جريدة الاسبوع الادبي العدد 843 تاريخ 25/1/2003
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حصان طروادة.. الصحافة الأدبيّة! ـــ د.اسكندر لوقا

المتتبع لمسيرة الحركة الصهيونيّة منذ ولادتها، يلاحظ بوضوح جملة من المحاولات التي بذلتها هذه الحركة لتضليل الرأي العام العالمي. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، تعمل هذه الحركة على ترسيخ مفهوم "شعب بلا وطن" و "وطن بلا شعب". وفي نهاية القرن المذكور، يعلم الجميع ماذا أُقرّ في مؤتمر بال في سويسرا ودور مؤسس الحركة "تيودور هرتزل" البارز في إقناع المؤتمرين بأن يكون ليهود العالم دولتهم في فلسطين عملاً بوصيّة "يهوه" إله اليهود كما يعتقدون، وذلك استناداً إلى مقولة "الأرض الموعودة" و "الفردوس المفقود" وما إلى ذلك من مقولات مضلّلة، وصولاً إلى دولتهم التي استطاعوا أن يحققوها في نهاية المطاف في العام 1948 كما هو معروف.‏

بيد أن ما قد لا يكون معروفاً، هو سعي الحركة الصهيونيّة لتحقيق التسلّل إلى المجتمع العربي في فلسطين، في أوائل القرن العشرين عن طريق الصحافة الأدبيّة بشكل خاص، وذلك بهدف تكوين "رأي" عام عربي يقبل بوجود اليهودي إلى جانب العربي على قدم المساواة، من منطلق الخلق العربي الموروث منذ القدم.‏

من هنا جاءت مساعي الحركة الصهيونيّة لتأسيس جريدة "بريد اليوم" في الحادي عشر من شهر أيار من العام 1920، كما أثمرت مساعي هذه الحركة عن إصدار الجريدة الثانية باسم "السلام" في الحادي والثلاثين من الشهر نفسه. وكان بين أعضاء هيئة تحرير هاتين الجريدتين عدد من كتّاب اليهود البارزين في تلك الحقبة في مقدمتهم "نسيم ملّوك" وكان من قبل إصدار هذه الجريدة يعمل مراسلاً لجريدة "المقطّم" في فلسطين، فضلاً عن كونه رئيساً لجمعيّة "النهضة الإسرائيلية" في مدينة القاهرة، وهي جمعية تدعو إلى "التفاهم" بين العرب واليهود، كما تدعو في الوقت ذاته للدفاع عن أهداف وبرامج الحركة الصهيونيّة في فلسطين.‏

وكان طبيعيّاً أن يكون الهدف من وراء كلّ ذلك أن تُوجّه الكتابات بجملتها إلى اليهود العرب المقيمين في فلسطين آنذاك، تثبيتاً لقناعاتهم الموروثة من التعاليم الدينيّة، وبخاصة حول "الأرض الموعودة" و "الفردوس المفقود" كما أشرنا منذ قليل وغير ذلك من المفاهيم التي روّجت لها هاتان الصحيفتان، وإلى حدّ التأثير على الرأي العام العربي الذي كان يشكّل أصحابه الأكثريّة المطلقة في البلاد لكثرة ما كانت هاتان الصحيفتان تعنيان بالشؤون الثقافيّة ويلحّ كتابها على اختراق ما كانوا يصفونه فيما بينهم "بجدار العقل العربي المصنوع من الإسمنت"!.‏

ولم تكن الصحافة العبريّة منتشرة في تلك الفترة من تاريخ فلسطين، إلى أن أقدم الكاتب اليهودي" شمعون مويل على إصدار جريدة "صوت العثمانيّة" باللغة العبريّة التي كانت تصدر قبل الحرب العالميّة الأولى أصلاً باللغة العربيّة، وقام بتوزيعها في المستوطنات اليهوديّة حصراً مع ملحق باللغة العربية. بيد أن هذه الخطوة سرعان ما فشلت، وبقيت صحيفتا "بريد اليوم" و "السلام" مستمرتين في الصدور، وهاجس كتّابها بالدرجة الأولى تهيئة الأوضاع في فلسطين، عن طريق عبور عتبة الثقافة والأدب، إلى عقل الإنسان العربي، مع الدعوة المستمرّة لحمل الحكومة البريطانيّة على تنفيذ الوعد الذي قطعه اللورد "بلفور" في العام 1917 لليهود، حول إقامة الدولة العبريّة.‏

