لا يفي بعرض محتويات هذا الكتاب الذي يحتوي على تطبيقات عملية وتحليلات مباشرة للسلوك السياسي الأميركي في مواقف ووضعيات محددة. كمثل كوسوفو وتعديلات استراتيجية الناتو، وتسخير العالم لخدمة المصالح الأميركية وتصدير الفوضى الملازمة لها. مع تحليل شخصيات بوش وفريقه الرئاسي. وغيرها من التوقعات المستقبلية التي دفعت بالنابلسي للتأكيد في أكثر من مقالة، خلال السنوات السابقة، على أن سنوات شديدة الصخب تنتظر الولايات المتحدة التي لن تكون بلداً آمناً خلال السنوات المقبلة.‏

إن المقالات التي يضمها هذا الكتاب هي مقالات كان المؤلف قد نشرها في جريدة الكفاح العربي على مدى الفترة الممتدة من العام 1997، ولغاية العام 2001، لذلك فهو يرد القارئ إلى تاريخ نشر المقالة التي يقرأها بغية وضعها في إطارها الزمني الصحيح واستشفاف التحليل المستقبلي، والتوقعات المسبقة لهذه المقالات، إذ أن أهمية الكتاب إنما تكمن في هذه التوقعات المسبقة. التي يأتي تحقيقها حافزاً لاعتماد النظريات المستقبلية المؤدية إليها. كونها أثبتت فعاليتها وصحة توقعاتها. مع التنبيه إلى أن الكتاب يحتوي على توقعات متأخرة لما تزل تنتظر بعض الوقت لحين حدوثها. وحسب الكتاب أنه يقرن كل مقالة بتاريخ وجهة نشرها تاركاً للقارئ مهمة التحليل الرجعي للأحداث كي يقيمه على طريقته الخاصة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244