|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
المرأة في المجتمع
العربي قبل الإسلام ـــ د.إحسان النص لم
يكن للمرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام منزلة تضاهي منزلة الرجل، لأن ما يجعل
للمرء مكانة متميّزة في ذلك المجتمع إنما كان مقدرته القتالية، وذلك أمر طبيعي في مجتمع
قوامه الغزو والحروب المستمرّة بين القبائل، فالقوة والمهارة الحربية والشجاعة
كانت هي السجايا التي كانت منزلة الإنسان العربي تقاس بها وتوزن بميزانها، فلا غرو
أن تحتلّ المرأة في ذلك المجتمع منزلة دون منزلة الرجل، وكانت نظرة الرجل إلى
المرأة نظرته إلى مصدر للاستمتاع الجنسي، وهي إلى ذلك تقوم بالأعمال التي يأنف
الرجل من القيام بها، كحلب الماشية واجتناء ما يؤكل من النبات وطهو الطعام ونحو
ذلك. وكان
الرجل يأنف من البكاء على زوجه إذا فقدها، وكان يُعيّر إذا ألمّ بقبرها. وقد ظلّت
هذه النظرة الدونية للمرأة قائمة في المجتمع البدوي بعد الإسلام، فنسمع الفرزدق
يقول حين فقد زوجته:
وقال
أيضاً:
ولكنّ
هذه النظرة الدُونيّة إلى المرأة لم تكن عامة لدى جميع الرجال، فكان ثمة أزواج
يحسنون معاملة زوجاتهم، ويبكونهنّ إذا غالهنّ الموت، ولم تكن منزلة المرأة واحدة
في ذلك المجتمع، فكانت لبعض النساء منزلة تتيح لهنّ اختيار الزوج الذي يرضين به.
فالخنساء الشاعرة مثلاً أبت قبول دريد بن الصّمّة، سيّد بني جشم زوجاً لها، وكان
رآها تغتسل فأُعجب بها وخطبها إلى أبيها فقال له أبوها: مرحباً بك أبا قرّة، إنك
لكريم لا يُطعن في حسبه، والسيّد لا يُردّ عن حاجته، ولكنّ لهذه المرأة في نفسها
ما ليس لغيرها، وأنا ذاكرك لها وهي فاعلة. فلمّا فاتحها أبوها بالأمر أجابته: يا
أبتِ، أتُراني تاركة بني عمّي مثل عوالي الرماح، ومتزوّجة شيخ بني جُشم، هامة
اليوم أو غد. وكانت
النساء عصرئذ إلى جانب القيام بالأعمال البيتية يرافقن رجال القبيلة في الغزوات
والحروب، فيحرّضن رجال القبيلة على القتال، ويَلُمن المتقاعسين الجبناء، فإذا رأين
سيّد القوم يؤثر الموادعة على القتال جئنه بمجمر أو بثياب النساء لأنه بمثابة
النساء. ومن النساء من شاركن في القتال مشاركة فعلية وقاتلن قتال الفرسان. ولم
تكن المرأة تعيش في عزلة عن الرجال في ذلك العصر، فكانت المرأة تجالس الرجال
وتبادلهم الأحاديث. وكانت
منزلة الأُم تختلف عن منزلة الزوجة، فالرجل كان يوقّر أمه غاية التوقير، وخبر صخر،
أخي الخنساء، شاهد على تفاوت منزلة الأم ومنزلة الزوجة، فقد ضاقت زوجه بمرضه الذي
طال أمده، وكانت تترقّب وفاته لتتزوج غيره، في حين كانت أُمّه ترعاه أشد رعايةً
وتُعنى به وتحرّضه، فعبّر عن شعوره نحو أمّه وزوجته بأبيات تعدّ من غرر الشعر،
ومنها قوله:
لم
يكن لدى العرب في الجاهلية أعراف واضحة فيما يتّصل بالزواج والطلاق، وكانت هذه
الأعراف تختلف باختلاف القبائل والبيئات، وكان تعدّد الزوجات مشروعاً في ذلك المجتمع،
ولاسيّما أن الغزوات المتّصلة التي كانت تقع على عاتق الرجال كانت تؤدّي إلى رجحان
عدد النساء على عدد الرجال. ومع ذلك فقد تتزوّج المرِأة الرجل بعد الرجل إذا قُتل
زوجها في الغزو أو توفي أو طلّقها، ويضرب المثل بامرأة تزوّجت عدداً كبيراً من
الرجال هي أمّ خارجة عَمرة بنت سعد، حتى ضُرب المثل بكثرة أزواجها. وكان
الشعراء عصرئذ يتغزلون بمن أحبّوا من النساء ويذكرون اسم المحبوبة ولا يرون غضاضة
في ذكر اسمها، فالمرأة كانت ملهمة للشاعر في غزله، ولكن اتصال الرجل بالمرأة كان
اتصالاً عفيفاً لا يخدش أعراف البيئة البدوية التي لا تقرّ الصلات الماجنة بين
الرجل والمرأة، ولم يجرؤ على تحدّي هذه الأعراف إلا قلة من الشعراء يأتي في
طليعتهم امرؤ القيس الكندي. وقد
يتبادر إلى الذهن أن النساء قبل الإسلام لم يكنّ يُعنَين بزينتهنّ، والواقع كان
غير ذلك، فكانت المرأة تعنى بشعرها، فتسرّحه وتعقصه وتدهنه، وكان تجميل العيون
بالكحل سائداً، على أن المرأة الحضرية كانت أكثر احتفالاً بزينتها من المرأة البدوية. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||