ولم يخب رجاء الناشطين في الحركة الصهيونيّة، فكان لهم ما أرادوا. وها نحن نشهد اليوم فصول هذا الصراع الدامي بين عرب فلسطين والمحتلّين الإسرائيليين أبناء هرتزل وأحفاده على الساحة الفلسطينيّة العربيّة، على نحو ما حدث في حكاية حصان طروادة واقتحام أسوار المدينة والناس نيام أو سكارى!‏

إن واقعاً كهذا ربّما لم يكن حال عرب ما قبل التقسيم في العام 1947، ولكن الذي يجعل المرء يتساءل هو لماذا لم نكن، نحن أمة العرب، يقظين إلى الدرجة التي تجعلنا متنبّهين لمثل هذا السيناريو الذي امتدت مشاهده منذ العام 1948، مروراً بكل المحاولات التي لم يتوان الصهاينة عن القيام بها وصولاً إلى إقامة كيانهم الدخيل في المنطقة العربيّة.‏

ربّما كانت الإجابة كعادتنا أحياناً أن "الحق على الاستعمار" فرنسيّاً كان أم الاستعمار أم إنكليزيّاً أم غير ذلك. ولكن تبقى الإجابة على هذا النحو غير مقنعة، لأن في تاريخنا الحديث ما يؤكّد قدرتنا على تجاوز واقعنا المتردّي سياسياً أو اقتصادياً وتحقيق النصر على غزوات ما قبل الغزوة الصهيونيّة. وهنا قد يتنامى السؤال حول "مصداقيّة" زعماء وقادة العرب في ذلك الزمن، بينما جماهير الشعب العربي بقيت معبأة وطنيّاً بعد الحرب العالميّة الأولى، كما كانت كذلك بعد الحرب العالميّة الثانية، على أهبة الاستعداد لكتابة تاريخ المنطقة بما يناسب تطلّعات أبنائها، انطلاقاً من تجارب التصدّي للغزوات الأجنبيّة العديدة والمتتالية وتحقيق الانتصارات عليها وصولاً إلى عهد الاستقلال.‏

ترى ما هو السبب في كلّ ما حدث، ليكون ثمنه تقسيم الأرض العربيّة بين أكثرية وأقليّة ولحساب الفريق الثاني على غرار ما جرى في العام 1947؟ أهو الاستعمار وحده حقاً؟ أم أن ثمّة ما شكّل عاملاً آخر في هذه المسألة التي تقضّ مضاجعنا إلى اليوم وربّما إلى زمن بعيد أيضاً؟ إن الأسباب الموضوعيّة الخارجيّة معروفة لدى جميع سكان المنطقة، وتتلخّص بالتآمر على قضايانا العربيّة منذ مطلع القرن السادس عشر. ولكن ماذا عن الأسباب الذاتية التي لم نجرؤ حتى الآن على دراستها دراسة علميّة بعيداً عن العواطف ومراعاة الغير؟‏

أعتقد أن القيام بمثل هذه المهمّة التي تقع على عاتق مؤرخينا الجدد، سيكون بمثابة خدمة لا تقدّر بثمن لصالح أجيالنا القادمة، حتى يتنّبهوا لما هم فيه ولما هو آت في زمن ما، قد يكون قريباً جداً وقد يكون بعيداً نسبياً ولكنه لابدّ آت حتماً كما تروي أحداث المنطقة العربيّة في الوقت الراهن والبراهين أمام أبصارنا وبصائرنا لا تحتاج إلى إحصاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244